لم يحضر أحد حفل تخرّجي. وبعد ثلاثة أيام فقط، أرسلت لي أمي رسالة
لم يحضر أحد حفل تخرّجي.
وبعد ثلاثة أيام فقط، أرسلت لي أمي رسالة تقول فيها
أحتاج 750 ألف دينار عراقي حتى نجهّز عيد ميلاد أختك سارة.
حوّلت لها ألف دينار فقط وكتبت مبروك.
ثم غيّرت قفل باب شقتي.
وفي صباح اليوم التالي طرقت الشرطة بابي.
كان يوم التخرج هو اليوم الوحيد الذي ظننت فيه أن أحدًا سيأتي من أجلي أخيرًا.
داخل القاعة الكبيرة في جامعة بغداد، كانت العائلات ترفع هواتفها، تلتقط الصور، تبكي وتضحك بفخر.
وعندما نادى الدكتور اسمي
ريم علي الجبوري ماجستير في تحليل البيانات.
وقفتُ وأنا أحاول الابتسام، بينما شعرت أن عباءة التخرج أصبحت ثقيلة فوق كتفي فجأة.
نظرت نحو المقاعد المخصصة للعائلات.
فارغة.
لا أحد يلوّح.
لا أحد يبحث عني بعينيه.
ولا حتى وجه مألوف واحد.
كانت الصفوف الخالية تبدو أطول من اللازم كأنها تذكير قديم بأنني، مهما درست أو تعبت، سأبقى تلك البنت التي كبرت دون سند حقيقي.
اقترب مني المصوّر وطلب مني الوقوف قرب عائلة أخرى حتى تبدو الصورة أجمل.
احتضنوا ابنتهم بفخر.
أما أنا فكنت واقفة بينهم كأنني ضيفة داخل إنجازي نفسه.
المفروض أنني تعودت.
ذلك اليوم فقط أعاد نفس الحقيقة التي كنت أبتلعها منذ سنوات.
أنا لم أكبر كابنة داخل البيت.
كبرت كأنني بطاقة مصرفية تمشي على قدمين.
منذ كان عمري ستة عشر عامًا، كنت أستيقظ قبل الخامسة صباحًا
ودائمًا كانت تصل رسائل أمي
ريم، أختك تحتاج ملابس للمدرسة.
أرسلي شوية حتى ندفع درس الرياضيات لسارة.
تره مجرد مساعدة بسيطة يا بنتي.
وكنت أرسل.
ليس لأن معي مالًا كثيرًا.
بل لأنني كنت أحاول شراء شيء واحد لم أعرف كيف أحصل عليه طوال عمري
حبهم.
وعندما تم قبولي في الماجستير، قلت لنفسي إن الأمور ستتغير أخيرًا.
هذا الإنجاز لن يستطيعوا تجاهله.
هذه المرة ربما يشعرون بالفخر بي.
ربما ينظرون إليّ كابنة فعلًا.
لكن بعد التخرج بثلاثة أيام، بينما كانت عباءة الجامعة ما تزال معلقة خلف باب الشقة، اهتز هاتفي.
رسالة.
بدون سلام.
بدون سؤال واحد عني.
أحتاج 750 ألف دينار حتى نكمل حفلة سارة.
لا يوجد
كيف كان يوم تخرجك؟
ولا
مبروك يا بنتي.
ولا حتى كلمة واحدة عن السنوات التي قضيتها أعمل وأدرس وأنهار بصمت.
شيء ما انكسر داخلي في تلك اللحظة.
أو ربما شيء استيقظ أخيرًا.
فتحت التطبيق البنكي.
كان معي مليون دينار تقريبًا.
كل ما جمعته من ساعات العمل الإضافية، والبحوث التي كنت أكتبها بين المحاضرات، والليالي التي كنت أبكي فيها وحدي وأقول لنفسي إنني بخير.
كتبت
ألف دينار فقط.
ووضعت في خانة الملاحظة
مبروك.
ثم ضغطت إرسال.
وقفت بعدها مباشرة.
توجهت نحو الباب.
أخرجت النسخة الاحتياطية من المفتاح التي أصرت أمي أن تحتفظ
لأي ظرف طارئ يا بنتي.
