أرضعتُ طفل زوجي السابق بعدما توفيت زوجته أثناء الولادة. في البداية ظننتُ أنه جاء فقط لأنه يائس…
المحتويات
قال الجملة التي مزّقت العالم من حولي
ست البنات لم تستطع الإنجاب ووالدها كان مستعدًا لفعل أي شيء حتى لا يفتضح أمرها.
شعرتُ بالغرفة تدور بي.
لا
لا يمكن.
لكن مأمون أكمل بصوت مرتجف يوم ولادتك كان هناك اتفاق مع ممرضة داخل المستشفى. قالوا إن طفلك وُلد ميتًا وأعطوكِ طفلًا آخر توفي فعلًا أثناء الولادة.
صرختُ فيه كذاب!!!
لكن قلبي كان يعرف الحقيقة قبل أذني.
بدأتُ أرتجف بعنف وأنا أنظر إلى الطفل.
الطفل الذي كان نائمًا الآن فوق البطانية بعدما شبع من حليبي.
طفلي؟
اقتربتُ منه ببطء. ركعتُ على الأرض. ثم أبعدتُ الغطاء عن كتفه الصغير.
وهناك
وجدتها.
نفس الشامة الصغيرة الداكنة أسفل الترقوة.
الشامة التي يحملها كل رجال عائلتي.
أطلقتُ شهقة مكتومة ووضعتُ يدي على فمي.
لا
يا رب
مددتُ أصابعي المرتعشة ولمستُ خده.
فتح عينيه ببطء.
وفي تلك اللحظة
شعرتُ بشيء داخلي ينهار تمامًا.
لأن الطفل ابتسم.
نفس ابتسامة أبي.
تمامًا.
بكيتُ بطريقة لم أبكِ بها في حياتي.
بكاء امرأة عادت من قبرها لتجد ابنها حيًا.
أما مأمون فبقي جالسًا يردد والله ما كنت أعرف اكتشفت الحقيقة قبل أسبوع فقط، بعدما مرضت ست البنات واعترفت لوالدتها قبل موتها
رفعتُ رأسي نحوه ببطء.
وقلت بصوت بارد أخافه أكثر من الصراخ وإذا كنتَ تعرف منذ أسبوع لماذا جئت الليلة فقط؟
ساد الصمت.
ثم قال لأن الطفل لم يقبل أي امرأة غيرك.
نظرتُ إلى صغيري
فضممتُه إلى صدري بقوة.
وفي تلك اللحظة بالذات
دوّى طرقٌ عنيف على باب البيت.
تجمّد مأمون فجأة.
ثم همس بذعر مستحيل
قلت من هناك؟
لكن قبل أن يجيب
جاء صوت رجل غليظ من خلف الباب
افتحي يا مريم نحن من الشرطة.
ثم أضاف بصوت أخفض وأكثر رعبًا
ومعنا والد ست البنات شعرتُ بأن الهواء اختفى من الغرفة.
مأمون وقف فجأة حتى اصطدم الكرسي بالحائط خلفه، ووجهه صار شاحبًا بطريقة أرعبتني أكثر من طرق الباب نفسه.
أما أنا فكل ما كنت أفكر فيه هو الطفل بين ذراعي.
طفلي.
ابني الذي دفنته منذ ثلاثة أشهر كان يتنفس الآن فوق صدري.
عاد الطرق أعنف هذه المرة.
افتحي الباب فورًا!
همس مأمون لا تفتحي أرجوكِ يا مريم، لا تفتحي.
نظرتُ إليه بذهول. قلت الشرطة بالخارج!
اقترب مني بسرعة وقال لو أخذوه لن تريه مرة أخرى.
تجمّد الدم في عروقي.
ثم سمعتُ صوت رجل آخر خلف الباب، صوته ثقيل ومليء بالسلطة أعرف أنكِ بالداخل يا مريم سلّمي الطفل بهدوء ولن يصيبك أذى.
عرفت الصوت فورًا.
الحاج مختار.
والد ست البنات.
الرجل الذي كانت الخرطوم كلها تخشاه.
تاجر كبير وعلاقاته تمتد لكل مكان.
حتى المستشفيات.
حتى الشرطة.
حتى القبور ربما.
ضممتُ الطفل أكثر إلى صدري.
كان نائمًا بسلام كأنه لا يعرف أن العالم كله يتصارع عليه.
قال مأمون بصوت مرتجف اسمعيني الحاج مختار لا يريد الفضيحة. لو ثبت أنه سرق طفلًا واستبدله داخل المستشفى، سينتهي
قلت بصدمة وهل تتوقع أن أصدقك الآن؟!
