بدأت ابنتي تطلب مني الإذن لتنام تحت طاولة المطبخ، وظننتُ في البداية أنه مجرد خوف طفولي عابر.
تقول لو فتحتِ الباب خلاص.
وانتهى كل شيء عند هذه اللحظة
بين بابٍ يُطرق بهدوء
وأمٍ بدأت لأول مرة تختار تصدق طفلتها ظلّ الظلام ثقيلًا كأنه انطبق على البيت كله.
صوت المقبض استمرّ مرة ببطء، مرة بتجربة، ثم توقف فجأة.
كأن من بالخارج صار يستمع أيضًا.
لم أتحرك.
جنى كانت خلفي مباشرة، تمسك طرف قميصي بقوة، أنفاسها متقطعة.
همست لها لو حصل أي حاجة تجري على أوضتك وتقفلي الباب.
هزّت رأسها بسرعة ما فيش باب بيقفله
صوتها كان مكسورًا.
ثم سكون.
سكون غير طبيعي.
لا طرق، لا حركة، لا صوت سامي.
حتى الهواء في البيت بدا مختلفًا.
اقتربتُ من الشباك مرة أخرى بحذر شديد.
الحوش فارغ.
لم يكن هناك أحد.
تجمدت.
التفتُّ نحو الباب الخلفي كان مغلقًا كما تركته.
لكن الباب الأمامي
كان مواربًا قليلًا.
قلبي سقط.
أنا متأكدة أنني أغلقته.
نظرت لجنى انتي لمستي الباب؟
هزّت رأسها بسرعة أنا ما خرجتش.
في تلك اللحظة سمعت صوتًا خفيفًا جدًا من داخل البيت.
خطوة.
ثم أخرى.
من الممر.
ليس من الخارج.
من داخل
تراجعتُ ببطء نحو المطبخ، وجنى خلفي.
الظلام لم يعد ساكنًا صار له وزن.
وفجأة انفتح باب غرفة النوم ببطء.
لم يظهر أحد.
لكن الضوء الخافت من الخارج كشف شيئًا على الأرض عند العتبة.
حذاء سامي.
مرتب كأنه خُلع بهدوء.
همست جنى هو هنا
لكن صوتها هذه المرة لم يكن خوفًا فقط.
كان يقينًا.
ثم جاء صوته من داخل البيت، قريب جدًا، من مكان لا يمكن تحديده
أنا قلت لك يا أمينة ما تحاوليش تخرجي من القصة لو دخلتيها.
ارتعشت يدي.
لم يكن صوته من باب أو نافذة.
كان كأنه في الممر نفسه.
التفتُّ بسرعة نحو المطبخ لا شيء.
ثم نحو الصالة لا شيء.
لكن خلفي مباشرة، قرب أذن جنى، جاء نفس الصوت، منخفضًا جدًا
رجّعيني ليها وهي هترجعلك كل حاجة.
صرخت جنى.
وسحبتها خلفي فورًا إلى المطبخ، وفتحت الدرج بسرعة.
يداي لم تعد تفكر.
الهاتف اشتغل أخيرًا بعد إعادة التشغيل التلقائي.
ضغطت الاتصال.
صوت رنين.
واحد
اثنين
وفي تلك اللحظة
انطفأت كل الأنوار مرة ثانية.
لكن هذه المرة لم يكن الظلام وحده.
كان هناك
ليس من الهاتف.
بل من خلفي مباشرة.
جنى همست وهي تبكي ماما ما تبصيليش وراكي.
لكنني نظرت التفتُّ ببطء شديد.
الظلام كان كثيفًا لدرجة أن ملامح الأشياء تتكسر فيه.
لكن التنفس كان حقيقيًا.
قريب جدًا من وجهي.
لم أرَ شيئًا في البداية.
ثم انحنى الظلام قليلًا.
وشعرت بوجود شخص على بعد خطوة واحدة فقط.
لكن الصوت الذي خرج لم يكن صراخًا.
كان هدوءًا أكثر رعبًا من أي صراخ
أمينة أنا واقف هنا من بدري.
ارتجفت.
جنى أمسكت بيدي حتى كادت تكسرها.
لكن فجأة
انقطع الصوت.
كأنه لم يعد موجودًا.
ثم أُضيء ضوء خافت جدًا من شاشة الهاتف الذي ما زلت أضغطه بيدي.
الاتصال ما زال يرن.
لكن على الأرض لم يكن هناك أحد.
لا ظل.
لا جسد.
فقط باب المطبخ مفتوح نصف فتحة، والهواء يتحرك ببطء كأنه خرج للتو من المكان.
جنى همست هو مش بيختفي هو بيخليكي تشوفي اللي هو عايزه.
نظرت إليها بسرعة إنتِ بتقولِي إيه؟
ابتلعت ريقها وقالت هو مش بيبقى واقف هو بيخليكي تفتكري إنه واقف.
ثم أشارت نحو الصالة
نظرت.
في الصالة كان هناك شيء واحد لم يكن موجودًا من قبل.
كرسي.
موضوع في المنتصف تمامًا مواجه للمطبخ.
وعليه
حقيبة سامي.
مرتبة بدقة.
وكأن أحدًا جلس للتو وغادر منذ لحظات فقط.
لكن البيت كان صامتًا بشكل مستحيل.
حتى الهاتف في يدي توقف عن الرنين فجأة.
رسالة صوتية وصلت.
من رقم مجهول.
ضغطت تشغيل بصعوبة.
وجاء صوت سامي واضحًا قريبًا لكن ليس من الخارج
أنا مش خارج البيت يا أمينة.
صمت ثانيتين.
ثم أكمل
أنا جوّه دماغك دلوقتي.
سقط الهاتف من يدي.
جنى صرخت ماما! هو بيكذب! ما تصدقيهوش!
لكن الصوت هذه المرة جاء من مكانين في نفس الوقت
من الرسالة
ومن الممر خلفنا
مش كله كذب يا جنى.
التفتُّ بسرعة.
الممر كان فارغًا.
لكن باب غرفة جنى كان مفتوحًا بالكامل الآن رغم أننا لم نقترب منه.
والبطانية التي كانت على السرير
كانت مسحوبة.
إلى الخارج.
نحو الممر.
وكأن شيئًا خرج منها للتو ولم يعد يحتاج أن يختبئ تحت الطاولة بعد الآن.
جنى تمسكت بي أكثر وهمست هو بقى يعرف إني صدقتك
وفي تلك
فهمت شيئًا واحدًا أخيرًا
لم يعد الأمر سؤالًا عن من هو الحقيقي.
بل عن من سيبقى صاحيًا بعد هذه الليلة ليقرر الحقيقة.