دفنتُ زوجي بعد أربعين عامًا من الزواج… ولم أخبر أحدًا أنني كنت قد حجزتُ
مش اسم بابا.
وقتها فهمت حاجة مهمة.
إن الجيل اللي كان متعود ياخد مني كل حاجة بدأ يتعلم يعمل حاجاته بنفسه.
من غير ما يسحبني معاه.
في يوم جمعة، قرروا يجوا كلهم.
بس المرة دي ما جابوش شنط سفر
جابوا أكل بس.
وكل واحد كان جاي بحاجة مختلفة واحد جاي بيحكي، واحدة جايه تسألني عن الرسم، الأطفال جايين يورّوني شغلهم.
البيت كان مليان ضحك بس مش ضحك استهلاك.
ضحك مشاركة.
وفي آخر اليوم، لما الكل مشي، خالد قعد آخر واحد.
قال بهدوء فاكرة أول مرة قولتي لنا إن البيت مش فندق؟
هزيت راسي.
قال دلوقتي فهمنا إن البيت كمان مش ملك حد واحد.
سكت.
وبعدين قال هو مساحة واللي يدخلها لازم يحافظ عليها.
ابتسمت بالظبط.
وقف وهو ماشي قال تصبحي على خير
رديت وأنت كمان بس المرة دي، من غير توقعات.
وابتسم ومشي.
قفلت الباب بهدوء
وقعدت.
مش عشان أستنى حد.
لكن عشان لأول مرة
الهدوء اللي في البيت كان شبهّي.
مش شبه احتياج حد ليّا عدى وقت تاني
بس المرة دي ماكانش فيه شد وجذب زي الأول.
كان فيه شيء أهدى بكتير احترام متبادل بيتكوّن ببطء.
رجعت حياتي تمشي على إيقاعي أنا.
الصبح رسم، العصر مشي على البحر، والمساء قراءة أو شاي على البلكونة.
ومرة في مرة، بدأت ألاحظ حاجة غريبة
إني مش مستنية حد يملأ يومي.
ولا مستنية حد يفتكرني.
ده كان أكتر تغيير مرعب وجميل في نفس الوقت.
في يوم، وأنا قاعدة برسم لوحة جديدة، لقيت نفسي برسم مزرعة قديمة
بس المرة دي، مش مليانة ناس.
ولا ضحك عالي.
ولا أوامر.
كانت هادية وفيها نور داخلي.
كأنها مش مكان لكنها ذكرى اتصالحنا معاها.
خبط الباب.
فتحت.
لقيت خالد واقف ومعاه ابنه الصغير.
الولد كان شايل كراسة رسم.
قال وهو مبتسم تيتة ممكن توريني رأيك؟
فتح الكراسة.
كانت رسومات بسيطة بس فيها إحساس.
مش بيوت كبيرة ولا ناس كثير.
لكن دوائر صغيرة وكل واحدة فيها شخص لوحده وبعدين خط بيربطهم ببعض.
سألته إيه ده؟
قال دي العيلة لما كل واحد يبقى نفسه، بس لسه مربوطين.
سكت.
بصيت لخالد.
كان واقف وعيونه عليّا، كأنه مستني حكم مش قرار.
ابتسمت أخيرًا.
مش ابتسامة أم متعبة
لكن ابتسامة واحدة شايفة إن اللي قدامها بدأ يفهم.
قلت للولد حلوة جدًا بس ناقصها حاجة.
سأل بسرعة إيه؟
رفعت القلم وقلت
ضحك يعني إيه؟
قلت يعني كل واحد فيكم يسيب للتاني نفس يتنفس فيه من غير ما يقرب زيادة ومن غير ما يبعد خالص.
خالد هز راسه بهدوء.
المرة دي ماعترضش.
ولا حاول يشرح.
بس قال بدأنا نفهمها.
قعدوا شوية.
من غير طلبات.
من غير ضغط.
بس وجود بسيط.
ولما مشيوا، فضلت واقفة عند الباب.
مش حزينة.
ولا فرحانة زيادة.
بس مرتاحة.
كأن الحياة أخيرًا بقت ماشية معايا مش ضدي.
وفي الليل، وأنا برسم آخر خط في اللوحة، اكتشفت حاجة غريبة جدًا
إن البيت اللي كنت فاكرة إني خسرته
أنا ما خسرتهوش.
أنا بس رجعته لحجمه الحقيقي.
مش مركز العالم.
لكن جزء من العالم.
وأنا كمان
رجعت لحجمي الحقيقي.
مش خلف حد.
ولا فوق حد.
لكن إنسانة عايشة حياتها زي ما هي عايزاها.
قفلت الألوان.
وبصيت للبحر من الشباك.
وابتسمت لنفسي
أول مرة من غير ما أستنى أي رد من حد.