كانت أمي، التي بلغت الخامسة والسبعين، تقول إن النار تشتعل داخل بطنها…
كانت أمي، التي بلغت الخامسة والسبعين، تقول إن النار تشتعل داخل بطنها بينما زوجي كان يسخر منها ببرود
تمثّل حتى تأخذ منكِ فلوس أكثر.
أخذتها إلى المستشفى سرًّا
وهناك، عندما ظهرت صورة الطبقي المحوري، تغيّر وجه الطبيب فجأة وطلب إغلاق الباب.
في ذلك الصباح فهمت شيئًا واحدًا
ألم أمي لم يكن بسبب العمر.
كان تحذيرًا.
وزوجي لم يكن يحاول توفير المال
بل كان يخاف أن يكتشف أحد ما الذي يختبئ داخل جسدها.
كانت أمي دائمًا قوية.
من نوع النساء اللواتي يكنسن فناء البيت وهنّ مصابات بالحمّى، ويسقين النباتات قبل شرب الشاي، ويقلن أنا بخير حتى عندما تكون أرواحهنّ متعبة.
كان عمرها خمسة وسبعين عامًا.
تعيش وحدها داخل بيت صغير في أطراف بغداد، قرب حي هادئ تملؤه الأشجار القديمة، مع شجيرات الياسمين التي تعتني بها يوميًا، وصورة قديمة لأبي معلّقة قرب الممر، وقدر مرق لا يخلو منه مطبخها أبدًا.
لكنها منذ أسابيع لم تعد كما كانت.
تأكل ملعقتين فقط ثم تدفع الصحن بعيدًا.
تنهض شاحبة.
وتضغط على بطنها وكأن يدًا خفية تعصرها من الداخل.
قلت لها أكثر من مرة
يمّه، هذا مو طبيعي.
فتبتسم بفمها فقط، بينما عيناها تبقيان غارقتين بشيء ثقيل.
هذا عمر يا ابنتي لم أعد صغيرة.
حاولت أن أصدقها.
إلى أن سقط الكوب من يدها ذات عصر.
انحنت لتلتقطه
ثم خرجت منها آهة خافتة كسرت
اقتربت منها بسرعة.
من متى هذا الألم؟
لا تبدئين يا ليان.
جاوبيني.
أغلقت عينيها وضغطت على أسنانها.
من فترة.
في تلك الليلة أخبرت زوجي.
كنا نتعشّى بصمت.
هو يتفقد هاتفه كعادته، وأنا بالكاد أستطيع البلع.
قلت
باچر راح آخذ أمي للطبيب.
حتى لم يرفع عينيه.
ليش؟
عندها غثيان وألم وضعفت كثير.
ضحك ضحكة جافة.
أمك دائمًا تحب تضخم الأمور.
شعرت بالدم يصعد إلى وجهي.
لا تتكلم عنها هكذا.
عندها وضع الشوكة على الصحن ببطء.
ببطء مخيف.
ثم قال
عمرها خمسة وسبعين سنة يا ليان بهذا العمر كل شيء يوجع.
لكن يمكن الموضوع خطير.
الخطير فعلًا هو رمي الفلوس على الأطباء لأن عجوز تريد اهتمام.
تجمّدت.
ليس بسبب الكلمات.
بل بسبب البرود.
زوجي، سيف، يعمل في شركة تأمين كبيرة.
راتبه ممتاز.
يصرف بلا تفكير على ساعاته، وسفراته، وعشواته مع أصدقائه.
القصة كاملة في أول تعليق متنساش تصلي علي النبي نظرتُ إليه طويلًا كأنّي أراه لأول مرة، لا كرجلٍ عشتُ معه، بل كغريبٍ يختبئ خلف ملامح مألوفة.
كان يأكل بهدوء، كأن شيئًا لم يحدث.
أما أنا فكان قلبي يشتعل.
في اليوم التالي، لم أخبره بشيء.
أخذتُ أمي إلى المستشفى وحدي.
كانت تمسك بطرف عباءتها وتتنفس بصعوبة وهي تمشي، وكل خطوة منها كانت أثقل من التي قبلها.
يمّه، إذا تحسين بتعب قولي لي.
هزّت رأسها أنا بخير لا تكبّرين
نفس الجملة.
