انتهت من تجهيز العشاء ككل يوم لزوجها وحماتها لكن اليوم كان مختلف عن كل يوم

لمحة نيوز

من باب العمارة بعد أن سمعا صوته.
تجمدا في مكانهما.
لم يروه منذ شهور.
تبادلوا النظرات في صمت ثقيل.
ثم تقدم الابن الأكبر بخطوات بطيئة.
بابا؟
ارتعشت شفتا وليد.
أيوه يا حبيبي.
ركض الطفل نحوه فجأة ، بينما ظل أخوه الأصغر واقفًا مترددًا قبل أن يلحق به بعد لحظات.
انفجر وليد بالبكاء.
بكاء حقيقي لم يعرفه من قبل.
أما عنان فبقيت واقفة تراقب المشهد دون أن تتدخل.
كانت تعرف أن الأطفال لا ذنب لهم في خلافات الكبار.
ومنذ ذلك اليوم بدأت الزيارات تتم بشكل منظم.
مرة كل أسبوع.
ثم مرت الشهور.
وخلال تلك الفترة حدث أمر لم يتوقعه أحد.
مرضت والدة وليد بشدة.
وكانت تحتاج إلى عملية عاجلة وتكاليف علاج كبيرة.
الأشقاء الذين كانت تدافع عنهم طوال عمرها اختفوا واحدًا تلو الآخر.
كل منهم وجد عذرًا للهرب.
وبقي وليد وحده.
في إحدى الليالي جلس بجوار سرير أمه في المستشفى.
قالت بصوت ضعيف
سامحني يا ابني.
نظر إليها بدهشة.
على إيه؟
انهمرت دموعها.
أنا اللي خربت بيتك بإيدي... كنت فاكرة إني بحافظ عليك، لكني ظلمت عنان وظلمت عيالك.
لأول مرة اعترفت بالحقيقة كاملة.
شعر وليد بغصة في حلقه.
لكنه كان يعلم أن جزءًا كبيرًا من الذنب يقع عليه هو أيضًا.
وبعد أسابيع توفيت والدته.
ومع وفاتها أُغلق فصل طويل من الألم والصراعات.
أما عنان، فكانت منشغلة ببناء مستقبل جديد.
اجتهدت في عملها حتى أصبحت مديرة الشؤون الإدارية في المركز.
وأصبح الجميع يحترمها ويقدّر اجتهادها.
وفي حفل صغير أقامه العاملون بالمركز احتفالًا بترقيتها، وقف الدكتور راكان أمام الجميع وقال
في ناس لما الحياة تكسرهم بيستسلموا... وفي ناس بيبنوا من الكسر طريق جديد. وعنان من النوع التاني.
صفق الجميع بحرارة.
بينما وقفت عنان وعيناها
تلمعان بالدموع.
تذكرت ليالي المطبخ الباردة.
والإهانات.
والخوف.
والدموع التي كانت تخفيها عن أطفالها.
ثم نظرت إلى ولديها الجالسين في الصف الأول يبتسمان لها بفخر.
عندها فقط أدركت أنها انتصرت.
ليس لأنها أخذت بيتًا أو مالًا...
بل لأنها استطاعت أن تنقذ نفسها وأطفالها وتمنحهم حياة لم يكونوا يحلمون بها يومًا. النهاية بعد الحفل بأيام قليلة، كانت عنان تظن أن حياتها أخيرًا بدأت تهدأ، لكن القدر كان يخبئ لها مفاجأة جديدة.
في صباح أحد الأيام، وصلت إلى المركز لتجد سارة تنتظرها بوجه شاحب.
عنان مالك يا سارة؟ حصل إيه؟
سارة في واحدة برة عايزة تقابلك... ومصممة جدًا.
خرجت عنان لتجد امرأة أنيقة في الأربعينات من عمرها تجلس في الاستقبال.
ما إن وقعت عينا المرأة عليها حتى وقفت بسرعة.
المرأة إنتِ عنان؟
عنان أيوة.
مدت المرأة يدها وهي متوترة.
أنا اسمها هناء... الزوجة التانية لوليد.
تجمدت عنان في مكانها.
آخر شخص كانت تتوقع رؤيته.
طلبت منها الدخول إلى مكتب فارغ.
جلست هناء وهي تعصر أصابعها بتوتر.
هناء أنا عارفة إنك مش طايقاني... ومن حقك.
عنان لم ترد.
هناء بس أنا جيت أقولك حاجة يمكن متعرفيهاش.
رفعت عنان حاجبها باستغراب.
هناء وليد مريض.
شعرت عنان بصدمة خفيفة.
هناء من شهور وهو بيتردد على المستشفيات، وكان مخبي على الكل.
عنان وده يخصني في إيه؟
خفضت هناء رأسها.
لأنه رافض العلاج.
سادت لحظات من الصمت.
ثم أكملت
بيقول إنه تعب من الحياة، وإنه خسر كل حاجة تستحق إنه يعيش عشانها.
في البداية لم تتأثر عنان كثيرًا.
لكن في المساء، عندما عاد ولداها من زيارة والدهما، لاحظت شيئًا غريبًا.
كانا صامتين على غير العادة.
سألت الابن الأكبر
مالك يا حبيبي؟
أجاب بصوت منخفض
بابا كان تعبان
النهارده.
ثم أضاف بعد تردد
هو هيموت؟
شعرت عنان بشيء ينقبض داخل صدرها.
