من خمس شهور حصل بيني وبين مراتي خناقة كبيرة، زي أي خناقة ممكن تحصل بين اتنين متجوزين.
بعد حوالي سنة، اكتشفنا إن مراتي حامل.
الخبر كان بالنسبة لينا معجزة، خصوصًا إننا كنا بنحاول بقالنا فترة طويلة.
يوم ما شفت التحليل في إيدها، حضنتها وأنا بعيط من الفرحة.
هي كمان كانت بتعيط.
وقالتلي: "نفسي ابننا ييجي على بيت هادي."
وعدتها وقتها إني أعمل كل اللي أقدر عليه علشان ده يحصل.
الشهور عدت، وكنا بنجهز أوضة البيبي ونشتري حاجاته واحدة واحدة.
لكن في الشهر السابع حصل موقف صغير رجع كل الذكريات.
كنا مختلفين على موضوع تافه جدًا.
الصوت علي شوية.
وفجأة سكتنا إحنا الاتنين.
هي بصتلي.
وأنا بصيتلها.
لثانية واحدة بس، شفت الخوف القديم في عينيها.
الخوف اللي كنت السبب فيه يوم من الأيام.
في اللحظة دي حسيت بوجع أكبر من أي عقوبة أو قضية.
لأنك لما تكسر إحساس الأمان عند حد بيحبك، بيحتاج وقت طويل جدًا علشان يرجع.
قمت من مكاني فورًا وقلت: "هنكمل الكلام بعدين."
ونزلت أتمشى نص ساعة برا البيت.
رجعت بعدها وأنا هادي.
وقعدنا نتكلم بهدوء لحد ما حلينا المشكلة.
قبل ما تنام، قالتلي:
"عارف إيه الفرق بين دلوقتي وبين زمان؟"
قلت: "إيه؟"
قالت:
"زمان كنت بتغضب وبتخلّي غضبك يقودك... دلوقتي بقيت أنت اللي بتقود غضبك."
الكلمة دي كانت أغلى عندي من أي حاجة.
بعدها بشهرين اتولد ابننا.
وأول مرة شلته بين إيديا، افتكرت كل الأخطاء اللي عملتها في حياتي.
وبين نفسي وبين
"نفسي لما يكبر، عمره ما يشوف أبوه بيرفع إيده على حد."
مراتي كانت نايمة وقتها بعد الولادة.
بصيتلها وهي مرهقة وتعبانة، وافتكرت قد إيه كنا قريبين من إن كل حاجة تضيع.
وقتها فهمت درس مهم:
بعض الناس بيعتقدوا إن القوة في إنك تقدر تؤذي.
لكن القوة الحقيقية إنك تبقى قادر تؤذي... وتختار ما تعملش كده.
ومن يومها، كل ما ابني يعمل غلطة أو يعصبني، بافتكر اللي حصل.
وبافتكر إن كلمة هادية ممكن تبني بيت...
وإن لحظة غضب واحدة ممكن تهده.
(ملحوظة: هذه مجرد قصة متخيلة، وليست تكملة حقيقية أو موثقة للمنشور الأصلي.)بعدين عدت سنين، وابننا كبر شوية وبقى عنده فضول يسأل عن كل حاجة.
في يوم كنا قاعدين بنتفرج على التلفزيون، وظهر مشهد فيه راجل بيزعق لمراته ويرمي حاجة على الأرض.
ابني بصلي وسأل:
"بابا... ليه الراجل ده بيعمل كده؟"
سؤال بسيط، لكنه هزني من جوا.
بصيت لمراتي للحظة، وهي بصتلي من غير ما تتكلم.
قلت له:
"لأنه غلطان."
قال: "يعني لما حد يزعل ينفع يعمل كده؟"
هزيت راسي: "لا. الزعل مش مبرر إننا نأذي حد."
سكت شوية وبعدين رجع يتفرج على التلفزيون.
لكن أنا ومراتي فضلنا ساكتين.
بعد ما نام بالليل، قالتلي:
"عارف؟ لو سألتني من كام سنة كنت هقول إن مستحيل أنسى اللي حصل."
قلت: "ودلوقتي؟"
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت:
"دلوقتي بقيت أفتكره كدرس... مش كجرح."
الكلمة
لأن بعض الأخطاء بتفضل جزء من حكايتنا مهما عدى عليها وقت.
