أول ما ورقـة الطلاق طلعـت فـي إيـدي، كـان أول قـرار خـدته هـو إنـي قفـلت

لمحة نيوز

أشوف القلق الحقيقي في عينيها.
لأنها أدركت أخيرًا إن الست اللي كانت بتسكت ماتت خلاص بصيت للرسالة كذا مرة
حاسّة إني بقرأ غلط.
وصية باسمي أنا؟
سارة خطفت التليفون من إيدي وقرأت الرسالة، وبعدها رفعت حاجبها بدهشة
استني والد هاني؟ الراجل اللي كان ساكت طول عمره ومبيتكلمش؟
هزّيت راسي ببطء.
الحاج فؤاد كان أهدى شخص في البيت كله و أكترهم غموضًا.
عمره ما أهانّي بشكل مباشر، لكنه كمان عمره ما وقف يدافع عني.
كان دايمًا قاعد في ركن الصالون بالجورنال بتاعه، يتفرج على كل حاجة بتحصل كأنه خارج المشهد.
لكن قبل وفاته بشهر تقريبًا
حصل موقف عمري ما نسيته.
كنت راجعة منهارة من الشغل، بعد ما خسرت عميل مهم بسبب مشكلة حصلت من هاني.
دخلت البيت لقيت حماتي عاملة عزومة من غير ما تقولي، والمطبخ مقلوب، وهي أول ما شافتني قالت قدام الضيوف
أهو الست المديرة أخيرًا افتكرت إن عندها بيت.
وقتها لأول مرة مقدرتش أتماسك.
سيبت الشنطة من إيدي ودخلت أوضتي وعيطت بانهيار.
وبعد حوالي ساعة
لقيت خبط خفيف على الباب.
كان الحاج فؤاد.
دخل بهدوء، وحط ظرف أبيض على الكومود.
وقال جملة واحدة بس
البيت اللي محدش يحس فيه بالتقدير بيطرد أهله
لوحده.
وبعدين خرج.
لما فتحت الظرف بعدها، لقيت فيه شيك بمبلغ كبير جدًا
ومكتوب بخط إيده
اعملي حاجة لنفسك بعيد عنهم.
يومها رفضت آخد الفلوس.
رجعتله الظرف بأدب، وهو بصلي نظرة طويلة فيها حزن غريب كأنه كان عارف النهاية من بدري.
فاقتني سارة من شرودي وهي بتقول
هتعملي إيه؟
بصيت للرسالة تاني وقلت
هروح.
تاني يوم، كنت قاعدة في مكتب المحامي.
المكان ريحته خشب قديم وورق، والهدوء فيه خانق.
الأستاذ كريم كان راجل في الخمسينات، لابس نضارة رفيعة وبيتكلم بهدوء محسوب.
أول ما قعدت، قال مباشرة
الحاج فؤاد الله يرحمه عدّل وصيته قبل وفاته بأسبوعين.
قلبي دق بسرعة.
فتح ملف قدامه وكمل
ترك لحضرتك نسبة 40 من الشركة.
اتسعت عيني بصدمة.
شركة إيه؟
رفع نظره باستغراب خفيف
حضرتك ماكنتيش تعرفي؟
هزيت راسي بالنفي.
قال
الحاج فؤاد كان شريك مؤسس في سلسلة مخازن وأراضٍ تجارية باسم أفراد من العيلة وأرباحها بالملايين.
حسّيت الأرض بتميد بيا.
هاني كان دايمًا يتعامل كأنهم متوسطين الحال
كأن كل حمل البيت عليا أنا بس.
بلعت ريقي بصعوبة وقلت
وليه يسيبلي أنا حاجة زي دي؟
سكت المحامي لحظة، وبعدها سلّمني جواب صغير مطوي.
طلب مني أسلمهولك
شخصيًا.
إيدي كانت بتترعش وأنا بفتحه.
وكان أول سطر فيه
يا ليلى
لو بتقري الرسالة دي، يبقى للأسف ابني خسر أكتر إنسانة وقفت جنبه كمّلت قراية وأنا حاسة قلبي بيتقبض مع كل كلمة.
أنا عارف إني ماكنتش شجاع كفاية عشان أوقف اللي كان بيحصلك
وعارف إن سكوتي أذاكي زيهم بالضبط.
بس الحقيقة اللي محدش يعرفها إن الشركة اللي كنتوا فاكرين هاني بيصرف منها، كانت بتخسر من سنين.
الفلوس اللي حافظت على مستوى البيت كانت فلوسك إنتِ.
وقفت القراءة لحظة، وبصيت للمحامي بذهول.
وهو هز راسه بهدوء كأنه بيأكد الكلام.
رجعت للجواب.
هاني كان مديون، وأكتر من مشروع فشل من غير ما يقولك.
ولولا شغلك، البيت كان انهار من زمان.
لكن بدل ما يعترف بفضلك، اختار يعيش في كذبة إنه الراجل المسيطر.
دموعي نزلت بصمت.
مش حزن عليه
حزن على نفسي.
على كمية المرات اللي شكّيت فيها في قيمتي، وأنا أصلًا اللي كنت شايلة الكل.
كمّلت
أما أمه فهي طول عمرها كانت خايفة منك.
الست القوية بتخوف الناس اللي متعودة تسيطر بالإهانة.
وكل ما نجحتي أكتر، كل ما حاولت تصغرك أكتر.
افتكرت نظرات حماتي كل مرة أرجع فيها من شغل مهم
التريقة المغلفة بنصيحة،
والتعليقات اللي
شكلها عادي لكن بتكسر الروح واحدة واحدة.
آخر سطر كان مكتوب بخط مهزوز كأنه اتكتب بتعب شديد
سامحيني إني اتأخرت.
وسيبي البيت ده من غير ما تبصي وراكي لأن اللي عرف قيمتك متأخر، ما يستحقش فرصة تانية.
وقعت الرسالة من إيدي.
وساعتها لأول مرة من ساعة الطلاق، عيطت فعلًا.
مش على الجواز.
ولا على هاني.
عيطت على ليلى القديمة
البنت اللي كانت كل يوم تحاول تكسب رضا ناس عمرهم ما شافوا فيها غير مصلحة.
الأستاذ كريم قطع الصمت بهدوء
في حاجة تانية لازم تعرفيها.
مسحت دموعي بسرعة وبصيتله.
فتح ملف تاني وقال
هاني حاول يطعن على الوصية الصبح.
ضحكت بمرارة
طبعًا.
لكن المحامي كمل
والأغرب إنه كان مستعجل جدًا قبل ما حضرتك تعرفي أصلًا.
اتجمّدت ملامحي.
يعني إيه؟
قال وهو بيقلب ورقة قدامه
يعني غالبًا كان يعرف إن والده كتبلك جزء من الميراث وحاول يمنع التنفيذ.
في اللحظة دي، كل حاجة ركبت فوق بعضها.
خناقاته الأخيرة،
إصراره المفاجئ على الطلاق بسرعة،
ضغط أمه المستمر
كأنهم كانوا فاكرين إنهم أول ما يخرجوني من حياتهم، هيخرجوني من كل حاجة.
لكن اللي ماكانوش يعرفوه
إن الراجل الوحيد اللي شاف الحقيقة أخيرًا، كان سايبلي حقّي قبل
ما يموت.
وفجأة تليفوني رن.
الاسم اللي ظهر على الشاشة خلّى المحامي نفسه يبصلي
هاني.
ولأول مرة من سنين
ما خفتش أرد.

تم نسخ الرابط