مهما حدث بينهما، فهو والد طفليها.
وفي الأسبوع التالي ذهبت إلى المستشفى.
عندما دخلت الغرفة ورآها وليد، اتسعت عيناه بدهشة.
وليد عنان؟
عنان جايه أطمن عليك بس.
ابتسم لأول مرة منذ مدة طويلة.
ابتسامة باهتة لكنها صادقة.
جلسا دقائق في صمت.
ثم قال
عارف إني ظلمتك.
وعارف إن الاعتذار مش هيرجع حاجة.
بس كنت عايزك تعرفي إني ندمت كل يوم.
نظرت إليه دون أن تتكلم.
لم تعد تحمل له الحب القديم.
لكنها أيضًا لم تعد تحمل ذلك الغضب المشتعل.
كان مجرد إنسان أخطأ كثيرًا ويدفع الثمن.
وقبل أن تغادر، أخرج وليد ظرفًا من درج الطاولة.
ده ليكي.
فتحت الظرف فوجدت داخله رسالة.
وفي أسفلها توقيع رسمي.
رفعت رأسها نحوه بدهشة.
ابتسم وقال
دي آخر حاجة قدرت أعملها لأولادي...
عندما قرأت الرسالة، اكتشفت أنه حوّل كل ما تبقى من أملاكه البسيطة ومدخراته إلى صندوق باسم الطفلين، لا يستطيع أحد لمسه حتى يبلغا سن الرشد.
أغلقت الرسالة ببطء.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة قالت له
ربنا يصلح حالك يا وليد.
فأغمض عينيه وكأن هذه الجملة وحدها كانت أثمن من أي شيء امتلكه في حياته مرّت عدة أسابيع بعد تلك الزيارة.
بدأ وليد يتلقى العلاج بانتظام، ليس لأنه أصبح متمسكًا بالحياة فجأة، بل لأن ولديه كانا يزورانه كل أسبوع ويسألانه السؤال نفسه
بابا... إنت هتبقى كويس؟
وكان يعجز عن النظر إلى عينيهما ويقول لا.
لأول مرة شعر أن لديه سببًا ليقاوم.
أما عنان فكانت تركز على عملها وأطفالها، وتحاول ألا تعود إلى دوامة الماضي.
لكن في أحد الأيام وصلها اتصال من المستشفى.
المتصل أستاذة عنان؟
عنان أيوة.
المتصل الأستاذ وليد محتاج عملية عاجلة، وفي بعض الأوراق
لازم حد من أسرته يوقع عليها.
أغلقت الهاتف وهي تشعر بحيرة كبيرة.
لم تكن زوجته.
ولم تعد مسؤولة عنه.
لكنها في النهاية أم لطفليه.
ذهبت إلى المستشفى.
وهناك وجدت وليد على السرير، أضعف بكثير مما رأته آخر مرة.
ابتسم عندما رآها.
وليد كنت عارف إنك هتيجي.
عنان متتعبش نفسك بالكلام.
ظل ينظر إليها للحظات.
ثم قال
فاكرة أول يوم دخلتي فيه البيت بعد الجواز؟
تفاجأت بالسؤال.
أيوة.
كنتِ داخلة فرحانة وحالمة بحياة حلوة... وأنا ضيعت كل ده
بإيدي.
لم تجب.
بعض الجروح تلتئم، لكنها لا تختفي.
دخل الأطباء بعدها وأخذوه إلى غرفة العمليات.
مرت الساعات ببطء شديد.
كان الولدان يجلسان بجوار أمهما في الممر، يمسكان بيديها بقوة.
وأخيرًا خرج الطبيب.
نظر إليهم ثم ابتسم.
الحمد لله... العملية نجحت.
تنفس الجميع الصعداء.
بعد أشهر من العلاج والتأهيل، تحسنت حالة وليد تدريجيًا.
لم يعد الرجل المتكبر الذي كان يعتقد أن المال والقوة يمنحانه الحق في التحكم بالآخرين.
صار أكثر هدوءًا.
وأقرب إلى أولاده.
وفي يوم من الأيام، بينما كانت عنان تنتظر خروج الطفلين من المدرسة، اقترب منها وليد.
وقف على مسافة محترمة وقال
متقلقيش... مش جاي أتكلم في الماضي.
نظرت إليه بصمت.
ابتسم وقال
جاي أشكرك.
على إيه؟
لأنك رغم كل اللي حصل، عمرك ما حاولتي تمنعي الأولاد عني.
سكت قليلًا ثم أكمل
ده أكبر معروف عملتيه في حياتي.
نظرت إليه للحظة.
ثم قالت بهدوء
كنت بعمل الصح لأولادي... مش ليك.
هز رأسه متفهمًا.
وفي تلك اللحظة خرج الولدان من المدرسة وركضا نحوهما بسعادة.
وقف الأب والأم يتابعانهما وهما يضحكان ويلعبان.
ربما لم تعد هناك قصة حب.
وربما لن يعود الزمن أبدًا.
لكن كان هناك شيء أهم
طفلان نشآ أخيرًا في جو أكثر أمانًا،
بعيدًا عن الصراعات التي مزقت طفولتهما.
وعرفت عنان أنها، مهما كانت المعارك التي خاضتها، فقد ربحت أهم معركة على الإطلاق... حماية أبنائها وبناء حياة جديدة لهم. تمت القصة.

تم نسخ الرابط