هجرت ابنتي طفلها المصاب بالتوحّد قبل أحد عشر عامًا، ثم عادت فجأة عندما أصبحت ثروته تُقدَّر بثلاثة ملايين ومئتي ألف دولار

لمحة نيوز

هجرت ابنتي طفلها المصاب بالتوحّد قبل أحد عشر عامًا، ثم عادت فجأة عندما أصبحت ثروته تُقدَّر بثلاثة ملايين ومئتي ألف دولار. لكن حين وصلت برفقة محامٍ لتطالب بحقها كأم، همس حفيدي بهدوء
دعوها تتكلم. 
في تلك اللحظة شعرتُ بالذعر.
حتى محامينا شحب وجهه.
أما هي، فابتسمت وكأنها ربحت القضية بالفعل.
اسمي أمينة.
وعلى مدار أحد عشر عامًا، ربّيت حفيدي ياسر وحدي.
ابنتي، ريم، تركته ذات فجرٍ أمام باب غرفتي، ومعه حقيبة صغيرة وثلاثة أطقم من الملابس، وورقة مثبتة على صدره كُتب فيها
لا أستطيع تحمّله تولّي أمره أنتِ.
كان ياسر في الخامسة من عمره.
لم يكن يتحدث كثيرًا.
ولا ينظر في عيون الناس.
وكان يغطي أذنيه كلما مرّت دراجة نارية في الشارع، ويبكي بسبب بطاقات الملابس الخشنة، ويختبئ تحت الطاولة إذا ارتفع صوت أحد.
أما ريم، فكانت تقول دائمًا إنه
دمّر حياتها.
قلت لها يومًا إن الأم لا تتخلى عن طفلها.
فردّت ببرود
إذًا كوني أنتِ أمّه.
ثم رحلت.
لم تعد في الأعياد.
ولم تتصل في أعياد ميلاده.
ولم تسأل عنه حين ارتفعت حرارته أيامًا كاملة.
لم تكن موجودة عندما نعته أطفال المدرسة بالغريب.
ولم تحضر حين اضطررت لنقله من صفّه بعد أن حطم أحد التلاميذ نظارته، ثم قالت المعلمة إن ياسر هو من استفزّهم.
أما أنا، فكنت موجودة دائمًا.
كنت أبيع الفطائر صباحًا.
وأغسل ملابس الناس عصرًا.
وتعلّمت كيف أقصّ بطاقات القمصان قبل أن يرتديها.
وكيف أقدّم له الأرز دون أن يلامس الطعام الآخر.
وكيف أخاطبه بصوت هادئ عندما يصبح العالم أثقل من احتماله.
وكبر ياسر.
هادئًا نعم.
مختلفًا نعم.
لكنه كان عبقريًا.
في الثالثة عشرة أصلح هاتفي القديم بمفك صغير.
وفي الرابعة عشرة أنشأ صفحة إلكترونية لبيع الفطائر التي أصنعها، وبعد شهرين فقط أصبحت الطلبات تصلنا من الشركات والمكاتب.
وفي السادسة عشرة طوّر تطبيقًا

يساعد الأطفال المصابين بالتوحّد على تنظيم يومهم، والتعبير عن مشاعرهم، وطلب المساعدة دون الحاجة للكلام.
إحدى الشركات الكبرى في دبي اشترت التطبيق.
بثلاثة ملايين ومئتي ألف دولار.
أنا بكيت عندما رأيت الرقم.
أما ياسر، فلم يفعل.
كل ما فعله أنه عدّل سماعاته، ونظر إلى الشاشة، ثم قال بهدوء
جدّتي يمكنكِ الآن أن تتوقفي عن غسل الملابس.
كانت أجمل جملة سمعتها في حياتي كلها.
اشترينا منزلًا بسيطًا في عمّان.
لا شيء مبالغ فيه.
غرفة هادئة له بإضاءة خافتة.
وحديقة صغيرة.
ومطبخ واسع أواصل فيه إعداد الأرز بالطريقة التي يحبها.
