تقول معلمة: ثلاث سنوات قضيتها في التدريس داخل مدرسة ابتدائية، قد أنسى منها أسماء كثيرة ومواقف كثيرة
المحتويات
تلك الليلة لم أستطع النوم.
بقيت أتقلب في فراشي وصوت ياسر يرنّ في أذني أمي قالت لي أحميه مهما صار
كيف لطفل صغير أن يحمل سرًا بهذا الحجم وحده؟ وكيف لأم تحتضر أن تترك وصية كهذه لطفل بالكاد يعرف معنى الحياة؟
في اليوم التالي، حاولت أن أتصرف بشكل طبيعي، لكنني كنت أراقب ياسر أكثر من أي وقت مضى.
كان يجلس في آخر الفصل كعادته، لكنني لاحظت شيئًا جديدًا كل بضع دقائق كان يلتفت ناحية نافذة الفصل المطلة على ساحة الصفوف الأولى، فقط ليطمئن أن أيمن ما زال هناك.
وكأن قلبه الصغير لا يعرف الراحة.
بعد انتهاء الحصة، طلبت منه أن يبقى قليلًا.
وقف أمامي مرتبكًا، يضم حقيبته القديمة إلى صدره وكأنه يخشى أن أنتزع منه شيئًا.
قلت بهدوء لا تخاف يا ياسر أنا فقط أريد أن أفهم.
ظل صامتًا للحظات، ثم سألني بصوت خافت راح تقولين لأبوي؟
هززت رأسي لن أفعل شيئًا يؤذيك أو يؤذي أيمن.
تنهد طويلًا ثم جلس لأول مرة أمامي دون خوف.
قال قبل ما تموت أمي كانت تبكي كثير. وفي يوم وأنا جنبها بالمستشفى قالت لي إذا صار لي شيء، لا تخلي أحد يأخذ أيمن هو ماله أحد غيرنا.
سألته ومن أهله؟
ابتلع ريقه بصعوبة، ثم قال قالت لي إنه ابن خالتي.
تجمدت مكاني.
أكمل بصوت متقطع خالتي ماتت لما ولدته والناس كانوا يبغون يودونه دار أيتام. أمي أخذته وربّته وقالت لأبوي إنه ولدها.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
يعني أن الأب كان يعيش سنوات يظن أن أيمن ابنه الحقيقي بينما الحقيقة مخفية عنه منذ البداية.
سألت ياسر بحذر وأبوك ما شك أبدًا؟
هز رأسه بالنفي أمي قالت له إنه مولود قبل موعده بشهرين وكان يصدقها.
ثم رفع عينيه نحوي فجأة وقال بجملة كسرت قلبي بس إذا عرف الحين يمكن يكرهه.
لم أعرف ماذا
طفل صغير يحمل خوفًا أكبر من عمره، ليس على نفسه بل على طفل آخر لا يشاركه حتى الدم.
مرت الأيام، وبدأ السر يثقل على صدري أنا أيضًا.
كنت أرى ياسر يعتني بأيمن بطريقة لا تشبه الإخوة فقط بل تشبه أمًا تخاف أن يخطف القدر طفلها الأخير.
في الفسحة يطعمه قبل أن يأكل. إذا وقع أيمن، كان يركض إليه كالمجنون. إذا ضحك أيمن، يبتسم ياسر وكأنه نجا من كارثة.
وذات ظهر حدث ما لم يكن في الحسبان.
جاء والد ياسر إلى المدرسة لأول مرة منذ شهور.
كان رجلًا متعب الملامح، قاسي الوجه، يحمل فوق كتفيه عمرًا من الإرهاق. دخل غاضبًا لأنه تلقى اتصالًا بخصوص غياب أيمن المتكرر في الأسبوع الماضي بسبب مرضه.
وأثناء حديثه مع الإدارة سمع بالصدفة إحدى العاملات تقول حرام والله، مو معقول ياسر شايل هم أخوه وهو مو حتى أخوه الحقيقي
ساد الصمت.
التفت الرجل ببطء كأن الأرض انسحبت من تحته.
صرخ وش قالت؟!
ارتبكت العاملة، لكن الكلمات كانت قد خرجت وانتهى الأمر.
وفي أقل من دقيقة كان الرجل يقتحم الفصل بعينين مشتعلة.
وقف أمام ياسر وهو يصرخ مين هذا الولد؟! قول الحقيقة!
ارتعب الأطفال. أما ياسر فوقف أمام أيمن مباشرة.
كأنه درع صغير.
قال بصوت مرتجف لا تصرخ عليه هو ما سوى شيء.
لكن الأب أمسكه من ذراعه بعنف أمك كانت تكذب علي؟!
وهنا حدث الشيء الذي لن أنساه أبدًا.
أيمن، الطفل الصغير الهادئ الذي بالكاد يتكلم ركض فجأة وتعلق بثوب الرجل وهو يبكي بابا لا تضرب ياسر أنا آسف
تجمد الرجل.
نظر إلى الطفل الصغير المتشبث به وهو يناديه بابا بكل خوف الدنيا
ثم نظر إلى ياسر، الذي كان مستعدًا يتحمل الضرب والإهانة كلها، فقط حتى لا يخاف أيمن.
ساد صمت طويل
طويل جدًا.