رميت المفتاح داخل سلة المهملات دون تردد.
ثم اتصلت بصاحب محل الأقفال أسفل البناية.
عندما انتهى العامل من تركيب القفل الجديد، وسمعت صوت الإغلاق الأخير
شعرت أن شيئًا ظل يضغط على صدري سنوات طويلة قد انزاح أخيرًا.
في صباح اليوم التالي، بدا كل شيء مختلفًا.
ليس بسبب القهوة.
ولا بسبب ضوء الشمس الداخل من الشباك.
بل بسبب الصمت.
صمت نظيف.
يشبهني.
لكن فجأة
سمعت طرقًا قويًا على الباب.
تجمّدت مكاني.
ثم جاء صوت رجل من الخارج
الشرطة افتحي الباب يا آنسة ريم.
وفي تلك اللحظة عرفت أن أمي لم تتقبل كلمة لا بهدوء أبدًا.
الجزء الثاني بدأ مع الطرقات الثلاث على باب شقتي صباحًا، ومع الحقيقة التي لم تعد أمي قادرة على إخفائها تراجعت ريم خطوة عن الباب، وقلبها يدق بعنف وهي تنظر إلى القفل الجديد.
الشرطي أعاد الطرق مرة أخرى
آنسة ريم؟ افتحي لو سمحتِ الموضوع بسيط.
ابتلعت ريقها وفتحت الباب بحذر.
وقف رجلان بزي الشرطة، وخلفهما كانت أمها.
ترتدي عباءتها السوداء، تمسك طرفها بتمثيل متقن، وعيناها محمرتان كأنها خرجت للتو من جنازة.
وما إن رأت ريم حتى وضعت يدها على صدرها وقالت بصوت مرتفع
الحمد لله إنج شفتيها حضرة الضابط بنتي اختفت وقلبي احترق عليها!
حدقت ريم فيها غير مصدقة.
اختفت؟
هي لم تغب أصلًا.
لكن الضابط قال بهدوء
والدتج
ضحكت ريم بمرارة.
أخرجت هاتفها فورًا، وفتحت سجل المكالمات أمامه.
اثنتان وعشرون مكالمة فائتة.
كلها من الأم.
ثم فتحت الرسائل.
آخر رسالة واضحة أمام الجميع
أحتاج 750 ألف دينار حتى نكمل حفلة سارة.
ثم التحويل البنكي
1000 دينار مبروك.
صمت الضابط للحظة.
أما الأم فتغير وجهها فورًا، لكنها تماسكت بسرعة وقالت بانفعال
هاي أمور عائلية! شنو دخل الشرطة بالتحويلات؟ البنية متغيرة عليّ من فترة!
لكن ريم شعرت أن شيئًا بداخلها لم يعد خائفًا.
لأول مرة منذ سنوات لم ترتبك.
قالت بهدوء ثابت
حضرة الضابط، أمي مو خايفة عليّ. أمي خايفة لأن الصراف الآلي وقف يشتغل.
شهقت الأم
ريم!
لكن الكلمات خرجت أخيرًا دون خوف
من عمري ستة عشر سنة وأنا أشتغل حتى أصرف على البيت على سارة على الدروس على الملابس حتى إيجار البيت مرات دفعته أنا. ويوم تخرجي محد إجا.
سكتت.
ثم أكملت بصوت مكسور
حتى كلمة مبروك ما وصلتني.
كان الصمت أثقل هذه المرة.
الضابط نظر إلى الأم طويلًا، ثم قال ببرود رسمي
مدام، بنتج بالغة وساكنة وحدها وماكو أي دليل على فقدان أو خطر. البلاغ ينغلق هسه.
تغير لون وجه الأم فورًا.
اقتربت خطوة وهمست بعصبية حقيقية هذه المرة
يعني هسه تتخلين عن أهلج علمود شوية دراسة وشهادة؟
رفعت ريم
ولأول مرة لم ترَ أمًا.
رأت فقط امرأة اعتادت أن تأخذ دون أن تسأل يومًا ماذا تبقى في ابنتها.
قالت