حماتي اتصلت بيا وانا مع خطيبي
الشارع.
لكن اللي حصل كان العكس تمامًا.
ابتسمت.
ابتسامة هادية خلت شريف نفسه يتوتر.
قال باستغراب رانيا... إنتِ بتضحكي؟
قلت وأنا باخد نفس عميق لا يا شريف... أنا بس فهمت اللعبة أخيرًا.
سكت شوية وبعدين كملت
أمك مش بتحاربني أنا... أمك بتحارب فكرة إنك تبقى راجل مستقل.
رفع عينه وبصلي لأول مرة.
يعني إيه؟
قلت يعني لو بكرة فسخت الخطوبة ومشيت، هتلاقي حد غيري. لكن عمرك ما هتعرف تبني بيت طول ما مرتبك في إيد حد تاني، وطول ما قراراتك بتتاخد من غيرك.
الكلام نزل عليه كالصاعقة.
لأول مرة لقيته مش بيدافع عنها.
لأول مرة سكت.
وفجأة قال بصوت مكسور
أنا تعبت يا رانيا.
الكلمة دي هزتني.
لأنها كانت أول مرة يعترف.
قعدنا أكتر من ساعتين بنتكلم.
وحكالي حاجات عمري ما كنت أعرفها.
حكالي إن أمه كانت ماسكة حسابه البنكي من أول ما اشتغل.
وإنها كانت بتراجع مصروفه جنيه جنيه.
وإن أي قرار في حياته لازم يعدي عليها الأول.
حتى العربية اللي كان ناوي يشتريها زمان أجبرته يغير رأيه فيها.
وحتى الشبكة بتاعتي... كانت هي اللي محددة ميزانيتها.
كل حاجة.
كل حاجة كانت بإيدها.
وفي نهاية الكلام قلت له
أنا مش هطلب منك تختار بيني وبين أمك.
رفع رأسه بسرعة.
قلت لكن لازم تختار بين إنك تبقى ابن طول عمرك... أو تبقى زوج.
...
تاني يوم الصبح، حصل اللي محدش كان متوقعه.
شريف راح البنك.
وفتح حساب جديد باسمه.
ولوحده.
وراح للشركة وقدّم طلب إن مرتبه يتحول عليه مباشرة.
ولأول مرة من سنين، الفلوس نزلت في حسابه هو.
مش حساب أمه.
ولما عرفت...
قامت القيامة.
اتصلت بيه أكتر من عشرين مرة.
بعتتله رسائل طويلة.
عيطت.
زعقت.
هددت إنها هتعتبره عاق.
لكن المرة دي كان فيه حاجة مختلفة.
شريف مردش.
ولما رجع البيت بالليل لقاها مستنياه.
أول ما دخل قالت
كل ده بسبب البنت دي؟!
قال بهدوء
لا يا أمي... بسبب إني كبرت.
الكلمة وقعت عليها كأنها صفعة.
لكن اللي محدش كان يعرفه وقتها...
إنها كانت مخبية مفاجأة أخطر بكتير.
لأن بعد أسبوع واحد بس، صاحب العمارة بنفسه اتصل بشريف وقال له جملة قلبت الدنيا كلها
إنت متأكد إنك موافق على عقد الشقة اللي والدتك مضيته باسمك؟
شريف اتجمد.
وقال عقد إيه؟ أنا ما مضيتش أي عقد.
فساد صمت مرعب على الطرف التاني...
قبل ما يرد الراجل
يبقى لازم تيجي فورًا... لأن في توقيع موجود هنا، والتوقيع ده عليه التزامات هتخليك مديون بمبلغ ضخم جدًا.
وفي اللحظة دي...
عرفنا إن موضوع الشقة ماكانش مجرد سيطرة.
كان فيه سر أكبر بكتير مستخبي من شهور...
وسر ده كان كفيل إنه يهدم العيلة كلها من أساسها. ركبنا العربية وجريّنا على مكتب صاحب العمارة، وقلبي أنا وشريف بيدق بطريقة مرعبة.
طول الطريق كان ساكت.
ساكت بشكل خوفني.
لحد ما وصلنا.
أول ما دخلنا المكتب، صاحب العمارة طلع ملف سميك من الدرج وحطه قدام
وقال
بص بنفسك.