وفي عيد جوازنا العاشر، خرجنا نتعشى سوا.
وأثناء الكلام سألتها:
"لو رجع بيكي الزمن، كنتِ هتعملي المحضر برضه؟"
سكتت شوية.
وبعدين قالت:
"أيوه."
اتصدمت رغم إني كنت متوقع الإجابة.
فسألتها: "ليه؟"
قالت بهدوء:
"لأن المحضر ما كانش علشان أدمرك... كان علشان أحمي نفسي."
وبعدين مسكت إيدي وأضافت:
"بس لو رجع بيا الزمن، كنت هقولك بالحقيقة من بدري بدل ما أخبيها."
قعدنا ساكتين ثواني.
بعدها ضحكنا على مواقف قديمة، واتكلمنا عن ابننا وشغله في المدرسة وخططنا للسفر.
وفي لحظة وأنا ببص حواليّا، أدركت إن البيت اللي كان ممكن ينهار من سنين، لسه واقف.
مش لأنه ما حصلش فيه أخطاء.
لكن لأن اللي جواه اختاروا يواجهوا الأخطاء بدل ما يهربوا منها.
وهكذا كملت حياتهم... مش حياة مثالية، ولا خالية من الخلافات، لكن حياة اتعلم أصحابها إن الاحترام أهم من كسب أي خناقة، وإن الاعتذار الحقيقي مش كلمة بتتقال مرة واحدة، لكنه تصرف بيتكرر كل يوم.بعد عيد جوازنا العاشر بكام شهر، حصل شيء ما كناش متوقعينه.
في يوم من الأيام، جالي اتصال من رقم غريب.
رديت، ولقيت صوت راجل كبير في السن بيقول:
"حضرتك فلان؟"
قلت: "أيوه."
قال: "أنا والد مراتك... ومحتاج أقابلك."
استغربت جدًا، لأن علاقتي بحمايا كانت
اتقابلنا في قهوة هادية.
فضل ساكت شوية وهو بيقلب فنجان القهوة بين إيديه.
بعدين قال:
"أنا عرفت موضوع القضية بعد ما خلص بمدة طويلة."
اتجمدت في مكاني.
كمل:
"بنتي مخبتش عليا علشان تأذيك... هي كانت خايفة لو قالت لحد، الناس تضغط عليها تتنازل قبل ما تاخد قرارها."
فضلت ساكت.
قال:
"أنا زعلت منك وقتها جدًا."
هزيت راسي وقلت: "ومن حقك."
بصلي مباشرة وقال:
"بس عايز أقولك حاجة... أنا كنت مراقبك طول السنين اللي فاتت."
استغربت: "مراقبني؟"
ابتسم وقال:
"أيوه. كنت بشوف طريقة كلامك معاها، وتعاملك مع ابنك، وتصرفاتك وقت الخلافات."
وبعدين قال جملة ما كنتش متوقعها:
"لو كنت شايفك زي زمان، كنت أول واحد أقولها تسيبك."
سكت ثواني.
وأضاف:
"لكن الراجل بيتعرف وقت الغلط... وبيتقيم بعد الغلط."
حسيت بعقدة كبيرة جوايا بتتفك.
لأن مهما عدت سنين، كنت حاسس إن في ناس مستحيل تسامحني على اللي حصل.
قبل ما نمشي، حمايا حط إيده على كتفي وقال:
"خلي بالك من بنتي."
قلت: "أوعدك."
رجعت البيت يومها.
لقيت مراتي بتحضر العشا، وابننا بيجري ورا الكرة في الصالة.
وقفت أتفرج عليهم من بعيد.
هي لاحظت وسألت:
"مالك؟"
ابتسمت وقلت:
"ولا حاجة... بس اكتشفت إن ربنا أحيانًا بيدي الإنسان فرصة تانية."
ضحكت وقالت:
"المهم ما يضيعهاش."
قربت منها وساعدتها
وفي اللحظة دي حسيت إن أجمل شيء في الحكاية كلها مش إننا نجونا من الأزمة...
لكن إننا خرجنا منها ناس أحسن مما كنا قبلها.
وهنا تنتهي الحكاية...
ليس لأن المشاكل انتهت، بل لأنهم تعلموا كيف يواجهونها دون أن يكسر أحدهم الآخر.