دفنتُ زوجي بعد أربعين عامًا من الزواج… ولم أخبر أحدًا أنني كنت قد حجزتُ

لمحة نيوز

دفنتُ زوجي بعد أربعين عامًا من الزواج ولم أخبر أحدًا أنني كنت قد حجزتُ رحلة بحرية لمدة عام كامل قبل وفاته بستة أشهر. وبعد أسبوع واحد فقط، جاء ابني ليخبرني بكل هدوء أن مهمتي الجديدة في الحياة أصبحت رعاية حيواناته كلما سافر هو وزوجته.
ابتسمتُ فقط.
بينما كانت زوجته تُدخل الأقفاص إلى فيلتي في شمال الرياض وكأنني عاملة لديهم كنت أعرف أن الفجر القادم سيغيّر كل شيء.
اسمي نورة العتيبي.
أبلغ من العمر ثلاثة وستين عامًا.
ولأكثر من أربعين سنة، كنت زوجة، وأمًا، وممرضة، وطباخة، وجدة مجانية، وامرأة لا يلاحظ أحد تعبها.
زوجي أبو خالد توفي فجر يوم الثلاثاء.
بكيته فعلًا.
لن أكذب.
أحببته سنوات طويلة.
لكن مرضه أيضًا أخذ مني ظهري، ونومي، وحتى صوتي أحيانًا.
في العزاء، كانت النساء يحتضننني وهن يقلن
الحين ارتاحي يا أم خالد.
ضحكت داخلي.
لا أحد كان يريدني أن أرتاح.
كانوا يريدون أن أبقى حيّة فقط لأخدمهم أكثر.
وصل ابني خالد إلى الفيلا مرتديًا ثوبًا أبيض فاخرًا ونظارة سوداء، بتلك الهيئة التي يتصنّعها كلما أراد شيئًا دون أن يبدو محتاجًا.
أما زوجته ريم، فكانت خلفه تحمل أكياس طعام خاصة بالحيوانات.
قال خالد
يمّه الحين بعد وفاة الوالد لازم نرتّب حياتنا شوي.
ظننتُ أنه سيتحدث عن الميراث.
أو عن الوصية.
أو حتى عن حزني.
لكنه صفق بيده

