لم يحضر أحد حفل تخرّجي. وبعد ثلاثة أيام فقط، أرسلت لي أمي رسالة
ما أرجع لنفس الدوامة.
هزت سارة رأسها بسرعة وكأنها تخشى أن تختفي ريم إذا اعترضت.
وفي تلك الليلة، عادت ريم إلى شقتها وعقلها لا يتوقف.
خمسون مليون دينار.
ديون.
رجال يأتون للبيت.
بيع منزل الجد.
وشعور مرعب بأن اسمها يُستخدم كضمانة دون علمها.
عند منتصف الليل تقريبًا، رن هاتفها.
رقم مجهول.
ترددت قليلًا ثم أجابت.
جاءها صوت خشن
الأستاذة ريم الجبوري؟
اعتدلت في جلستها فورًا.
نعم؟
معاج أبو زيد.
تجمد الدم في عروقها.
أكمل الرجل بهدوء مخيف
الوالدة كلتلي إنج بنت أصول وما تقصرين بالسداد.
أغلقت ريم عينيها للحظة.
طبعًا.
حتى ديونها حاولت أمها أن ترميها فوق كتفيها.
قالت ببرود حذر
الديون مو باسمي.
ضحك الرجل ضحكة قصيرة أرعبتها أكثر من الصراخ.
صحيح بس الناس مرات تدفع مو خوف من القانون خوف من الفضيحة.
قبضت ريم على الهاتف بقوة.
تهددني؟
لا يمّه بس أحب أوضح إن جماعتي ما يحبون يتأخر حقهم.
ثم أغلق الخط.
بقيت ريم تحدق في الشاشة وقلبها ينبض بعنف.
ولأول مرة منذ أن ابتعدت عن بيتهم
شعرت أن الماضي لم ينتهِ فعلًا.
بل كان يركض خلفها أسرع مما توقعت.
وفي صباح اليوم التالي، بينما كانت تدخل مبنى المركز
لاحظت سيارة سوداء متوقفة قرب الباب.
ورجلًا يقف بجانبها، يراقب الداخلين بصمت.
وما إن وقعت عيناه عليها
حتى ابتسم ببطء توقفت خطوات ريم تلقائيًا.
الرجل كان في أواخر الأربعينات، ضخم الجثة، يرتدي دشداشة داكنة وساعة ذهبية لامعة، وابتسامته البطيئة كانت أسوأ من أي تهديد مباشر.
عرفته فورًا.
أبو زيد.
حاولت أن تكمل طريقها نحو الباب وكأنها لم تلاحظه، لكنه تحرك بهدوء ووقف أمامها.
صباح الخير أستاذة ريم.
قالها بنبرة مهذبة بشكل مستفز.
رفعت رأسها بثبات مصطنع
إذا عندك موضوع، احچي وي المحامي أو وي أمي. مو أني.
ابتسم
المشكلة إن أمج اختفت من البارحة.
شعرت ريم بأن الأرض اهتزت تحتها.
شنو يعني اختفت؟
رفع كتفيه بلا مبالاة
تلفونها مغلق، والبيت مقفول والجيران يكولون إنها طالعة من الفجر.
ثم اقترب خطوة صغيرة وهمس
وتركت ورقة.
تشنج جسد ريم كله.
شنو مكتوب بيها؟
أخرج أبو زيد صورة من هاتفه ورفعها أمامها.
كانت بخط أمها فعلًا.
إذا صار أي شي، بنتي ريم تعرف تتصرف.
اختفى الهواء من صدرها للحظة.
حتى هروبها
حمّلته لها.
قال أبو زيد بنبرة هادئة لكنها حادة
بصراحة؟ أني مو مهتم منو يدفع. بس فلوسي أريدها.
رفعت ريم عينيها إليه بثبات أخيرًا.
وأني مو مسؤولة عن ديون شخص بالغ.
ضحك بخفة
قانونيًا؟ صحيح.
ثم نظر نحو باب المركز خلفها.
بس سمعت إنج توظفتي بمكان محترم والناس تحب الحچي.
وصلت الرسالة بوضوح.
إذا لم تدفع سيلاحقها بالفضائح والترهيب.
شعرت بالخوف، نعم.
لكن خلف الخوف، كان هناك شيء آخر بدأ يكبر ببطء داخلها.
الغضب.
غضب سنوات كاملة من الاستغلال والصمت.
أخذت نفسًا عميقًا وقالت بوضوح
اسمعني زين إذا رجعت وقفتلي هنا مرة ثانية، أو اتصلت بيا، أو حاولت تدخل شغلي أني راح أقدم بلاغ رسمي بالتهديد والابتزاز.
اختفت الابتسامة من وجه الرجل للحظة.
ثم قال ببرود
قوية صرتي.
أجابته دون تراجع
لا بس تعبت أخاف.
ثم تجاوزته ودخلت المبنى.
كانت يداها ترتجفان بعنف وهي تضغط زر المصعد.
وما إن أُغلق الباب حتى انهارت دموعها أخيرًا.
لكنها مسحتها بسرعة عندما سمعت صوتًا خلفها
ريم؟
التفتت بسرعة.
كان الدكتور سامر يحمل ملفات بيده وينظر إليها بقلق واضح.
لاحظ شحوب وجهها فورًا.
شصار؟
فتحت فمها لتقول ماكو شي كعادتها
لكن الكلمات توقفت.
لأنها فجأة أدركت كم تعبت وهي تحمل كل شيء وحدها.
انخفض صوتها وهي تقول
أعتقد عندي مشكلة كبيرة.
نظر إليها
زين. نحلها.
تجمدت مكانها.
