بدأت ابنتي تطلب مني الإذن لتنام تحت طاولة المطبخ، وظننتُ في البداية أنه مجرد خوف طفولي عابر.

لمحة نيوز

بدأت ابنتي تطلب مني الإذن لتنام تحت طاولة المطبخ، وظننتُ في البداية أنه مجرد خوف طفولي عابر.
لكن في الليلة الثالثة، احتضنت حقيبتها المدرسية بقوة وهمست لي
هنا تحت الطاولة لا يراني.
كان زوجي يبتسم للجميع في الحي، يحمل أكياس الخضار من السوق، ويسلّم على الجيران بأدب
لكن طفلتي ذات السنوات التسع كانت تعرف شيئًا لم أكن أريد تصديقه. 
اسم ابنتي جنى.
وكان عمرها تسع سنوات حين بدأت تتوقف عن النوم في سريرها.
انتقلنا قبل أشهر إلى بيت جديد في بغداد، في شارع هادئ تمتلئ صباحاته برائحة الخبز الحار وصوت الباعة القادمين من السوق القريب.
كنت أقول لنفسي إن أي طفلة ستشعر بالخوف في البداية
بيت جديد، أصوات جديدة، وزوج أم جديد.
زوجي سامي كان يعاملها بلطف أمام الناس.
يشتري لها الكليجة أيام الجمعة، ويسألها عن المدرسة، ويحمل حقيبتها حين نذهب لاجتماعات أولياء الأمور، وحتى يناديها أمام المعلمات
أميرتي.
الجارات كنّ يقلن لي دائمًا
يا أمينة، أنتِ محظوظة ليس كل رجل يقبل تربية ابنة ليست ابنته.
أما حماتي فكانت تكرر
سامي قلبه أبيض حافظي عليه، الرجال مثله صاروا نادرين.
وأردت أن أصدق ذلك فعلًا.
كنت بحاجة إلى تصديقه.
بعد سنوات طويلة قضيتها وحدي، أعمل في مطبخ صغير، أدفع الإيجار، وأشتري الملابس المدرسية والدفاتر والدواء ظننت أخيرًا أن هناك رجلًا سيحمل معنا هذا الحمل.
لكن جنى بدأت تتغير.
في