نحو الباب.
ففتحت ريم الباب ودخل كلبان ضخمان، وقطة شيرازية بيضاء، وقفص فيه ببغاء أخضر صرخ فور دخوله
عجوز كسولة!
ضحكت ريم.
ثم خالد.
أما أنا فلم أضحك.
قال ابني
بما إننا بنسافر كثير الفترة الجاية تقدرين تهتمين بالحيوانات. بيكون عندك جو وحركة بدل الوحدة.
وحدة.
هكذا سمّاها.
أن أبقى محاصرة وسط الشعر والروائح والفوضى والتعليمات.
وأضافت ريم وهي تتلفت حول الفيلا
وبصراحة البيت كبير عليك لحالك أحسن تتعودين على وجود ناس وحركة فيه.
حتى حفيدتي الصغيرة لم تسلّم عليّ.
كل ما سألته
أي غرفة بتصير غرفتي لما يتقسم البيت؟
حينها فقط فهمت.
لم يأتوا للاطمئنان عليّ.
جاؤوا ليروا كم مساحة ما زلت أشغلها في حياتهم.
وضع خالد ورقة فوق الطاولة.
مواعيد الطعام.
أدوية الكلاب.
رقم الطبيب البيطري.
مواعيد التنظيف.
حتى كلمات مرور نظام الحماية في شقتهم الجديدة،
القصة كاملة في أول تعليق متنساش تصلي علي النبي نظرتُ إلى الورقة مرة أخرى
ثم رفعتها ببطء، كأنني أتفحص شيئًا لا يخصني.
قلت بهدوء إنتوا جايبين جدول ولا جايبين حياة؟
سكت خالد لحظة.
ريم حاولت تضحك يمّه هو بس تنظيم عشان ما نتعبكش.
ابتسمتُ ابتسامة قصيرة تتعبوني؟
رفعت عيني لها أنا اللي تعبت أربعين سنة وأنا بنظّم حياتكم إنتوا.
ساد صمت مختلف هذه المرة مش صمت رفض، صمت إدراك متأخر.
وضعت
الورقة على الطاولة، ثم دفعتها بعيدًا كأنها شيء انتهى.
اسمعوني كويس.
اقترب خالد تلقائيًا، كأنه لأول مرة مش داخل بيت أمه لكن داخل مساحة لازم يحترمها.
قلت أنا مش ضد إنكم تسافروا ومش ضد إنكم تعيشوا حياتكم.
ثم توقفت لحظة بس أنا كمان عندي حياة.
ريم همست وإحنا كنا فاكرين إن وجودنا معاكِ حياة ليكِ.
ضحكت بهدوء مرّ لا ده كان شغل.
رفع خالد رأسه بسرعة إحنا ما قصدناش
قاطعته القصد مش مهم قد العادة يا خالد.
الهدوء اللي في الغرفة بدأ يتغير كأن كل واحد فيهم بيشوف نفسه لأول مرة من زاوية تانية.
اقتربت من باب الفيلا، وفتحته نصف فتحة.
قلت الحيوانات هتتجاب لحد متخصص بكرة.
رمشت ريم باستغراب يعني إيه؟
قلت يعني مش هكون مسؤولة عن حياة حد وأنا لسه بحاول أرجّع حياتي لنفسي.
ثم أضفت بنبرة أخف وعلى فكرة الببغاء اللي بيقول عجوز كسولة أول حاجة لازم يتعلمها الاحترام.
لأول مرة خالد ما ردش بسرعة.
كان باصص لي كأنه بيحاول يفهم أنا اتغيرت إمتى؟
لكن الحقيقة أنا ما اتغيرتش فجأة.
أنا بس بطّلت أسكت.
قبل ما أطلع، حفيدتي الصغيرة قربت مني، ومسكّت طرف عبايتي وقالت تيتة إنتي زعلانة مننا؟
نزلت لمستواها، ومسحت على شعرها أنا مش زعلانة يا حبيبتي أنا بس بقيت باختار نفسي شوية.
ابتسمت لها وده مش معناه إني بطلت أحبكم.
سكتت شوية، وبعدين حضنتني.
حضن
صغير بس كفاية يرجّع جزء من القلب مكانه.
بعدها بيومين، سافرت.
والغريب؟
ولا مكالمة كانت فيها أمر.
ولا رسالة كانت فيها طلب.
بس لأول مرة
كان فيه رسائل مختلفة
وحشتينا يا أمي امتى نقدر نشوفك من غير ما نطلب حاجة؟ ممكن نتعلم نعمل زيك نختار نفسنا برضه؟
وقتها بس ابتسمت وأنا على سطح الباخرة، والبحر قدامي واسع
وفهمت إن اللي حصل مش نهاية دور الأم.
ده كان بداية حياة أم لأول مرة مش طالبة إذن من حد تعيشها بعد ما الرسائل بدأت تهدى وتاخد شكل مختلف أنا كنت في نص البحر فعلاً.
السفينة كبيرة، والناس حواليّا كل واحد عايش حياته واحد بيقرأ، واحدة بترسم، اتنين بيضحكوا من غير سبب.
وأنا كنت قاعدة على كرسي خشب قريب من السور، ببص للمية اللي مالهاش آخر.
في الأول، الغرابة كانت هي الإحساس الأساسي.
إن مفيش حد بينادي عليا.
مفيش مسؤولية مستعجلة.
مفيش اعملي، جهزي، الحقي.
بس بعد كام يوم الفراغ اللي كان مفروض يخوفني ابتدى يبقى مساحة.
مساحة أفكر.
وأول مرة أفكر فيها لنفسي بجد.
افتكرت حياتي مش كأم ولا زوجة لكن ك نورة قبل كل ده.
كنت بحب الرسم وأنا صغيرة وبابا الله يرحمه كان بيقول دي بنتها مش هتسكت وهي ماسكة قلم.
ضحكت وقتها وأنا على سطح السفينة لأني اكتشفت إن الست اللي كنت فاكرة إني فقدتها، كانت مستخبية جوايا طول السنين دي.
وفي يوم من
أيام الرحلة، وأنا قاعدة في قاعة الرسم اللي على السفينة، واحدة ست اسمها ليلى قربت مني.
قالت إنتِ بترسمي
تم نسخ الرابط