أنا جوزي مسافر الإمارات بقاله ٨ سنين…
المحتويات
دخلت عليه بهدوء. حطت قدامه ظرف كبير.
قال باستغراب إيه ده؟
قالت افتحه.
فتح الظرف لقى صور، رسائل، تحويلات، وأوراق رسمية. كل حاجة تخص البيت وكل حاجة باسمها.
رفع عينه بسرعة إنتِ عملتي إيه؟
قعدت قدامه بهدوء قاتل اللي كان لازم يتعمل من زمان.
سكت لحظة، وبعدين قال بانفعال انتي متجننة؟ ده بيتنا!
ردت لأول مرة من غير دموع لا. ده كان بيتي وأنا كنت فاكرة إني شريكة فيه لحد ما اكتشفت إني كنت لوحدي.
سكت. الصمت كان أول مرة يبقى هو اللي بيخنقه.
قال وهو بيحاول يهدّي الموقف نقدر نحل أي حاجة
لكنها قاطعته حلّيت أنت قبل كده لما قررت تعيش حياة تانية من غير ما تقول لي.
في اللحظة دي، حماتها دخلت فجأة، ولما شافت الوضع اتجمدت. نادية بصتلها وقالت بهدوء طول عمري كنت بسمع استحملي النهارده أنا بطلت أستحمل اللي بيكسرني.
محمود وقف، كأنه لأول مرة شايفها بجد. مش الست اللي بتطبخ وبتسكت لكن إنسانة تانية خالص.
قال بصوت أقل وإنتي عايزة إيه دلوقتي؟
نادية أخدت نفس طويل، وقالت حقي.
وفي الليلة دي، ما كانش في صراخ ولا خناقة كبيرة كان في حاجة أخطر نهاية شكل حياة وبداية شكل تاني خالص.
محمود في اللحظة دي ما ردّش بسرعة كان لأول مرة يحس إن الأرض مش ثابتة تحته زي كل مرة.
نادية كانت واقفة
قال أخيرًا وهو بيحاول يتمالك نفسه يعني إيه حقي؟ إنتي عايزة تضيعي بيتنا وعيشنا؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت بيتنا؟ أنت عشت بيتين وأنا كنت في بيت واحد بس، لوحدي.
الصمت ساد المكان. حتى حماتها ما لقتش كلمة تقولها، لأول مرة.
محمود حاول يقرب نادية، أنا كنت
قاطعته بإيدها ما تشرحش. أنا سمعت كل حاجة من غير ما تتكلم.
سكت لحظة، وبعدين قالت الجملة اللي قلبت كل حاجة أنا مش هكمل بالشكل ده.
رفع عينه بسرعة يعني إيه؟
ردت يا أنا يا الحياة التانية اللي عشتها من ورايا.
المفاجأة ما كانتش في كلامها كانت في إنها قالتها وهي ثابتة، مش منهارة، مش بتتوسل.
محمود حس لأول مرة إنه مش ماسك زمام الموقف.
مرّ يومين في صمت غريب في البيت. لا صراخ حماتها، ولا طلبات، ولا أوامر. كأن البيت نفسه مستني القرار.
محمود حاول يفتح كلام كتير نقدر نبدأ من جديد الغلط يتصلح أنا مستعد أعدل
لكن نادية كانت كل مرة بترد بنفس الجملة الوقت خلص.
في الليلة الثالثة، نزلت شنطة صغيرة من فوق السطح. مش شنطة سفر كبيرة لا. كانت شنطة واحدة بس فيها حاجتها الأساسية.
محمود وقف قدام الباب رايحة فين؟
قالت بهدوء راجعة لنفسي.
حاول يقف قدامها البيت ده حقك ومينفعش تمشي.
ابتسمت
وخرجت.
أول خطوة بره البيت كانت تقيلة لكن كل خطوة بعدها كانت أخف.
الشارع اللي كانت بتخاف تمشي فيه زمان لوحدها، بقى طريقها الجديد.
ورغم إن الدموع كانت قريبة لكنها ما نزلتش.
بعد شهور
نادية كانت قاعدة في مكان بسيط، شغالة في مشروع صغير بدأت تعمله بإيديها. مش كبير بس ليها.
والمفاجأة إن أول مرة بقى عندها صوتها الحقيقي، مش صوت استحملي.
ومحمود؟ فضل واقف عند نفس اللحظة اللي شافها فيها ماشية. بس المرة دي ما كانش وراها حاجة تنده عليه.
مرّت شهور، ونادية حياتها بدأت تاخد شكل تاني هادي بس ثابت.
مش رفاهية لكن كرامة.
كانت بتصحى الصبح من غير صوت حد يأمرها، ومن غير خوف من رد فعل، وده لوحده كان إحساس جديد عليها.
شغلها الصغير كبر واحدة واحدة بقت تعمل أكل وتبيعه، وبقت الناس في البلد تبدأ تعرف اسمها مش كمرات فلان، لكن نادية اللي بتعتمد على نفسها.
في يوم، وهي قاعدة في محلها البسيط، دخلت واحدة من قرايبها وقالتلها محمود رجع من السفر.
قلمها وقع من إيدها لحظة وبعدين لمّته بهدوء.
وسألت بصوت عادي وبيعمل إيه؟
قالت بيدوّر عليكِ.
الخبر ما هزّهاش زي زمان بس عمل حاجة مختلفة فتح باب قديم
بعد يومين، لقته واقف قدام محلها.
مختلف. أهدى أضعف كأنه هو اللي اتكسر مش هي.
قال ممكن نتكلم؟
نادية بصتله لحظة طويلة وبعدين قالت اتكلم.
قال بصوت متقطع أنا خسرت كل حاجة لما مشيتي. البيت بقى فاضي. وأنا فهمت متأخر.
سكتت. ما قاطعتهوش.
كمل أنا عارف إني ظلمتك بس كنت فاكر إنك هتفضلي موجودة مهما حصل.
ابتسمت ابتسامة صغيرة فيها مرارة وده كان أكبر غلط.
سكتوا سوا.
وبعدين قال أرجعي وهنبدأ من جديد. أنا سيبت كل حاجة غلط ورايا.
نادية بصت له بهدوء وبصت لحياتها اللي اتبنت لوحدها في السنين اللي فاتت.
وقالت تعرف الفرق بيني وبينك إيه؟
هز راسه.
كملت إني أنا لما اتكسرت بنيت نفسي. إنما أنت لما خسرت افتكرتني حلّك.
سكت.
الرد ما كانش محتاج شرح أكتر.
قال بصوت واطي يعني خلاص؟
ردت مش خلاص ده بداية جديدة. بس مش معاك.
دمعت عينه، لأول مرة من غير كبرياء.
لكنها ما دمعتش.
مش قسوة بس وضوح.
وهي ماشية ترجع لمحلها، كان هو واقف في نفس المكان بس المرة دي ما حاولش يمسكها.
لأنه فهم متأخر إن في ناس بتتسامح بس ما بترجعش.
آخر مشهد
نادية قاعدة في محلها، بتضحك مع زبونة، وبتكتب طلب جديد.
والحياة لأول مرة ما كانتش وعد من حد كانت حاجة هي اللي صنعتها بنفسها.
مرّت سنة
نادية ما رجعتش لورا مرة واحدة.
مش لأن الجرح اتنسى لكن لأنها اتعلمت تعيش
متابعة القراءة