أمضى زوجي 17 عامًا يخبر الجميع أنه سيستبدلني بأفضل صديقاتي

لمحة نيوز

الأصابع.
بعد دقائق، قالت الطفلة بصوت خافت ماما إحنا هنروح بيت خالي؟
سؤال بسيط لكنه كان أثقل من كل ما قيل في البيت.
توقفت ريم لحظة.
بيت خالها. الرجوع. الأسئلة. الشفقة. إزاي سيبتي بيتك؟ اصبري كل البيوت فيها كده.
كلها كلمات تعرفها جيدًا.
لكنها هذه المرة لم تشعر بأنها النهاية.
قالت بهدوء مش دلوقتي يا حبيبتي.
وسكتت لحظة ثم أضافت هنرتاح الأول.
كان في صوتها شيء غريب ليس قوة كاملة، لكنه بداية عدم الانكسار.
في نفس الوقت داخل البيت
كان خالد جالسًا وحده في الصالة.
الصخب انتهى. الضيوف بدأوا يغادرون بصمت مرتبك. نور حاولت أن تتكلم معه قبل أن ترحل، لكنه لم يكن يسمع.
كان ينظر إلى الكرسي الفارغ في المكان الذي كانت تجلس فيه ريم.
لم يكن غيابها هو المشكلة فقط.
المشكلة أنه لأول مرة لم تعد تضحك بعد جملته.
دخلت والدته ببطء وجلست على الطرف الآخر.
قالت بصوت منخفض إنت زودتها يا خالد.
رد بسرعة، لكن صوته كان مهتزًا أنا بهزر طول عمري بهزر.
تنهدت أمه بس واضح إنها ما ضحكتش.
سكت.
هذه الجملة بالذات كانت أقسى من أي عتاب.
في الخارج
كانت ريم قد وصلت إلى شارع هادئ نسبيًا.
جلست على طرف رصيف للحظة، ليس لأنها لا تعرف أين تذهب، بل لأنها لأول مرة لا تريد أن تركض لأي اتجاه مألوف.
دانة جلست بجانبها وقالت فجأة ماما هو بابا وحش؟
تجمدت ريم.
سؤال طفل
لا يحتمل الإجابات الكبيرة.
نظرت إليها طويلاً، ثم قالت بصوت هادئ بابا مش وحش.
سكتت لحظة.
ثم أضافت بصدق مؤلم بس اللي بيعمله كان بيأذيني.
دانة حاولت تفهم يعني إيه؟
انحنت ريم لمستواها يعني في ناس ممكن تكون كويسة في حاجات ومش كويسة مع مشاعرنا.
الصغيرة هزت رأسها ببطء، وكأنها تحفظ جملة أكبر من عمرها.
ليلًا
في غرفة صغيرة مستأجرة مؤقتًا، جلست ريم على طرف السرير.
المكان بسيط جدًا لكنه هادئ بشكل لم تعرفه منذ سنوات.
وضعت يدها على صدرها.
الهدوء كان غريبًا.
ليس راحة كاملة لكنه توقف الألم المستمر.
على الهاتف رسائل كثيرة من خالد ارجعي نتكلم إنتي كبرتي الموضوع أنا مش عارف أعيش من غيركم
قرأتهم بصمت.
ثم أغلقت الهاتف.
ولأول مرة
لم تشعر أنها مطالبة بالرد فورًا.
في بيت خالد
كان يجلس أمام نفس الطاولة.
لكن هذه المرة لم تكن هناك ضحكات.
فقط فراغ.
أمسك كوب القهوة ثم تركه.
وقال لنفسه بصوت منخفض لم يسمعه أحد هي كانت بتمشي وأنا كنت فاكرها قاعدة.
وفي تلك اللحظة فقط
بدأ يفهم أن المشكلة لم تكن في مزاحه.
بل في أن شخصًا ما كان يضحك بينما كان ينهار بصمت مرّت ثلاثة أيام.
لم تكن أيامًا طويلة في الزمن لكنها كانت ثقيلة بشكل غريب على خالد.
البيت بدا أكبر مما يجب، والأصوات أقل، وكأن شيئًا أساسيًا انشال منه.
دانة كانت مع أمها في مكان قريب، وريم
لم تمنع التواصل، لكنها لم تعد تجيب بسرعة كما كانت تفعل دائمًا.
كانت ترد لكن بعد تفكير.
وهذا وحده كان جديدًا عليه.
في صباح اليوم الرابع، وقف خالد أمام مرآة غرفة النوم.
كان يحاول يربط الأزرار، لكنه كان يتوقف كل مرة.
ليس لأنه لا يعرف كيف بل لأنه لأول مرة يسأل نفسه هو أنا كنت شايف إيه بالضبط؟
تذكّر كل مرة ضحك فيها.
كل مرة قالت له خلاص يا خالد. كل مرة ابتسمت رغم أن عينيها لم تبتسم.
كان يراها الآن لكن متأخر.
في الجهة الأخرى من المدينة
كانت ريم تجلس في شقة صغيرة، الضوء فيها مختلف.
أهدأ.
لا يوجد صخب ضيوف، لا أوامر، لا ضحكات مجاملة.
فقط نافذة مفتوحة وصوت شارع عادي.
دانة كانت ترسم على الأرض.
وريم كانت تراقبها لكنها في الحقيقة كانت تراقب نفسها لأول مرة.
لم تكن تعرف ماذا ستكون بعد.
لكنها بدأت تلاحظ شيئًا بسيطًا أنها لا ترتجف كلما رن الهاتف.
فجأة، الباب خُبط.
مرة خفيفة.
ثم ثانية.
وقفت ريم ببطء.
لم تكن تتوقع أحدًا.
فتحت الباب
وكان خالد.
لكن ليس خالد الذي يعرفه الجميع.
لم يكن مرتبًا كما اعتاد، ولا واثقًا كما كان دائمًا.
كان واقفًا كأي شخص عادي متعب.
نظر إليها للحظة طويلة.
ثم قال بصوت منخفض ممكن أتكلم؟
صمتت ريم.
لم تدعه يدخل فورًا.
وهذا وحده جعله يشعر بشيء جديد عليه الانتظار.
قالت أخيرًا اتكلم.
هز رأسه، وكأنه يستجمع نفسه.

