أرضعتُ طفل زوجي السابق بعدما توفيت زوجته أثناء الولادة. في البداية ظننتُ أنه جاء فقط لأنه يائس…

لمحة نيوز

أرضعتُ طفل زوجي السابق بعدما توفيت زوجته أثناء الولادة.
في البداية ظننتُ أنه جاء فقط لأنه يائس
لأن الطفل يرفض الحليب الصناعي
ولأنه لم يجد امرأة تُرضعه في ذلك الوقت من الليل داخل حيّ الصحافة.
لكن عندما تعلّق الطفل بثوبي وفتح عينيه نحوي
فهمتُ فورًا أن مأمون لم يأتِ إلى بابي طلبًا للمساعدة.
كان يخفي شيئًا أكبر بكثير
شيئًا جعل الدم يتجمّد في عروقي لحظة رأيتُ سوار المستشفى حول قدم الطفل الصغيرة.
في مساءٍ ثقيل من أمسيات الخرطوم، كنتُ أجلس وحدي داخل البيت الصغير في حيّ الصحافة، أراقب المطر وهو يضرب زجاج النافذة بعنف، حين دوّى طرقٌ متردد على الباب.
عرفتُه قبل أن أفتحه.
بعض الوجوه لا تنساها المرأة حتى لو دفنتها ألف مرة داخل قلبها.
وحين فتحت الباب، رأيتُ مأمون.
واقفًا أمامي بثوبه المجعّد، وعينين غارقتين بالسهر، يحمل بين ذراعيه طفلًا ملفوفًا داخل بطانية زرقاء صغيرة.
تجمّدت يداي.
ليس خوفًا.
بل لأن الحياة كانت تسخر مني مرةً أخرى.
مأمون
زوجي السابق.
الرجل الذي تركني قبل سنوات ليتزوج امرأة أصغر مني، امرأة من عائلة معروفة في أم درمان تُدعى ست البنات.
والآن عاد إليّ
يحمل طفلًا.
قال بصوتٍ مكسور
أرجوكِ يا مريم ساعديني.
كدتُ أضحك.
ليس لأن الأمر مضحك
لكن لأن الألم أحيانًا يخرج على هيئة ضحكة مختنقة.
قبل ثلاثة أشهر فقط
دفنتُ طفلي.
وقبل شهرين
رحل عادل، زوجي الحالي، بعدما عجز عن احتمال

