دفنتُ زوجي بعد أربعين عامًا من الزواج… ولم أخبر أحدًا أنني كنت قد حجزتُ
المحتويات
كأنك بتطلعي حاجة مكبوتة جواكِ.
رفعت عيني لها وابتسمت يمكن أنا لسه بتعلم أرجّع نفسي.
قعدت جنبي وقالت إحنا أغلبنا هنا كده بنرجع نفسنا بعد ما ضيعناها في ناس تانية.
الجملة دي خبطت فيا.
مش لأنها جديدة لكن لأنها اتقالت بصوت عالي لأول مرة.
في نفس الليلة، جالي اتصال من خالد.
ردّيت.
كان صوته مختلف أهدى.
قال إحنا كنا عندنا عشاء عائلي وافتقدناك.
سكت شوية وبعدين كمل أول مرة أحس إن البيت ناقص فعلاً.
سألته ناقص مين؟
سكت.
وبعدين قال بصوت واطي إنتِ.
قفلت عيني لحظة.
مش من الوجع من إن الجملة دي اتأخرت سنين، لكنها وصلت.
قلت له بهدوء البيت اللي ناقصني مش هينفع يتبني عليا تاني.
سألني يعني مش هترجعي زي الأول؟
ابتسمت أنا أصلاً ماكنتش أنا في الأول.
وفي آخر الرحلة، السفينة وقفت في مدينة ساحلية صغيرة، نزلت أمشي لوحدي.
قعدت على كافيه قديم على البحر.
وقتها ليلى صاحبتي الجديدة قالتلي راجعة إسكندرية ولا راجعة البيت؟
بصيت للمية، وقلت أنا راجعة لنفسي الأول وبعدها نشوف.
بعدها بشهرين، رجعت مصر.
بس مش لنفس البيت اللي كنت سايباه.
رجعت لشقة صغيرة أهدى وأبسط فيها نور أكتر من أي وقت فات.
وفي يوم، الباب خبط.
فتحت
لقيت خالد واقف.
لوحده تاني.
بس المرة دي، مش شايل أوامر ولا مطالب.
شايل كيس صغير.
قال جبنا لك حاجات بس مش عارفين إذا كنتِ هتحبيها.
فتحت الكيس.
لقيت أدوات رسم.
ألوان.
دفاتر.
سكت.
بصيتله.
قال بسرعة إحنا مش جايين نطلب حاجة إحنا جايين نتعلم منك إزاي نبدأ من جديد.
سكت لحظة طويلة
وبعدين قلت بهدوء يبقى أول درس إنكم ما تفترضوش إن وجودي مضمون.
هز راسه اتعلمنا.
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
مش ابتسامة انتصار
لكن ابتسامة واحدة بدأت تفهم إن الحب الحقيقي لما يبقى اختيار مش عادة.
وقفلت الباب مش عشان أهرب.
لكن عشان لأول مرة الباب بقى ليّا أنا أقرر أفتحه إمتى ولِمين مرّ وقت بعد الزيارة دي، وهدوء غريب بدأ يدخل حياتي.
مش هدوء الوحدة لكن هدوء الاختيار.
كنت بفتح الشباك الصبح، أشوف الشمس على البحر، وأشرب قهوتي من غير ما أستعجل.
وأرسم.
أرسم أي حاجة وشوش، بحر، شجرة، حتى ذكريات كنت فاكرة إنها اختفت.
وفي مرة، وأنا في معرض صغير للرسومات اشتركت فيه ليلى من غير ما تقولي، وقفت قدام لوحة رسمتها لبيت قديم في المزرعة
بس المرة دي ماكنش فيه ناس.
كان فاضي.
ومضيء.
واحد من الزوار سألني البيت ده مهجور؟
ابتسمت وقلت لا ده بيت أخد إجازته مني.
ضحك.
بس أنا ما ضحكتش.
لأني لأول مرة كنت صادقة مع الجملة دي أكتر من إنها هزار.
بعد المعرض بيومين، اتصلت بيا حفيدتي.
صوتها كان متحمس تيتة! أنا دخلت كورس رسم زيك!
ابتسمت برافو عليكِ.
سكتت لحظة وبعدين قالت بابا كمان بيحاول يرسم بس بيقول
ضحكت محدش بيعرف الأول يا حبيبتي.