صرخ ليس لدينا وقت!
ثم اتجه بسرعة نحو نافذة المطبخ الصغيرة.
وفي الخارج، لمع ضوء سيارة سوداء متوقفة قرب البيت.
سيارتان أخريان خلفها.
ورجال.
كثير من الرجال.
عاد صوت الحاج مختار آخر مرة أقولها باحترام افتحي الباب.
وفجأة
سمعنا صوت مفتاح يُدخل بالقوة في القفل.
شهقتُ معهم مفتاح؟!
قال مأمون بمرارة في هذا البلد المال يفتح كل الأبواب.
ثم أمسك بذراعي بقوة وقال هناك باب خلفي.
قلت لن أهرب!
اقترب مني حتى صرت أرى الرعب الحقيقي داخل عينيه.
وقال يا مريم إذا أخذوا الطفل الآن، سيختفي للأبد. وسيفعلون بكِ ما فعلوه بالممرضة.
تجمّدتُ.
ماذا فعلوا بها؟
خفض عينيه وقال وجدوا جثتها في النيل قبل أسبوعين.
صوت القفل انكسر فجأة.
ثم دوّى الباب الأمامي وهو يُفتح بعنف.
صرخة رجل فتّشوا البيت!
انتفض الطفل من النوم وبدأ يبكي.
وفي اللحظة نفسها أطفأ مأمون الضوء فجأة.
غرقت الغرفة في الظلام.
سمعتُ خطوات ثقيلة تدخل الصالة.
وصوت الحاج مختار يقول بهدوء مرعب مريم أنتِ امرأة ذكية. لا تجعلي الأمور تسوء.
كنت أرتجف بالكامل.
لكن يدي لم تترك الطفل.
أبدًا.
شدّني مأمون نحو الممر الخلفي الضيق المؤدي للمطبخ.
كنا نتحرك وسط الظلام، بينما أصوات الرجال تقترب.
وفجأة
رنّ هاتفي.
تجمّدنا معًا.
نظرتُ للشاشة بسرعة.
رقم مجهول.
لكن الرسالة التي ظهرت تحته جعلت ساقيّ
لا تثقي بمأمون الطفل ليس ابنك وحدك تراجعتُ خطوة للخلف وأنا أضمّ الطفل إلى صدري بكل قوتي.
أما مأمون فوقف أمامي مباشرة، كأنه يحاول حمايتي رغم ارتجافه الواضح.
الحاج مختار دخل ببطء إلى المطبخ.
ثوبه الأبيض كان نظيفًا بشكل مرعب وسط الفوضى، وعيناه ثابتتان على الطفل فقط لا عليّ ولا على مأمون.
وخلفه وقف رجلان ضخمان.
أحدهما يحمل مصباحًا يدويًا. والآخر مسدسًا.
قال الحاج مختار بهدوء أعيدي الطفل يا مريم ولن يصيبك سوء.
صرختُ هذا ابني!
ابتسم ابتسامة صغيرة باردة.
قانونيًا؟ لا.
ثم أخرج ورقة من جيبه ولوّح بها أمامي.
شهادة الميلاد باسم مأمون وست البنات. كل الأوراق سليمة. وكل المستشفى سيشهد بذلك.
شعرتُ بالعجز يطبق على صدري.
في بلد يستطيع المال فيه شراء الحقيقة كيف سأثبت أن هذا طفلي؟
بدأ الطفل يبكي مجددًا.
فنظرتُ إليه ودموعي تنزل بصمت.
ثلاثة أشهر ثلاثة أشهر كان يناديني دون أن أعرف.
قال الحاج مختار كنتِ أمًا له بالدم أما ست البنات فكانت أمًا له بالقلب.
صرختُ بعنف سرقتوه مني!
اختفت الابتسامة من وجهه فجأة.
وقال ببرود لأن ابنتي كانت ستموت حيّة لو انكشف أمرها.
ثم نظر نحو مأمون.
وأنت خنت الاتفاق.
قال مأمون بصوت مرتجف لم أعد أستطيع الكذب.
اقترب الحاج مختار منه خطوة.
بل خفتَ بعد موتها. كنت سعيدًا بالمال والسيارات والبيت حتى بدأت تشبه أمه الحقيقية.
نظرتُ إلى مأمون بصدمة.
هو
خفض عينيه بخجل قاتل.
وفهمتُ كل شيء.
لم يكن بريئًا بالكامل.
ربما لم يخطط لكنه صمت.
صمت بينما كنتُ أبكي طفلًا
متابعة القراءة