تقول معلمة: ثلاث سنوات قضيتها في التدريس داخل مدرسة ابتدائية، قد أنسى منها أسماء كثيرة ومواقف كثيرة

لمحة نيوز

تقول معلمة ثلاث سنوات قضيتها في التدريس داخل مدرسة ابتدائية، قد أنسى منها أسماء كثيرة ومواقف كثيرة، لكن هناك طفل واحد لم أستطع أن أنساه مهما مر العمر اسمه ياسر.
كان ياسر طفلًا في التاسعة من عمره، يدرس في الصف الرابع الابتدائي، وكنت أدرّس فصله حصتين في الأسبوع، ومن أول مرة رأيته فيها شعرت أن في عينيه شيئًا أكبر من عمره بكثير.
كان نحيل الجسد، شاحب الوجه، كثير الشرود، يغلبه النعاس في منتصف الحصة، وكأنه لم يعرف النوم مثل باقي الأطفال، وكان شديد الإهمال في دراسته وملابسه ودفاتره، حتى شعره كان يبدو كأنه لم تمسّه يد حانية منذ زمن.
دفاتره كانت ممزقة، كتبه بلا أغلفة، قلمه يضيع دائمًا، وحذاؤه متسخ وقديم، وكلما حاولت أن أنصحه أو أشجعه أو أعاتبه، كان يطأطئ رأسه بصمت كأنه يسمعني من مكان بعيد لا يستطيع الرجوع منه.
جربت معه الترغيب، قلت له إنني سأكافئه إذا كتب واجبه، وجربت معه اللوم، وسألته أمامي لماذا لا يهتم بنفسه مثل زملائه، لكنه لم يكن يرد إلا بنظرات خجولة وابتسامة صغيرة تموت قبل أن تصل إلى وجهه.
كنت أظنه طفلًا كسولًا أو مهملًا، وكنت أقول في نفسي إن بعض الأطفال يحتاجون إلى حزم أكثر، ولم أكن أعلم أن هناك أطفالًا لا يحتاجون إلى عقاب ولا تشجيع بل يحتاجون أن يراهم أحد حقًا.
وفي صباح شديد البرودة، حضرت إلى المدرسة في الساعة السادسة تقريبًا، قبل طابور الصباح بساعة كاملة، كان البرد قاسيًا لدرجة أن الهواء نفسه كان يؤلم الوجه، والمدرسة لا تزال شبه خالية إلا من الحارس وبعض العاملات.
دخلت الساحة وأنا أضم عباءتي حولي، وفجأة لفت انتباهي شيء صغير في زاوية بعيدة

قرب الجدار، طفلان منكمشان على بعضهما، يرتديان ملابس بيضاء خفيفة لا تقي جسديهما النحيلين من البرد.
اقتربت بسرعة، وكلما اقتربت كان قلبي ينقبض أكثر، حتى رأيت المشهد الذي لم أنسه ما حييت كان ياسر يحتضن أخاه الأصغر أيمن، ويجمع كفيه الصغيرتين المتجمدتين بين يديه، وينفخ فيهما بفمه، ثم يفركهما كأنه يحاول أن يمنحه دفئًا لا يملكه هو نفسه.
تجمدت مكاني لحظة، لم أستطع أن أتكلم، كان ياسر يرتجف، لكن عينه كانت على أخيه فقط، وكان يضمّه إلى صدره بقوة كأنه جدار صغير يحميه من برد الدنيا كلها.
ناديته بصوت لم أستطع أن أخفي ارتجافه ياسر ما الذي جاء بكما في هذا الوقت؟ ولماذا لا تلبسان ملابس تقيكما من البرد؟.
نظر إليّ سريعًا ثم أخفى عينيه في كتف أخيه، وكأنه خاف أن أرى ما وراءهما من ألم، لكن دمعة صغيرة خانته ونزلت على خده، ففضحت كل ما كان يحاول ستره.
اقتربت منهما وضممت أيمن إلى صدري، فبكيت من شدة برودة وجهه ويديه، كان جسده مثل قطعة ثلج صغيرة، أما ياسر فكان يحاول أن يبدو قويًا، لكنه كان يرتجف حتى كادت أسنانه تصطك.
أخذتهما معي إلى غرفة المكتبة، وأغلقت الباب، وخلعت الجاكيت الذي أرتديه وألبسته أيمن، ثم طلبت من العاملة أن تحضر ماءً دافئًا، وبدأت أفرك أيديهما وأنا أكرر السؤال بلهفة من أحضركما في هذا الوقت يا ياسر؟.
سكت قليلًا، ثم قال ببراءة موجعة ما أحد جابنا يا أستاذة إحنا جينا مشي.
شهقت دون أن أشعر، فالمدرسة تبعد عن الأحياء السكنية مسافة ليست قصيرة، وفي ذلك البرد القارس، كان من الصعب على رجل بالغ أن يمشيها، فكيف بطفلين صغيرين؟
سألته ولماذا خرجتما من البيت بهذا الوقت؟.

