بعد أسبوعين بس من الولادة، كانت بتترجّى جوزها يصدق إن ضهرها بيتكسر من الوجع لكنه كان شايف إنها بتدلع.

لمحة نيوز

مريم كانت قاعدة لوحدها في البلكونة بعد ما البنت نامت، وكريم لاحظ إنها ساكتة زيادة عن الطبيعي.
قرب منها وقال
سرحانة في إيه؟
ردت من غير ما تبص له
ولا حاجة.
سكت لحظة، وبعدين قال بهدوء
دي الجملة اللي أنا بخاف منها دلوقتي.
رفعت عينيها له باستغراب.
قال
ولا حاجة دي اللي كانت قبل ما أعرف إن كل حاجة كانت بتتخبّي وراها وجع كبير.
مريم سكتت شوية، وبعدين قالت
مش وجع بس تفكير.
في إيه؟
تنهدت
في إني بقيت أخاف أرجع لنقطة إنّي أشرح كتير ومحدش يسمع.
الكلمة دي وقعت عليه تقيل تاني، بس المرة دي ما استناش يتبرر أو يدافع.
قال بسرعة
وأنا مش عايزك تشرحي كتير.
بصت له.
كمل
أنا عايزك تحسي إنك لو سكتِ هسألك. ولو اتكلمتي هصدقك. ولو اتلخبطتي هفهمك.
سكتت مريم، كأن الكلام ده لمس جزء قديم لسه مجروح.
وفي اللحظة دي، سمعوا صوت الباب.
البنت دخلت تجري وهي فرحانة
ماما! بابا! أنا جبت
أعلى درجة في الإملاء!
كريم جرى عليها وشالها
برافو عليكِ!
ومريم ابتسمت، لكن عينها كانت عليه وهو شايلها.
وفجأة قالت
تعرف؟
إيه؟
قالت بهدوء
أخطر حاجة حصلت في حياتنا مش اللي كسرنا لكن اللي خلانا نرجع نثق تاني.
سألها
وده خطر؟
ابتسمت
أيوة لأن الثقة بعد الكسر مش بتبقى زي الأول.
سكت.
وبعدين قالت
بتبقى أعمق أو بتبقى وهم.
كريم هز راسه وقال
وإحنا فين؟
مريم بصت له وبعدين للبنت اللي بتضحك بين إيديه.
وقالت
إحنا لسه بنختار كل يوم.
وفي آخر المشهد، مفيش نهاية مثالية، ومفيش ضمانات.
لكن في حاجة أهم
ناس اتعلمت إن الحب مش مجرد وجود
لكن وعي، ومسؤولية، وسماع حقيقي قبل فوات الأوان.
وإن بعض البيوت ما بتتصلّحش مرة واحدة
لكن بتتصلّح كل يوم شوية ومع كل يوم كان بيعدّي، كانوا فاكرين إنهم وصلوا لمرحلة الاستقرار لحد ما حصل موقف صغير غيّر الإحساس ده تاني.
في يوم المدرسة، رجعت
البنت من غير ما تتكلم زي عادتها.
دخلت البيت وسابت شنطتها على الأرض وقعدت في أوضتها.
مريم لاحظت ده فورًا.
قربت منها
مالك يا حبيبتي؟
البنت قالت وهي بتبص في الأرض
صحبتي قالتلي إن باباها ما بيحبهاش زي ما بابا بيحبني.
الكلمة كانت بسيطة لكن اتقالت بطريقة كسرت حاجة صغيرة جوا مريم.
قعدت جنبها وقالت بهدوء
ليه قالت كده؟
قالت إن باباها عمره ما بيحضنها، وإنه دايمًا مشغول.
سكتت مريم شوية، وبعدين قالت
تعرفي إيه الفرق؟
إيه؟
قالت
إن الحب مش مقارنة.
في اللحظة دي كريم كان واقف على الباب وبيسمع.
مريم كملت
كل بيت ليه طريقته ومش كل اللي برا واضح.
البنت هزّت راسها ومشيت تلعب، لكن كريم فضل واقف.
بعد ما الليل هدى، قال لمريم
الكلام ده خلاني أفكر.
في إيه؟
قال
يمكن أنا بقيت بحاول أعوض اللي فات زيادة عن اللزوم.
رفعت حاجبها
زيادة عن اللزوم؟
قال
أيوه بقيت بحاول أثبت إني
اتغيرت، لدرجة إني ساعات بخاف أكون بسيب نفسي تاني.
سكتت مريم لحظة، ثم قالت
التغيير الحقيقي مش محتاج إثبات.
قرب منها
أومال محتاج إيه؟
قالت
محتاج استمرارية من غير خوف.
الكلمة دي قعدت جوه كريم طول الليل.
وفي الأيام اللي بعدها، بدأ يهدى أكتر.
مش بيبالغ في رد فعله.
ولا بيحاول يثبت حاجة كل ثانية.
لكن في نفس الوقت، كان بيبص لمريم بطريقة مختلفة فيها فهم أعمق من أي وقت فات.
وفي مرة، وهي ماشية في البيت، وقعت حاجة بسيطة منها على الأرض.
قبل ما تكمل، كريم سبقها وقال بابتسامة
عادي مش لازم نثبت إننا كاملين.
مريم بصت له.
ابتسمت.
وقالت
أخيرًا فهمتها.
قال
إيه؟
قالت
إننا مش محتاجين نعيش ما بين ذنب قديم وخوف جديد إحنا محتاجين نعيش بس.
وساعتها بس، لأول مرة من بداية القصة كلها، مفيش وجع قديم بيحكم لحظتهم.
ولا شكوك.
ولا دفاع.
بس حياة بسيطة اتعلمت تمشي بهدوء.
ومع كل
يوم جديد، كانوا بيكتشفوا إن السلام مش لحظة بنوصلها
لكن اختيار بنكرره كل يوم.
وهنا القصة ما انتهتش، لكنها هدأت.

تم نسخ الرابط