ظننت أننا أخيرًا سنعيش بسلام.
حتى توقفت سيارة بيضاء أمام المنزل.
نزلت ريم منها وكأنها لم تختفِ يومًا.
كعبان مرتفعان.
حقيبة فاخرة.
وأحمر شفاه صارخ.
وبجانبها محامٍ يحمل حقيبة سوداء.
لم تسلّم على ياسر.
ولم تعانقني.
ولم تسأل حتى كيف حاله.
كل ما فعلته أنها نظرت إلى المنزل وابتسمت قائلة
أمي جئت لأخذ ابني.
شعرت أن ركبتيّ تخونانني.
كان ياسر جالسًا في غرفة الجلوس، على كرسيه المعتاد، واللوحي الإلكتروني فوق ساقيه.
لم يرفع عينيه.
اقتربت ريم منه وقالت بصوت متصنع
حبيبي أنا أمك.
رمش مرة.
ثم مرة أخرى.
وقال بهدوء
لا أنتِ ريم.
تصلبت ابتسامتها.
وأخرج المحامي بعض الأوراق وقال
السيدة ريم ما تزال الأم البيولوجية والممثلة القانونية الطبيعية للقاصر. وقد جئنا للمطالبة بإدارة أمواله، وحضانته، والوصول الفوري إلى حساباته البنكية.
شعرت بأن الهواء اختفى من صدري.
صرخت
لكنها تخلّت عنه!
وضعت ريم يدها على صدرها وكأنها تتألم.
كنت صغيرة ومريضة أمي أخذته مني، والآن تريد الاستيلاء على أمواله.
عجزت عن الكلام.
أحد عشر عامًا من الحفاضات، والعلاج، والسهر، والأبواب التي كانت تُغلق بعنف، واجتماعات المدرسة، والمستشفيات، والديون
حوّلتها كلها في خمس ثوانٍ إلى سرقة.
وصل
محامينا، الأستاذ سامر، بعد ساعة.
قرأ الأوراق.
وقرأ الدعوى.
وقرأ نسخة شهادة الميلاد.
ثم تغيّر وجهه.
قال بصوت خافت
يا أمينة قد نخسر القضية.
شعرت أن الأرض تميد بي.
ماذا تعني نخسر؟
قال بتردد
لم تسجّلي الحضانة رسميًا أنتِ من ربّيته، نعم، لكن قانونيًا
لم يُكمل.
ولم يكن بحاجة لذلك.
جلست ريم في غرفة جلوسي وكأن البيت بيتها، ثم قالت بثقة
لا أريد المشاكل يا أمي أريد فقط ما هو عادل. ياسر يحتاج إلى أم تعرف كيف تدير مستقبله.
أما ياسر، فظل صامتًا.
صامتًا أكثر من اللازم.
نظرت إليه بخوف.
يا بني
رفع يده بهدوء، طالبًا مني الصمت.
ثم خلع سماعاته ببطء.
ونظر إلى ريم للمرة الأولى منذ دخولها.
وهمس بصوت بارد جعل الدم يتجمّد في عروقي
دعوها تتكلم.
ابتسمت ريم.
ظنت أنه استسلم.
حتى المحامي ظن ذلك.
لكن ياسر لمس زرًا في جهازه اللوحي.
وفجأة اشتعلت شاشة التلفاز وحدها.
وظهرت مجلدات إلكترونية بعنوان واحد جعل الوجوه تشحب
أدلة ضد أمي.
الجزء الثاني التسجيلات التي عرضها ياسر أمام الجميع قلبت حياة ريم إلى كابوس لا ينتهي 
صلي على الحبيب
توقفت الغرفة كلها عن التنفّس في اللحظة التي اشتعل فيها التلفاز.
ريم حدّقت في الشاشة، ثم ضحكت ضحكة قصيرة مرتبكة
إيه ده؟ إنت عامل إيه؟
لكن ياسر لم يرد.
كان ينظر إلى الشاشة فقط، بهدوء غريب، كأن ما يحدث لا يخصّه عاطفيًا بل تقنيًا فقط.