نظر إلى أخيه، ثم قال بصوت منخفض كأنه يعتذر عن شيء ليس ذنبه أبوي يطلع بدري وما يحب نصحيه وإذا نمنا زيادة نضيع الطابور، وأنا أخاف أيمن يتأخر ويضربونه.
كانت كلماته بسيطة، لكنها كسرت قلبي، طفل في الصف الرابع يحمل هم أخيه الأصغر، يخاف عليه من التأخير والعقاب، بينما لا يخاف أحد عليه من البرد والجوع والوحدة.
سألته بحذر وأمك يا ياسر؟.
خفض رأسه أكثر، وقال بعد صمت طويل أمي ماتت من سنة.
عندها فهمت شيئًا من سر عينيه، فهمت لماذا كان ينام في الحصة، ولماذا كان دفتره ممزقًا، ولماذا كان شعره مهملًا، ولماذا كانت روحه تبدو أكبر من جسده.
أكمل وهو يحاول ألا يبكي بعد ما ماتت أمي ما عاد أحد يجهزنا. أنا ألبّس أيمن، وأدور له شيء يأكله، وإذا ما لقيت نعال نظيف ألبسه أي شيء.
سألته هل أكلتما شيئًا اليوم؟.
هز رأسه بالنفي، أما أيمن فكان قد نام تقريبًا من الدفء المفاجئ، ورأسه على كتفي، كأنه لم يشعر بالأمان منذ وقت طويل.
أحضرت لهما إفطارًا من المقصف قبل أن يفتح للطلاب، خبزًا وحليبًا وبعض الجبن، وكان ياسر يأكل ببطء شديد، وكل لقمة يقطع منها نصفًا ويدسه في يد أخيه، رغم أن الجوع كان واضحًا في عينيه.
في تلك اللحظة شعرت بالخجل من كل مرة وصفته فيها بالإهمال، ومن كل مرة عاتبته على واجب لم يكتبه، وأنا لا أعرف أنه كان ينام متعبًا بعد أن يقوم بدور أم وأب لأخيه الصغير.
من ذلك اليوم بدأت أراقبه بعين أخرى، لم أعد أرى طالبًا مهملًا، بل طفلًا يحارب وحده دون أن يرفع صوته، طفلًا يحمل أخاه من يد ويجر طفولته المكسورة باليد الأخرى.
اتصلت بالمرشدة الطلابية، وبدأنا نبحث في حالته، فاكتشفنا أن
البيت يعيش فوضى صامتة بعد وفاة الأم، أب غارق في العمل والتعب، وزوجة أب لا تهتم إلا بأولادها، وياسر وأخوه يعيشان في الهامش، يأكلان إن بقي طعام، وينامان إن وجد مكان، ويذهبان للمدرسة لأن ياسر يخاف أن يضيع مستقبل أخيه كما ضاع دفء بيتهم.
بدأت المدرسة تساعدهما سرًا، وفرنا لهما ملابس شتوية، أحذية، دفاتر جديدة، ووجبات يومية، لكنني كنت أعرف أن الجوع الأعمق لم يكن جوع البطن، بل جوع الحنان.
صار ياسر يتغير قليلًا، بدأ يكتب واجبه، يرفع يده أحيانًا، يبتسم عندما يرى أخاه يدخل المدرسة دافئًا ونظيفًا، وكأن الدنيا كلها صارت أرحم قليلًا.
لكن الكليف هانجر الصادم لم يكن في فقر ياسر، ولا في موت أمه، ولا حتى في أنه كان يمشي مع أخيه في البرد قبل الفجر.
الصاعقة الحقيقية جاءت بعد أسابيع، عندما وصلتني رسالة صغيرة من ياسر وضعها فوق مكتبي، مكتوب فيها بخط مرتجف
أستاذة، لا تقولين لأحد، بس أيمن مو أخوي من أبوي أمي قالت لي قبل تموت إنه أمانة عندنا.
تجمدت وأنا أقرأ الجملة، ثم رفعت عيني إلى ياسر، فوجدته يقف عند الباب وعيناه مليئتان بالخوف، كأنه كشف سرًا كان أكبر من عمره.
اقترب مني وهمس
إذا أبوي عرف يمكن يطرده. أمي قالت لي أحميه مهما صار.
وقفت في غرفة المعلمات والورقة في يدي، وأنا أفهم أن ياسر لم يكن فقط أخًا كبيرًا لطفل صغير، بل كان يحرس سرًا قد يغيّر حياة أيمن كلها، وربما يكشف حكاية أمه التي رحلت وهي تترك في قلب طفلها وصية لا يحتملها الرجال.
فمن يكون أيمن حقًا؟ ولماذا أخفت الأم سره حتى عن الأب؟ وهل كان ياسر يحمي أخاه من البرد فقط أم من حقيقة قد تجعله بلا بيت ولا عائلة؟
روايات
رولا
والي عايز يعرف الباقي يكتب تم كملفي
تم نسخ الرابط