أنا مش جاي أقولك ارجعي. توقف لحظة. أنا جاي أفهم.
رفعت حاجبها قليلًا دون كلام.
أكمل أنا طول عمري كنت فاكر إنك بتبالغي أو إنك بتستحملي أو إنك عارفة إن ده هزار. بس اللي اكتشفته إني عمري ما سألتك إنتِ حاسة بإيه.
سكت.
الصمت بينهم كان مختلف هذه المرة.
ليس توتر بل مساحة.
قالت ريم بهدوء وأنا كنت بقولك. بس كنت بتسمع اللي يناسبك بس.
اهتز وجهه للحظة.
كأن الجملة أصابته في مكان صحيح جدًا.
من داخل الشقة، ظهرت دانة عند الباب.
وقفت خلف أمها بصمت.
نظرت إلى أبيها بدون خوف لكن بدون لهفة أيضًا.
وهذا كان أصعب شيء.
قال خالد بصوت أخف أنا ما كنتش عايز أخسركم.
ردت ريم مباشرة بس كنت بتخسرني كل يوم وانت فاكر إن ده مش خسارة.
سكت.
ثم لأول مرة لم يبرر نفسه.
أخذ نفس طويل.
أنا مش عارف أرجع الزمن. بس لو فيه طريقة أتعلم أكون مختلف أنا عايز أحاول.
نظرت ريم إليه طويلاً.
هذه المرة لم تكن نظرة ضعف ولا حب قديم ولا خوف من القرار.
كانت نظرة حساب هادئ.
ثم قالت المحاولة مش كلمة. المحاولة فعل. وأنا مش هقبل كلام دلوقتي.
هز رأسه فورًا مفهوم.
ساد صمت قصير.
ثم أضافت ولو رجعنا نتكلم مش هيرجع زي الأول.
رد بصوت منخفض أنا مش عايز زي الأول.
توقفت ريم لحظة.
هذه الجملة كانت أول شيء مختلف فعلاً.
نظرت إلى دانة، ثم إلى خالد.
ثم
قالت هنشوف.
ولم تقل نعم.
ولم تقل
لا.
لكنها هذه المرة
لم تُغلق الباب.
تركته مفتوحًا قليلًا، بما يكفي ليُفهم أن النهاية لم تُكتب بعد لكنها أيضًا لم تعد كما كانت.

تم نسخ الرابط