ثم فجأة جلس الأب على
وبكى.
بكى بطريقة جعلت كل من في الفصل يشيح بوجهه.
كان يبكي كأن السنوات كلها انهارت فوق صدره دفعة واحدة.
ثم فتح ذراعيه فجأة فضم أيمن وياسر معًا بقوة.
وقال بين دموعه والله لو مو من دمي فهو من قلبي. واللي ربّيته سنين وصار يناديني بابا عمره ما يكون غريب.
انفجر ياسر بالبكاء لأول مرة أمامي.
ليس بكاء خوف بل بكاء طفل تعب أخيرًا من حمل العالم وحده.
ومنذ ذلك اليوم تغير كل شيء.
صار الأب يأتي للمدرسة باستمرار. يحضر لياسر حقيبة جديدة. ويمسك يد أيمن بنفسه وقت الانصراف.
أما ياسر فعاد طفلًا أخيرًا.
طفلًا يضحك. وينام في الحصة أحيانًا لا من التعب، بل لأن قلبه أخيرًا شعر بالأمان مرت سنة كاملة بعد تلك الحادثة
وسنة واحدة كانت كافية لتجعل ياسر يبدو وكأنه طفل مختلف تمامًا.
امتلأ وجهه قليلًا بعد أن اختفى الجوع من أيامه، وصار شعره مرتبًا، ودفاتره نظيفة، وأصبح يشارك في الإذاعة المدرسية أحيانًا، حتى إن المعلمين الذين لم يعرفوا قصته قديمًا لم يصدقوا أنه هو نفسه الطفل الشارد المنهك الذي كان ينام فوق الطاولة.
أما أيمن فصار لا يتحرك خطوة دون أن يمسك يد ياسر أو أبيه.
والأب نفسه تغيّر كثيرًا.
كان يأتي أحيانًا قبل انتهاء الدوام بنصف ساعة، يجلس بصمت قرب السور الخارجي للمدرسة ينتظر الطفلين، ثم يعود بهما إلى البيت وكأنه يحاول تعويض سنوات كاملة من الغياب دفعة واحدة.
وفي أحد الأيام، بينما كنت أرتب أوراقي بعد انتهاء الحصص، دخل عليّ ياسر بابتسامة واسعة لم أعتدها منه.
قال بحماس أستاذة! بابا قال بنسافر الخميس!
فرحت له وسألته وين بتسافرون؟
قال وهو يكاد يقفز للبحر! أول مرة بحياتنا!
ثم اقترب مني وهمس بسر صغير بابا اشترى لأيمن عوامة على
وضحك.
ضحكة حقيقية صافية تشبه الأطفال الذين لم تعرف قلوبهم الحزن أبدًا.
وقتها فقط أدركت أن بعض البشر لا يحتاجون معجزات كبيرة كي يشفوا أحيانًا يكفي أن يشعروا أنهم غير متروكين.
لكن الحياة للأسف لا تعطي الطمأنينة كاملة بسهولة.
بعد أسبوع من الرحلة، تغيّب ياسر وأيمن عن المدرسة يومين متتاليين.
في البداية ظننت أنهما مريضان، لكن في اليوم الثالث شعرت بقلق غريب، فاتصلت بالأب.
رن الهاتف طويلًا ثم جاءني صوته متعبًا ومختنقًا ياسر بالمستشفى.
شعرت ببرودة في أطرافي.
سألته بسرعة ماذا حدث؟!
سكت لحظة ثم قال وقع في البحر وهو ينقذ أيمن.
كدت أسقط الهاتف من يدي.
ذهبت إلى المستشفى فورًا.
وعندما وصلت، رأيت أيمن جالسًا على الكرسي خارج الغرفة، يحتضن عوامته الصغيرة ويبكي بصمت.
ما إن رآني حتى ركض نحوي وتشبث بي وهو يردد ياسر ما كان يتحرك خفت يموت
علمت بعدها ما حدث.
كان الأب منشغلًا بإخراج الأغراض من السيارة، بينما اقترب أيمن من الماء دون أن ينتبه أحد.
وفجأة سحبت موجة قوية الطفل الصغير إلى الداخل.
صرخ أيمن وفي أقل من ثانية، قفز ياسر خلفه دون تفكير.
رغم أنه لا يعرف السباحة جيدًا.
استطاع أن يدفع أيمن ناحية الشاطئ لكن الموج سحبه هو.
وظل يصارع الماء حتى أخرجه أحد الرجال فاقد الوعي.
دخلت غرفة ياسر وأنا أرتجف.
كان مستلقيًا على السرير، شاحب الوجه، والأجهزة تحيط به.
أما الأب فكان جالسًا قربه ممسكًا بيده ويبكي بصمت.
قال لي دون أن يرفع عينيه تخيلي الطفل اللي كنت أظنه غريب عني خاطر بحياته عشان ينقذ ابني.
ثم انفجر بالبكاء وأنا طول عمري كنت مقصر معه
اقترب أيمن من السرير ببطء، ثم وضع عوامته الصغيرة بجانب ياسر وهمس أنا آسف لا تتركني
وفي تلك اللحظة تحركت أصابع ياسر قليلًا.
ثم فتح عينيه بتعب شديد.
أول شيء قاله لم يكن أين أنا؟
متابعة القراءة