المحامي سامر تقدّم خطوة للأمام، يتمتم
يا إلهي
أما أنا، فشعرت أن قلبي يسقط من مكانه.
ظهر على الشاشة ملف أول.
تسجيل صوتي.
ثم صوت ريم واضح، قريب، كأنه مسجّل داخل هذه الغرفة يومًا ما
سيبيه عند أمك أنا مش قادرة أتحمّله. هو أصلاً مش طبيعي.
شهقت ريم فجأة
ده مفبرك!
لكن قبل أن تكمل، انتقل الملف التالي تلقائيًا.
فيديو قديم من كاميرا باب البيت.
ريم وهي تضع الحقيبة الصغيرة أمام غرفتي.
ثم تلتفت حولها.
تتأكد أن لا
أحد يراها.
ثم تمشي بسرعة دون أن تلتفت خلفها حتى مرة واحدة.
صوت ياسر خرج بهدوء لأول مرة منذ بدء العرض
هذا بتاريخ اليوم الذي تركتِني فيه.
تجمّدت ريم.
المحامي فتح فمه
هذه الأدلة تحتاج خبرة فنية لا يمكن قبولها هكذا
لكن ياسر لمس الشاشة مرة أخرى.
فانقسمت الشاشة إلى ملفات كثيرة.
رسائل.
مكالمات.
سجلات مستشفى.
تقارير مدرسة.
كان يجمع كل شيء كأن سنوات الألم تحولت إلى بيانات مرتبة داخل عقل إلكتروني لا ينسى.
ثم ظهرت رسالة صوتية جديدة.
صوت ريم مرة أخرى، لكن هذه المرة أقدم
لو حد سأل، قولي إني مسافرة. مش عايزة أشوفه تاني.
سقطت حقيبة المحامي من يده.
أما أنا، فجلست على أقرب كرسي، ويدي على فمي.
ريم صرخت
كفاية! إنت بتراقبني من سنين؟
رفع ياسر نظره أخيرًا إليها.
لم يكن في عينيه غضب.
ولا انتقام.
بل شيء أخطر برود كامل.
وقال
لم أكن أراقبكِ.
توقف قليلًا.
ثم أضاف
كنتِ تتركين آثاركِ في كل مكان.
ساد الصمت.
حتى الهواء بدا وكأنه توقف.
المحامي همس لريم
لازم نوقف ده فورًا
لكن الشاشة انتقلت تلقائيًا لملف أخير.
عنوانه
تقييم نفسي للأم البيولوجية
ريم ارتبكت
إيه ده؟ ده كذب!
لكن التقرير كان موقعًا من طبيب معروف، ومؤرخًا بعد أيام من تركها لياسر.
وتحت خانة الاستنتاج كانت الجملة واضحة
الأم غير مؤهلة نفسيًا لتحمل مسؤولية الطفل في الوقت الحالي.
رفع ياسر عينيه إليها وقال بهدوء قاتل
كنتِ تقولين إنني دمّرت حياتك.
اقترب قليلًا من الشاشة.
لكنكِ لم تكوني موجودة أصلًا لتعيشي حياة معي.
خطت ريم خطوة للخلف.
لأول مرة، اختفت ثقتها.
نظرت إليّ بسرعة، وكأنها تبحث عن مخرج من هذه الغرفة.
لكن ياسر أضاف جملة أخيرة
كل ما قدمتهِ اليوم موجود منذ سنوات في نظام المحكمة الرقمي. تم إرساله تلقائيًا قبل وصولك.
التفت المحامي إليه مصدومًا
أنت الذي قدّمت هذه الأدلة؟
هزّ ياسر رأسه
لا.
ثم نظر إلى
الشاشة مرة أخيرة.
هي من قدّمتها بنفسها عندما تركت الجهاز اللوحي في صندوق ألعابي القديم يومًا ما.
سقط الصمت مجددًا.
وفي تلك اللحظة فقط
فهمت ريم أن المعركة لم تبدأ اليوم.
بل انتهت منذ سنوات دون أن
تم نسخ الرابط