روحت أتبرع بكليتي لجوزي وفى اليوم اللي لبسوني فيه الروب الأزرق بتاع المستشفى
بعد ما القضية خلصت، حياتي اتقلبت فوق تحت. الناس في المنطقة بقوا يبصوا لي بنظرات شفقة وكلام يوجع، وكل ما أقف على عربية الطعمية ألاقي همسات حواليا.
لكن أكتر حاجة كانت بتوجعني مش كلام الناس كان إحساسي إني ضيعت عمري كله وأنا بحاول أرضي ناس عمرهم ما قدروني.
وفي يوم، وأنا برتب هدوم قديمة فوق الدولاب، لقيت كيس أسود متداري. فتحته لقيت صور وأوراق قديمة تخص سيد، ومعاها ظرف فيه دهب أمي اللي كان ضاع من سنين. وقتها بس فهمت قد إيه كنت طول الوقت مغفلة عن حاجات كتير بتحصل حواليا.
بعدها بأيام، جاتلي رانيا عند العربية. كانت تعبانة جدًا وشكل المرض باين عليها. وقفت قدامي وقالت بصوت مكسور أنا ماكنتش أعرف الحقيقة كاملة.
في الأول كنت شايلة منها غضب كبير، لكن لما شفت تعبها وخوفها حسيت إن الوجع بيشبه بعضه مهما اختلفت الحكايات.
الأيام بعدها عدّت غريبة. رانيا بقت تيجي تساعدني ساعات في الشغل، وشهد كانت متحفظة في البداية، لكن مع الوقت الجو بينا هدي.
وفي مرة، رانيا تعبت فجأة ووقعت قدام العربية، واضطرينا نجري بيها المستشفى.
الدكتور قال إن حالتها متأخرة جدًا، وإنها محتاجة زرع كلية بسرعة.
وقتها فضلت طول الليل أفكر.
كنت أقدر أمشي وأقفل الباب على كل
عملت التحاليل، وطلعت النتيجة مناسبة.
لما عرفت، فضلت تعيط وتقول أنا ماستاهلش منك ده.
قلت لها يمكن ربنا بيبعت لنا فرصة نوقف الوجع بدل ما نورثه لبعض.
يوم العملية دخلت أوضة العمليات وأنا حاسة إني شخص مختلف تمامًا.
مافيش خوف زي الأول، ولا إحساس إني مجبرة على حاجة.
ولما فوقت، لقيت شهد ماسكة إيدي وبتبتسم وسط دموعها.
بعد شهور، صحتها اتحسنت، وحياتنا بدأت تستقر بالتدريج. فتحنا محل صغير باسمي أنا وشهد، ورانيا ساعدتنا في الحسابات، والبيت لأول مرة بقى فيه هدوء حقيقي.
وفي يوم علقت ورقة صغيرة على باب المحل مكتوب فيها
الخير اللي بيطلع من القلب بيرجع لصاحبه نجاة.
ومع الوقت فهمت حاجة مهمة إن القوة مش إنك تنتقم القوة الحقيقية إنك تنجو، وتبدأ من جديد من غير ما تخلي القسوة تغيّرك ومع مرور الوقت، الورقة اللي على باب المحل بقت مش مجرد جملة بقت زي عنوان لحياتي الجديدة.
الناس اللي كانت بتيجي تتفرج على الحكاية بدأت تقل، وبقي اللي بييجي فعلاً بييجي عشان ياكل ويقعد شوية في هدوء، مش عشان يتفرج على وجع حد.
أنا كنت فاكرة إن الجرح لما يخف خلاص بيختفي لكن الحقيقة
في يوم عادي جدًا، وأنا بفتح المحل بدري، لقيت شهد داخلة بسرعة ووشها مش مطمن.
قالتلي ماما في حد عايز يقابلك برا.
بصيت لها باستغراب مين؟
سكتت لحظة وقالت واحد غريب بيقول إنه من طرف بابا.
قلبي دق بسرعة، لكن المرة دي مش خوف فضول تقيل.
خرجت برا، ولقيت راجل واقف عند أول الشارع، لابس هدوم بسيطة ووشه عليه تعب واضح.
قرب مني وقال إنتِ مريم؟
هزيت راسي بحذر.
قال أنا كنت شغال مع سيد في الشغل القديم قبل كل اللي حصل.
سكت شوية وبعدين كمل جاي أقولك حاجة يمكن متهمكيش دلوقتي، بس لازم تعرفيها.
حسيت الدنيا سكتت حواليا.
قال سيد من وهو شغال كان متورط في ديون كبيرة، وكان داخل في لعبة أكبر منه بكتير وموضوع رانيا والموضوع كله كان فيه ناس تانية ماسكة الخيوط.
بصيت له بصدمة يعني إيه؟
قال يعني هو كان ضعيف بس مش هو الوحيد اللي كان بيخطط. في ناس استفادت من كل حاجة حصلت حتى موضوع الكلية كان فيه طرف تالت.
وقتها حسيت إن كل اللي فات لسه فيه أجزاء ناقصة.
رجعت المحل وأنا دماغي مش ساكتة.
شهد سألتني كان عايز إيه؟
قلت لها بهدوء الحقيقة بس شكلها لسه مش كاملة.
في الليلة دي ما
قعدت أبص لصور قديمة، أوراق، تسجيلات كنت محتفظة بيها من سنين، وحسيت لأول مرة إن القصة أكبر من مجرد خيانة جوز.
لكن المرة دي ماكنتش ضعيفة.
كنت هادية.
مش علشان استسلمت لكن علشان اتعلمت إن أي حقيقة مهما كانت تقيلة، أنا أقدر أواجهها.
وفي صباح اليوم اللي بعده، قررت أعمل حاجة مختلفة.
روحت القسم.
وقدمت كل الأوراق اللي عندي.
وقلت جملة واحدة للضابط أنا مش جاية أفتح وجع قديم أنا جاية أخلص على اللي لسه بيستغل وجع الناس.
التحقيقات بدأت من جديد بس المرة دي مش حواليا خوف، ولا تهديد، ولا ضغط.
دي كانت أول مرة أحس فيها إن صوتي له قيمة لوحده.
وبعد أسابيع
وصلني خبر غريب.
سيد طلب يقابلني تاني.
بس المرة دي مش في السجن العادي في مستشفى السجن.
روحت.
ولما شفته، كان أضعف من أي مرة شوفته فيها قبل كده.
بصلي وقال بصوت واطي أنا عارف إنك مش هتسامحيني.
سكت.
كمل بس عايز أقولك حاجة أنا كنت فاكر إني بكسب لما كنت بضحك عليكِ بس أنا كنت بخسر نفسي كل يوم.
بصيت له طويل.
ومرة تانية، حسيت إن جوايا مفيش غضب بس مفيش رجوع كمان.
قلت له المشكلة يا سيد إنك ماخسرتنيش أنا أنت خسرت نفسك من زمان، وأنا بس كنت آخر حاجة بتتشد في السكة.
وسبته ومشيت.
في الطريق، شهد كانت
مسكت إيدي وقالت انتي رجعتي له؟
ابتسمت وقلت لا أنا