بهذه البساطة؟
بدون لوم؟
بدون هذا مو شغلي؟
شعرت بعينيها تمتلئان مجددًا.
أخذها سامر إلى مكتبه، وأغلقت الباب خلفهما.
حكت كل شيء.
العمل منذ المراهقة.
التحويلات.
الاستغلال.
الديون.
اتصال أبو زيد.
حتى بلاغ الشرطة.
كان يستمع دون مقاطعة، وكلما توقعت أن يغير نظرته عنها بقي هادئًا.
وعندما انتهت، ساد الصمت للحظات.
ثم قال شيئًا لم تتوقعه أبدًا
ريم أمج مو مسؤوليتج.
همست بتعب
بس سارة
سارة تختلف.
ثم مال قليلًا للأمام وأضاف
تساعدين أختج إذا تحبين. لكن إنقاذ شخص يرفض ينقذ نفسه؟ هذا مو واجبج.
شعرت ريم وكأن أحدهم سم ريم الحقيني، راح يقتلني!
نهضت ريم من مكانها فورًا، وقلبها ارتطم بعنف داخل صدرها.
يمّه؟ وينج؟
لكن صوت أمها كان متقطعًا وسط بكاء وتمثيل اختلطا بطريقة أربكتها
مخزن بمنطقة جميلة أبو زيد يريد يوديني للشرطة إذا ما دفعنا تعالي بسرعة، بس إنتِ وحدج!
ثم انقطع الخط.
ساد الصمت داخل المكتب.
كانت ريم تحدق بالهاتف وأنفاسها متسارعة.
جزء منها أراد أن يركض فورًا.
وجزء آخر كان يتذكر كل مرة استُدرجت فيها بالذنب والخوف حتى تخسر نفسها.
قال سامر بهدوء حاسم
ما تروحين وحدج.
رفعت رأسها إليه بتوتر
بس إذا كانت فعلًا بخطر؟
أخرج هاتفه مباشرة.
إذا أكو خطر حقيقي، الشرطة تتدخل. مو إنتِ.
ترددت ريم.
كانت هذه أول مرة في حياتها يقف أحد بينها وبين الفوضى بدل أن يدفعها نحوها.
اتصل سامر بأحد معارفه في مركز الشرطة القريب وشرح الوضع بسرعة، ثم نظر إليها
ننتظرهم ونروح سوه.
بعد أقل من عشرين دقيقة، كانت ريم تجلس في سيارة الشرطة، يداها باردتان وعيناها معلقتان بالشارع.
وصلوا إلى المخزن القديم في منطقة جميلة.
الباب الحديدي كان نصف مفتوح.
نزل الضابط أولًا بحذر،
لكن ما إن دخلوا
حتى تجمدت ريم مكانها.
أمها لم تكن مربوطة.
ولا مُعنَّفة.
كانت جالسة على كرسي بلاستيكي، تشرب الشاي.
وأمامها أبو زيد.
كأنهم كانوا ينتظرونها.
وقفت الأم بسرعة ما إن رأت ريم، ووضعت يدها على رأسها وهي تصرخ
يمّه الحمد لله إجيتِ! والله غصبًا عني!
لكن الضابط نظر حوله ببرود واضح.
وين التهديد والخطف اللي بلغتوا
عنه؟
ساد صمت ثقيل.
ثم قال أبو زيد بهدوء مستفز
حضرة الضابط، إحنا بس نريد نحل موضوع الدين عائليًا.
التفتت ريم ببطء نحو أمها.
وكان شيء داخلها ينكسر للمرة الأخيرة.
جبتيني لهنا حتى تضغطين عليّ؟
بدأت الأم تبكي فورًا
والله ما بيدي يا بنتي! الرجال يريدون فلوسهم! شأسوي؟!
صرخت ريم لأول مرة
تشتغلين! تتحملين نتيجة أفعالج! مو تبيعيني كل مرة حتى تهربين!
تراجعت الأم خطوة، مصدومة من صوت ابنتها أكثر من الكلمات نفسها.
أما ريم، فكانت ترتجف بالكامل الآن.
سنوات من السكوت خرجت دفعة واحدة.
عمري كله أركض حتى أرضيچ وأنتِ كل مرة تحفرين حفرة أعمق وتدفعيني جوّاها! حتى يوم تخرجي حتى فرحتي الوحيدة حولتيها لطلب فلوس!
انهمرت دموع الأم، لكنها لم تعد تؤثر فيها كما السابق.
لأن ريم أدركت أخيرًا الفرق بين الإنسان المحتاج
والإنسان الذي يستهلك كل من حوله بلا شبع.
اقترب الضابط وقال بحزم
الموضوع انتهى. وإذا صار أي ابتزاز أو تهديد بعد اليوم، راح تتخذ إجراءات قانونية.
نظر أبو زيد إلى ريم طويلًا، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة باردة.
واضح البنية تعلمت توقف على رجليها.
أجابته ريم بثبات
متأخر بس إي نعم.
ثم التفتت نحو أمها.
كانت تنتظر منها توسّلًا.
أو اعتذارًا.
أو حتى حضنًا أخيرًا.
لكن أمها قالت شيئًا واحدًا فقط
يعني راح تتركينا بالشارع؟
وأخيرًا
فهمت ريم الحقيقة كاملة.
بعض
يرون فقط ما الذي يمكنك تقديمه لهم.
مسحت دموعها ببطء وقالت بهدوء موجع
أني مو بنك ولا طوق نجاة لأحد يرفض يسبح.
ثم استدارت وغادرت المخزن.
هذه المرة
لم تنظر خلفها.