البيت الصامت، وبكائي الذي لا ينتهي، ورائحة الحليب التي كانت تملأ الغرفة رغم عدم وجود طفل.
قال لي يومها
يا مريم لقد تعبت.
ثم أخذ ملابسه وغادر.
وتركني وحدي مع سرير صغير
وزجاجات رضاعة لم تُستخدم
وصدر يؤلمني كل ليلة لأن جسدي ما زال يظن أن طفلي حي.
نظرتُ إلى الطفل بين ذراعي مأمون.
كان صغيرًا جدًا
وجهه متجعّد
ويبكي بصوت متقطع كأن التعب سرق منه حتى القدرة على البكاء.
سألته
ابن مَن هذا؟
خفض مأمون رأسه وقال
ست البنات توفيت أثناء الولادة.
ساد الصمت.
حتى صوت المطر بدا بعيدًا.
ورغم كل شيء
شعرتُ بغصّة حقيقية.
لأن المرأة لا تستحق أن تغادر غرفة الولادة إلى القبر مباشرة.
ولأنني أعرف ذلك الألم جيدًا.
أعرف كيف يبدو البيت حين تعود إليه الأم بلا طفل.
وأعرف كيف يواصل الجسد تصديق الكذبة
كيف يمتلئ الحليب داخل الصدر رغم أن الذراعين فارغتان.
قبل ثلاثة أشهر، وُلد ابني طه بلا نفس.
سمحوا لي بحمله لدقائق قليلة فقط داخل مستشفى الخرطوم بحري.
ثم أخذوه.
وعدتُ إلى البيت بصندوق صغير يحتوي على قبعة رضيعة، وسوار المستشفى، وصورة لم أستطع النظر إليها حتى اليوم.
قال مأمون بصوت مرتجف
الطفل يرفض الحليب الصناعي كله والطبيب قال إننا إن لم نجد مرضعة فقد يتعب كثيرًا.
أصدر الطفل أنينًا ضعيفًا.
وهنا انكسر شيء داخلي.
ليس بسبب مأمون.
ولا بسبب ست البنات.
بل بسبب ذلك الصوت الصغير.
مددتُ يدي وقلت
أعطني الطفل.
تردد
للحظة، ثم سلّمني إياه بحذر.
ضممته إلى صدري.
كان دافئًا
خفيفًا
ويرتجف.
دخل مأمون إلى البيت بصمت.
كانت رائحة المنزل خليطًا من القهوة السودانية الباردة والبخور وملابس أطفال لم تُستخدم أبدًا.
جلس بعيدًا، بينما جلستُ أنا على الكنبة الخشبية قرب النافذة.
كان الطفل يبحث بعفوية.
وحين أرضعته
شعرتُ بألم حاد اجتاح صدري كله.
ليس ألم الجسد.
بل ألم الذكرى.
وكأن قلبي تذكّر فجأة كل شيء.
ابتلع الطفل الحليب بسرعة
ثم بدأ يهدأ تدريجيًا.
يده الصغيرة انغلقت فوق جلدي.
وبدأتُ أبكي بصمت.
وقف مأمون يراقبني وقال
شكرًا لكِ يا مريم
قلتُ ببرود
اصمت.
ولأول مرة منذ عرفته
أطاع فورًا.
ظل الطفل يرضع بهدوء، كأنه وجد أخيرًا المكان الذي كان يبحث عنه.
حاولت ألا أنظر إلى وجهه كثيرًا.
لم أرد أن أتعلق به.
لكن عندما نهضتُ لأضعه على البطانية الصغيرة قرب الكنبة، انزلق طرف الغطاء عن قدمه.
وهنا رأيتُ سوار المستشفى.
في البداية لم أهتم.
لكن شيئًا ما جعلني أتوقف.
مددتُ يدي ببطء
وقرّبت السوار من الضوء الأصفر الخافت.
ثم تجمّد جسدي بالكامل ووووو
صلي على النبي
القصه مدهشه للمتابعه سيب لايك وكمنت بتم وهيوصلك اشعار كملتراجعتُ خطوة للخلف وكأن السوار لسعني.
كان الاسم المكتوب عليه واضحًا رغم بهتان الحبر
الطفل طه مأمون عبد الرحيم
طه.
نفَسي انقطع.
أعدتُ النظر مرةً ثانية ثم ثالثة
يدي بدأت ترتجف بعنف.
طه.
نفس الاسم الذي اخترته
أنا لابني قبل أن يولد.
لكن هذا لم يكن أكثر ما أخافني.
بل التاريخ المكتوب أسفل الاسم.
تاريخ الولادة.
نفس يوم ولادة طفلي بالضبط.
رفعتُ رأسي نحو مأمون ببطء، وقلت بصوتٍ خرج بالكاد من سمّى الطفل؟
تجمّد مكانه.
ثم قال بعد تردد أنا
كذبة.
عرفتها فورًا.
لأن مأمون كان يكره اسم طه.
حين كنتُ حاملًا قبل سنوات، أخبرته مرة أنني أحب الاسم، فضحك وقال اسم قديم لن أسمّي ابني هكذا أبدًا.
إذًا لماذا الآن؟
شعرتُ بقلبي يدق بعنف.
نظرتُ إلى الطفل مجددًا.
إلى أنفه الصغير إلى انحناءة حاجبه إلى تلك العلامة الخفيفة قرب أذنه اليسرى.
علامة تشبه تمامًا الوحمة الصغيرة التي وُلد بها أخي الأصغر.
ابتلعتُ ريقي بصعوبة.
ثم همست مأمون هذا الطفل ابن مَن؟
قال بسرعة قلتُ لكِ ابني.
لكن عينيه كانتا تهربان مني.
اقتربتُ منه خطوة. ثم رفعتُ سوار المستشفى أمام وجهه.
وقلت لماذا كُتب اسم طه هنا؟
صمت.
فهمتُ وقتها أن هناك شيئًا مرعبًا يحاول إخفاءه.
وفجأة بدأ الطفل بالبكاء مجددًا.
لكنني هذه المرة لم أسمع بكاءه فقط
سمعتُ صوتًا آخر داخل رأسي.
صوت الممرضة في مستشفى بحري يوم ولادتي.
حين همست لأخرى ظنًّا أنني نائمة بسرعة بدّلي الأساور قبل أن تصحو الأم.
يومها ظننت أنني كنت أتوهم من أثر التخدير.
لكن الآن
الدم تجمّد في عروقي.
رفعتُ عيني نحو مأمون وقلت ماذا فعلتم بابني؟
شهق وكأنه تلقى ضربة.
ثم جلس على الكرسي منهارًا، ودفن
وجهه بين يديه.
وقال بصوت مكسور أقسم بالله لم أكن أعرف في البداية.
صرخت تعرف ماذا؟!
رفع رأسه ببطء وعيناه امتلأتا بالدموع لأول مرة منذ عرفته.
ثم
تم نسخ الرابط