فتح شريف الملف.
وأول ورقة ظهرت قدامه خلت وشه يصفر.
كان عقد الشقة فعلًا.
باسمه.
ورقم بطاقته صحيح.
لكن التوقيع...
التوقيع كان متقلد.
مش توقيعه الحقيقي.
أنا نفسي عرفت من أول نظرة.
رفع شريف رأسه وقال بصوت مرتجف
أنا ما مضيتش على ده.
صاحب العمارة اتنهد وقال
أنا مصدّقك... لأن اللي جابت العقد والدتك، وقالت إنك مسافر ومفوّضها تخلص الإجراءات.
شريف سند إيده على المكتب.
وكأنه مش قادر يصدق.
لكن الصدمة الحقيقية كانت لسه جاية.
صاحب العمارة قلب كام صفحة وقال
المشكلة مش في الشقة.
أمال في إيه؟
في القرض.
اتجمدنا كلنا.
قرض إيه؟
طلع ورقة تانية.
وقال
في مقدم كبير اتدفع للشقة، والباقي متقسط على خمس سنين. وفيه إيصالات أمانة واتفاقات مالية كلها باسم شريف.
حسيت إن الأرض بتميد بينا.
شريف قال
أنا أول مرة أشوف الورق ده.
صاحب العمارة هز رأسه.
وأنا أول مرة أعرف إنك مش موافق.
خرجنا من عنده وإحنا مصدومين.
لكن الغريب إن شريف بدل ما يروح يواجه أمه فورًا، طلب مني نروح مكان تاني.
سألته
فين؟
قال
بيت خالتي.
استغربت.
لكن وافقت.
ولما وصلنا هناك، حصلت المفاجأة.
أول ما خالته شافته قالت من غير مقدمات
أخيرًا عرفت يا ابني؟
بصينا لبعض.
وشريف قال
أعرف إيه؟
الست دموعها نزلت فجأة.
وقالت
أمك عملت نفس اللي عملته مع أبوك الله يرحمه.
سكت المكان كله.
حتى الهوا كأنه وقف.
شريف
إيه اللي بتقوليه؟
قالت وهي بتمسح دموعها
أبوك مات وهو مديون، والناس كلها افتكرته مبذر ومستهتر... لكن الحقيقة إنه كان بيمضي على ورق ما يعرفش تفاصيله، وكان بيسيب كل فلوسه في إيد أمك.
شريف حسيت إنه هيقع.
لأن الصورة اللي عاش عمره كله مصدقها بدأت تتكسر.
خالته كملت
وأبوك قبل ما يموت بشهر جه عندي وقال لي كلمة واحدة...
قال إيه؟
قال لي لو شريف كبر، قولي له يراجع كل حاجة باسمه.
ساعتها فقط...
طلع ظرف قديم من درج عندها.
ظرف أصفر عليه تراب السنين.
وقالت
أنا احتفظت بيه 12 سنة.
شريف فتح الظرف بإيد مرتعشة.
وكان جواه خطاب بخط أبوه.
لكن أول سطر فيه خلى الدم يتجمد في عروقنا
يا ابني... لو وصلت لك الرسالة دي، يبقى السر اللي خبيته عنك طول عمري لازم تعرفه...
وعندما قلب الصفحة الثانية...
شهق شريف فجأة.
وتراجع خطوة للخلف.
وكأن اللي قرأه كان أسوأ مما تخيلناه جميعًا...! شهق شريف وهو ماسك الورقة، وإيده بترتعش لدرجة إن الخطاب وقع منه على الأرض.
جريت عليه بسرعة.
في إيه؟! مكتوب إيه؟!
لكن شريف ما ردش.
كان واقف مصدوم، وعينه ثابتة على نقطة بعيدة كأنه شاف شبح.
خالته قامت من مكانها بخوف
يا ابني... قول لنا مالك.
بلع ريقه بصعوبة، ورفع الورقة تاني.
ثم قرأ بصوت متقطع
يا شريف... لو أنت بتقرأ الكلام ده، يبقى أنا غالبًا مش موجود. وفي حاجة لازم تعرفها. أنا ما متش مديون
سكت لحظة.
ثم أكمل
في توقيعات اتعملت باسمي وأنا ما وافقتش عليها. ولما اكتشفت، كان الوقت فات.