البداية صارت صامتة أثناء العشاء.
ثم بدأت تقضم أظافرها بعصبية.
ثم صارت تخفي حقيبتها تحت السرير وكأن بداخلها سر خطير.
وفي إحدى الليالي، دخلت غرفتها لأغطيها فوجدت السرير فارغًا.
بحثت عنها حتى رأيتها في المطبخ.
كانت مختبئة تحت الطاولة، تلف نفسها ببطانية خفيفة، وتضم دميتها القديمة إلى صدرها.
همست
جنى ماذا تفعلين هنا يا روحي؟
رفعت عينيها نحوي وقالت
أنام هنا أفضل.
الأرض باردة يا حبيبتي، ستتعبين.
لا بأس.
حاولت حملها، لكنها تشبثت بالأرض بقوة.
لا يا ماما دعيني هنا.
لماذا؟
ضغطت شفتيها وهمست
لأنه لا أحد يدخل هناك.
شعرت ببرودة تسري في ظهري.
سألتها
من الذي لا يدخل؟
خفضت رأسها ولم تجب.
في صباح اليوم التالي أخبرت سامي.
كان يجلس في المطبخ يشرب الشاي، وقميصه مكوي بعناية كعادته قبل الذهاب للعمل.
قلت له
جنى نامت تحت الطاولة البارحة.
لم يبدُ متفاجئًا أبدًا.
قال بهدوء
إنها تغار.
تغار من ماذا؟
منكِ. الآن صار لديكِ زوج. الأطفال يفعلون أي شيء حتى يجذبوا الانتباه.
قلت
لا أشعر أن الأمر طبيعي.
نظر إليّ بذلك الهدوء البارد الذي يهين دون أن يرفع صوته.
ثم قال
أنتِ ربيتها وحدك ودللتيها أكثر من اللازم. إذا كنتِ ستصدقين كل قصة تخترعها، فستتحكم بكِ طوال حياتك.
أوجعتني كلماته.
لأن جزءًا مني كان خائفًا فعلًا
خائفًا أن أكون أمًا سيئة،
وأن أرى الوحوش في أماكن لا يوجد فيها سوى أوهام طفلة.
لكن
جنى ازدادت خوفًا.
صارت تطلب مني إعداد الطعام لها من البيت رغم أن المدرسة تقدم الفطور.
وقالت إنها لا تريد الجلوس مع بقية الأطفال.
ثم بدأت تنتظر حتى أنام، لتأخذ بطانيتها وتعود إلى المطبخ.
كنت أجدها هناك تقريبًا كل ليلة.
وفي الثالثة فجرًا ذات مرة، سمعت بكاءها الخافت.
جلست قربها تحت الطاولة وهمست
جنى أخبريني ماذا يحدث.
لمست وجهي بيد مرتجفة وقالت
ماما إذا قال لك يومًا أن تذهبي وحدك، لا تصدقيه.
شعرت بقلبي يتوقف.
من؟
لكنها لم تُجب.
وفي تلك اللحظة ظهر سامي عند باب المطبخ.
قال ببرود
ما زالت تمثل؟
قلت
إنها خائفة.
ابتسم لكن عينيه لم تبتسما.
ثم قال
إذًا أخبريها أن تتوقف عن إدخال أفكار مريضة إلى هذا البيت.
اختبأت جنى أكثر تحت الطاولة.
والمؤلم أنني لم أفعل شيئًا.
هذا أكثر جزء يؤلمني حين أتذكره.
لأن الناس يظنون أن الأم تعرف دائمًا، وترى دائمًا، وتحمي دائمًا.
لكن الأذى أحيانًا لا يأتي على شكل صراخ أو ضرب أمام الجميع.
أحيانًا يأتي في هيئة رجل مهذب،
يحمل الخبز للجيران،
ويقول صباح الخير بابتسامة دافئة.
سامي لم يصرخ عليّ يومًا في الشارع.
ولم يهني أمام أهلي.
لكنه داخل البيت كان يحطم روحي ببطء.
كان يهمس قرب أذني
ابنتك تستغلك.
والدها الحقيقي تركك لسبب.
من دوني لن تقدري حتى على دفع الإيجار.
وإذا جعلتِني أبدو سيئًا ستخرجين أنتِ، أما البنت فستبقى هنا.
كان يقول ذلك بينما أظن أن
جنى نائمة في غرفتها.
أو هكذا كنت أعتقد.
وفي يوم جمعة، اتصلت بي معلمة جنى لأن ابنتي توقفت عن تسليم واجباتها المدرسية.
ذهبت إلى المدرسة مرتبكة.
أراد سامي أن يأتي معي، لكنني رفضت.
سألني
لماذا؟
قلت
مجرد أمر يخص المدرسة.
أمسك ذراعي بقوة خفيفة لكنها كانت كافية لتخيفني.
ثم همس
لا تتكلمي كثيرًا يا أمينة.
في المدرسة استقبلتني المعلمة هناء بوجه متوتر.
قالت
جنى خائفة جدًا. تنتفض عندما تسمع خطوات خلفها، وتصرّ دائمًا على الجلوس قرب الباب.
خفضت رأسي وقلت
ربما تمر بمرحلة نفسية.
لكن المعلمة لم ترد مباشرة.
فتحت ملفًا أمامها وقالت
وهناك شيء آخر أقلقنا.
ثم سألتني بهدوء
هل كل شيء بخير داخل البيت؟
شعرت أن الكلمات علقت في حلقي.
كنت على وشك أن أقول نعم، كما أفعل دائمًا.
لكنني رأيت حقيبة جنى على الكرسي ومن جيبها الجانبي كانت دميتها القديمة تخرج قليلًا، والغرز في ظهرها مفتوحة توقّفت عيناي على الدمية.
لم تكن مجرد لعبة كانت ممزقة من الخلف بشكل غريب، وكأن أحدًا كان يمسكها بقوة ثم يضغطها مرارًا في نفس المكان.
سألت المعلمة مرة أخرى بصوت أخف هل لاحظتِ أي تغيّر في جنى مؤخرًا؟ أي خوف زائد؟ كوابيس؟ رفض للعودة للبيت؟
لكن صوتي خرج متقطعًا أحيانًا نعم. لكنها طفلة حساسة فقط.
كنت أسمع نفسي أقول الجملة، وأعرف في داخلي أنني أختبئ خلفها.
المعلمة لم تضغط أكثر، لكنها دفعت الملف نحوي قليلًا وقالت
جنى كتبت هذا في دفتر الرسم.
فتحت الصفحة.
كانت رسمة بيت لكن الشيء الغريب أن البيت بلا نوافذ. وفي الزاوية تحت الطاولة تحديدًا، كانت
تم نسخ الرابط