بدأت ابنتي تطلب مني الإذن لتنام تحت طاولة المطبخ، وظننتُ في البداية أنه مجرد خوف طفولي عابر.
المحتويات
هناك دائرة صغيرة مكتوب داخلها هنا أتنفّس.
تجمدت أصابعي على الورق.
سألت بصوت بالكاد يُسمع هي قالت لك شيء؟
ترددت المعلمة لحظة، ثم قالت قالت لي جملة واحدة فقط
سكتت كأنها تختار كلماتها بعناية، ثم أضافت قالت أنا ما أريد أرجع قبل ما أعرف إذا أمي مصدّقتني ولا لا.
في تلك اللحظة شعرت أن الهواء داخل الغرفة صار أثقل.
عدت إلى البيت وأنا لا أرى الطريق جيدًا.
كان سامي في الصالة كالعادة، هادئًا، يفتح التلفاز، وكأن اليوم طبيعي تمامًا. نظر إليّ وقال بابتسامة خفيفة إيش قالت المدرسة؟ أكيد نفس الكلام دراما أطفال.
لم أجب.
مشيت مباشرة نحو المطبخ.
تحت الطاولة لم تكن جنى موجودة.
لكن بطانيتها كانت هناك.
مرتبة بعناية غير معتادة وكأن أحدًا حاول أن يخفي ارتجافًا حدث قبل دقائق.
ناديتها جنى؟
صمت.
ثم سمعت صوت باب الحمام يُغلق في الممر.
تجمدت.
تقدّمت خطوة ثم أخرى.
وحين مررت بجانب غرفة النوم، سمعت صوت سامي من خلفي بهدوء غريب أمينة لا تفتحي أبواب مالها داعي.
التفتُّ إليه.
كان واقفًا في الممر، لا يتحرك، لكن ابتسامته اختفت.
ولأول مرة لم أستطع أن أحدد إن كان ينظر إليّ أم إلى شيء خلفي.
ومن داخل المطبخ، جاء صوت خافت جدًا كأنه همس طفل
ماما أنا قلت لك قبل لا تسيبي الباب مفتوح تجمّدت في مكاني.
الصوت كان أوضح هذه المرة
لكن مصدره لم يكن المطبخ وحده.
كان يتداخل مع صمت الممر، كأن البيت نفسه صار يتكلم.
سامي لم يتحرك خطوة واحدة. فقط قال بهدوء شوفتي؟ بدأت تتخيلين زيها.
ثم أضاف وهو يشير نحو المطبخ البنت هناك. كل ده مجرد تمثيل.
لكن قلبي لم يكن يصدق كلماته هذه المرة.
تقدّمت ببطء نحو المطبخ، وكل خطوة كانت ثقيلة كأن الأرض تمسك قدمي.
تحت الطاولة لا شيء.
لكن الباب الخلفي للمطبخ كان مواربًا.
وهناك خيط خفيف من الضوء يأتي من الحوش.
خرجت.
الحوش صغير، أرضه إسمنت قديم، وفي الزاوية خزان ماء معدني.
وكانت جنى واقفة هناك.
لكنها لم تكن تنظر إليّ مباشرة.
كانت تنظر خلفي.
ارتجفت شفتيها وقالت بصوت منخفض جدًا قلت لك لا تقولي له إني خرجت.
التفتُّ بسرعة.
سامي كان خلفي مباشرة.
لم أسمع خطواته.
اقترب وقال بابتسامة هادئة جدًا، كأنها قناع جنى، تعالي للداخل. ماما تعبت من قصصك.
لكن جنى لم تتحرك.
بل قالت، لأول مرة بصوت واضح هو مش أبي.
صمت ثقيل سقط بيننا.
سامي ضحك ضحكة قصيرة بلا روح شايفة؟ حتى الكلام ده حفظته.
ثم نظر إليّ مباشرة وقال أنا قلت لك الأطفال يكذبون لما يخافون يخسروك.
لكن جنى رفعت يدها الصغيرة، وأشارت نحوه هو قفل عليّا الباب يوم ما ماما راحت السوق وقال لي لو حكيت هتنامي هنا للأبد.
تراجع الهواء في صدري.