وبعدها سكتنا شوية.
وبعدين قالت الجملة اللي وقفت قلبي لحظة تيتة إحنا بنحاول نبقى شبهك دلوقتي.
قفلت عيني.
مش عشان فرح بس لكن عشان الخوف القديم رجع يلمسني لحظة.
الخوف إني أرجع أكون المصدر اللي الكل بيرجع له وينسوا إنّي بني آدم برضه.
في نفس الليلة، خالد جه لوحده تاني.
بس المرة دي كان ماسك ورقة صغيرة.
قعد وقال إحنا عملنا حاجة بس مش عارفين هتعجبك ولا لأ.
قلت بهدوء قول.
قال قسمنا المسؤوليات في العيلة كل واحد بقى ليه دور عشان مايبقاش كل الحمل عليكِ.
سكت.
كمل بسرعة ومفيش حاجة اسمها إنك مسؤولة عن أي حد تاني غير نفسك.
بصيت له.
المرّة دي الكلام كان مختلف مش طلب، ولا توقع ده اعتراف متأخر.
قلت اتأخرتم بس اتعلمتم.
هز راسه لسه بنتعلم.
قمت جبت كوبين شاي.
قعدنا في البلكونة.
سألني إنتي مبسوطة دلوقتي؟
فكرت.
مش ثواني لحظة طويلة.
وبعدين قلت أنا لأول مرة مش عايشة عشان أرضي حد وده لوحده راحة.
ابتسم.
قال طب وإحنا؟ لسه لينا مكان عندك؟
بصيت له وقلت أيوه بس مش في الخلفية زي الأول.
سكت.
وبعدين قلت الجملة الأخيرة بهدوء اللي عايز يقعد في حياتي يقعد بإيده الاتنين مش بإيد واحدة ماسكة طلب.
وهو سكت.
بس المرة دي سكوته ماكانش رفض.
كان فهم.
ومن يومها، العلاقة ما رجعتش زي الأول ولا حتى زي
رجعت بشكل جديد.
أبطأ.
أهدى.
وفيه مساحة لكل واحد يعيش نفسه من غير ما يطفي التاني.
وأنا؟
فضلت أرسم
وأعيش
وأسيب الباب مفتوح بس للناس اللي فاهمة إن الدخول لحياة حد مش حق.
ده امتياز بعد الجملة دي، ساد بيني وبين خالد صمت طويل مش صمت توتر، لكن صمت إعادة ترتيب.
كأنه بيحاول يفهم القواعد الجديدة للحياة اللي اتفرضت من غير إعلان.
قام هو الأول، شال الكوباية بتاعته وقال تمام هنتعلم.
ومشي بهدوء.
بس الغريب إن مشيته دي ما كانتش مشية حد زعلان كانت مشية حد بدأ يِفك حمل تقيل عن كتافه.
الأيام اللي بعدها كانت مختلفة فعلًا.
مش مثالية بس صادقة.
مرة ألاقي رسالة مش هنجي الجمعة دي عشان عايزين نسيبك ترتاحي. ومرة ممكن نعدي نشوفك؟ ولا مش مناسب؟
التغيير مش في الكلام بس لكن في السؤال قبل الفعل.
وفي مرة، وأنا قاعدة برسم في الشقة، الباب خبط.
فتحت
لقيت ابني الصغير، اللي دايمًا كان ساكت أكتر من اللازم، واقف.
ماكانش لوحده.
كان شايل شنطة صغيرة.
قال أنا سيبت البيت شوية.
استغربت ليه؟
بص للأرض عايز أعرف أعيش من غير ما أستنى حد يقررلي كل حاجة.
سكت لحظة، وبعدين ضحك بخفة واضح إني اتأثرت بيكي زيادة.
ابتسمت ده مش تأثيري ده تأثير إنك صحيت بدري متأخر.
قعدنا مع بعض.
من غير طلبات.
من غير جداول.
بس كلام عادي لأول مرة بجد.
في المساء،
حفيدي الصغير.
صوته كان متحمس تيتة! عملت أول لوحة وبعتها في معرض المدرسة!
سألته وعملت إيه؟
قال كتبوا اسمي تحتها
متابعة القراءة