نفس الكذبة الجميلة التي كانت تقولها منذ أن كنت طفلة.
في المستشفى، الطبيب طلب فحوصات عاجلة.
تحاليل دم، أشعة، ثم تصوير طبقي محوري.
جلستُ أمام غرفة الأشعة أعدّ الدقائق.
أمي كانت بالداخل، وأنا أحاول ألا أستمع لقلقي.
بعد وقت قصير خرجت.
لكن وجه الطبيب لم يخرج معها.
خرج وحده أولًا.
كان شاحبًا.
متوترًا بشكل غير طبيعي.
قال بصوت منخفض للممرضة اقفلي الباب لو سمحتي.
ثم التفت إليّ.
حضرتك أنتِ بنت المريضة؟
هززت رأسي.
فتح الملف ببطء شديد، وكأن كل ورقة فيه ثقيلة.
ثم قال لازم نسوي تقييم إضافي فورًا.
قلبي سقط.
في إيش؟
تردد لحظة ثم قال في شيء غير طبيعي داخل البطن.
سكت.
ثم أضاف الجملة التي لم أنسها
مش مجرد مشكلة عمر في جسم غريب.
شعرت أن الأرض انشقت تحتي.
جسم غريب؟ يعني إيش؟
لم يجب مباشرة.
بل قال هل والدتك تعاني من فقدان ذاكرة؟ أو تم إدخالها للمستشفى سابقًا؟
أجبت بسرعة لا أبدًا.
هز رأسه ببطء، وكأنه لا يصدق.
ثم همس إذًا لازم نبلغ الجهات المختصة قبل أي إجراء.
خرجتُ من المكتب وأنا أرتجف.
دخلت على أمي في الغرفة.
كانت مستلقية، عيناها نصف مفتوحتين.
اقتربت منها بسرعة يمّه شو قالوا لك؟
ابتسمت ابتسامة ضعيفة قالوا كِبر سن.
كذبة أخرى.
جلستُ بجانبها، ومسكت يدها.
كانت باردة بشكل غير معتاد.
ثم قالت فجأة بصوت منخفض لا
تجمدت.
أسألوني عن إيش؟
لم ترد.
فقط أغمضت عينيها وكأنها تهرب من شيء داخلها.
في تلك اللحظة رنّ هاتفي.
اسم زوجي سيف.
رددت.
وصلني صوته هادئًا كالعادة وينك؟
نظرت إلى أمي، ثم قلت بالمستشفى.
صمت لحظة.
ثم قال ببرود غير مفهوم لا تطوّلين هناك.
سألته ليش؟
أجاب لأنهم بدأوا يفتحون أشياء ما لازم تنفتح.
توقف قلبي.
خفضت صوتي أنت تعرف شيء عن حالة أمي؟
صمت طويل.
طويل جدًا.
ثم قال جملة واحدة فقط
كنت أتمنى ما يوصلون لها أصلًا.
وانقطع الخط وقفت مكاني التليفون وقع من إيدي على السرير جنب أمي، بس أنا ما اتحركتش لحظة علشان ألتقطه.
الجملة كانت بتتكرر في دماغي كنت أتمنى ما يوصلون لها أصلًا.
يعني إيه يوصلوا لها؟
ويعني إيه أصلًا؟
بصيت لأمي لقيتها فتحت عينيها بصعوبة وقالت سيف اتصل؟
هزّيت راسي ببطء قال كلام غريب.
سكتت لحظة وبعدين قالت وهي بتبص للسقف هو عارف أكتر مما يقول.
اتجمدت.
إنتِ تعرفي إيه يا يمّه؟
حاولت تقعد، بس الألم شدّها تاني، فرفعت إيدها علي بطنها وهي بتتنفس بصعوبة ما بدي أتكلم بس اسمعي مني زين.
قربت منها بسرعة.
قالت بصوت واطي جدًا إذا صار لي شي لا تثقين فيه.
اتسعت عيني ليش تقولين كذا؟
سكتت.
وبعدين همست لأنّي مو أول وحدة.
جسمي برد.
مو أول وحدة إيش؟
ما ردّت.
بس دمعة نزلت من عينها
قبل ما أسأل تاني، الباب اتفتح فجأة.
دخل سيف.
مش زي كل مرة.
لا مبتسم، ولا هادي.
كان