سامي
بل صار وجهه أكثر هدوءًا.
وذلك كان أخطر.
اقترب خطوة مني وقال بصوت منخفض أمينة لو صدقتيها، هتخسري كل حاجة.
ثم أضاف وهو ينظر للحوش وأول حاجة هتخسريها هي هي.
في تلك اللحظة، جنى ركضت نحوي واختبأت خلفي.
وكان جسدها يرتجف بقوة.
وضعت يدي على كتفها لأول مرة لا أرفعها، لا أعتذر، لا أشك.
ثم قلت بصوت خرج مني بصعوبة جنى ادخلي جوه.
نظر إليّ سامي بسرعة أخيرًا رجعتي لعقلك.
لكنني لم أنظر إليه.
أخذت جنى من يدها، واتجهت نحو الباب الداخلي.
وخلفنا، سمعت صوته لأول مرة يفقد هدوءه قليلًا أمينة ما تفتحيش باب هتندمي عليه.
توقفت لحظة عند العتبة.
ثم أغلقت الباب.
ببطء.
لكن قبل أن يكتمل الإغلاق سمعت جنى تهمس ماما هو مش هيقف عند الباب ده.
وهنا فقط أدركت شيئًا واحدًا
المشكلة لم تكن في البيت.
المشكلة كانت فيمن سمح له بالدخول أول مرة وقفتُ خلف الباب مباشرة، ويدي ما زالت على المقبض.
كلام جنى كان كأنه حجر وقع في صدري.
مش هيقف عند الباب ده
التفتُّ لها بسرعة يعني إيه؟
كانت ترتجف، عيناها تلمعان بالدموع لكنها تحاول ألا تبكي هو عارف البيت ده أكتر مني أنا سمعته بيقول إنه لو في يوم خرجنا يعرف يرجّعنا.
صمت.
من الخارج لم أعد أسمع صوت سامي.
وهذا كان أسوأ من أي صراخ.
مشيتُ نحو غرفة المعيشة، قلبي يدق
كان يقف في الحوش.
لكن ليس واقفًا كما يتشاجر الناس أو يغضبون
كان هادئًا، ينظر إلى الباب، كأنه ينتظر.
ثم ابتسم.
ابتسامة قصيرة جدًا، وكأنه يقول خلاص فهمتي اللعبة.
عدت بسرعة إلى جنى.
جلست على الأرض أمامها وقلت بصوت منخفض اسمعيني كويس هل هو عمل لك حاجة؟ ضرب؟ لمس؟ أي حاجة؟
هزّت رأسها بسرعة لا بس كان يخوفني ويقول إنك مش هتصدقي وإنه لو حكيت هتزعلي مني.
ثم أضافت بصوت أضعف وكان يقفل عليّا المطبخ لما تروحي الشغل ويقول لي أتمرن إني أبقى ساكتة.
سكتُّ.
ليس لأنني لم أفهم
بل لأنني فهمت متأخرًا جدًا.
سمعت صوت الباب الخلفي يهتز بخفة.
مرة.
ثم ثانية.
لم يكن يطرق بقوة.
كان يجرب.
جنى أمسكت بيدي بقوة قلت لك هو ما بيستأذنش.
أخذت نفسًا عميقًا.
هذه المرة لم ألتفت نحو الباب.
ذهبت مباشرة إلى درج صغير في الصالة، ويدي ترتجف.
أخرجت الهاتف.
لكن قبل أن أضغط زر الاتصال، انقطع التيار فجأة.
البيت كله غرق في الظلام.
سكتت الأجهزة، وسكت الثلاجة، وسكت كل شيء.
لكن الباب لم يسكت.
سمعنا صوت المقبض يتحرك ببطء.
جنى همست هو كده بيشتغل لما ما يكونش في نور.
ثم فجأة
جاء صوت سامي من الخارج، هادئًا جدًا، أقرب إلى الهمس
أمينة أنا مش داخل أأذي حد.
توقفت يدي فوق زر الاتصال.
ثم أكمل أنا داخل أرجّع
في تلك اللحظة
لم أعد أعرف أي رواية هي الحقيقة.
لكنني نظرت إلى جنى.
وكانت تنظر إليّ وكأنها
متابعة القراءة