ماما، وبابا وأخوكِ تامر ومراته هبة جايين يوم السبت وهيقعدوا معانا شهر.

لمحة نيوز

الفلوس سهلة يا أحمد الثقة هي اللي غالية.
وسكتنا.
لثواني طويلة.
قبل ما يقول هترجعي إمتى؟
بصيت للموج والشمس والراحة اللي أخيرًا حاساها.
وقلت بهدوء لما أحس إن البيت اللي هرجعله فيه مكان ليا مش مجرد دور بخدمه رجعت بعد أسبوع.
مش لأن أحمد زنّ عليا ولا عشان حسيت بالذنب.
رجعت عشان كنت محتاجة أشوف هل فعلًا فهم؟ ولا أول ما أرجع كل حاجة هترجع زي ما كانت؟
طلعت السلم ببطء، وقلبي متكتل جوايا.
فتحت الباب بالمفتاح
واتفاجئت.
البيت هادي.
هادئ بشكل غريب لدرجة إني وقفت دقيقة كاملة أبص حواليا.
الصالة مترتبة. المواعين متغسولة. والريحة ريحة منظف، مش طبيخ وزيت ودوخة.
أحمد خرج من المطبخ أول ما سمع الباب.
وشه كان مجهد. دقنه طالعة. وعينيه باين فيهم السهر.
فضل واقف ثواني كأنه مش عارف يبدأ منين.
بعدها قال بهدوء حمد لله على السلامة.
هززت راسي بس.
بصيت حواليّا وسألته فين مامتك وباباك؟
سافروا امبارح.
بدري يعني.
ابتسم ابتسامة باهتة أيوه اكتشفوا إن الشهر طويل فعلًا.
كتمت ضحكة صغيرة رغمًا عني.
دخلت أوضة المكتب ولقيتها زي ما سبتها.
ملفاتي مترتبة. اللابتوب مكانه. حتى الورقة الصغيرة اللي كنت كاتبة عليها ملاحظات، متحركتش.
لفيت أبصله محدش دخل هنا؟
هز راسه لا. دي مساحتك.
الجملة بسيطة جدًا بس عملت حاجة غريبة جوايا.
دي مساحتك.
مش الركن. مش الأوضة اللي ناخدها للضيوف.
مساحتي.
حط شنطة صغيرة على المكتب وقال دي فلوسك.
فتحته لقيت ال٤٢٠٠ كاملين.
ومعاهم ظرف صغير.
بصيت له باستغراب.
قال افتحيه بعدين.
سابني وخرج.
قعدت على الكرسي وفتحت الظرف ببطء.
كان فيه ورقة بخطه.
أنا طول عمري فاكر إن الراجل اللي بيصرف يبقى شايل البيت. بس اكتشفت إن البيت فعلًا بيتشال بالحاجات اللي محدش بياخد باله منها.
الأكل
اللي بيظهر لوحده. الهدوم اللي بتتنضف. الراحة اللي كنت فاكرها حق طبيعي.
ولما مشيتي البيت اتقلب مجرد شقة.
أنا آسف إني حسستك إنك أقل من شريكة. وآسف أكتر إني ما فهمتش ده غير لما تعبت لوحدي.
فضلت أبص للورقة شوية طويلة.
وجزء جوايا كان لسه زعلان بس جزء تاني كان تعبان من الحرب.
خرجت لقيته واقف في المطبخ بيعمل شاي.
ولأول مرة في حياتنا تقريبًا كان بيغسل الكوباية بعد ما استخدمها.
بصلي بحذر وقال عملتلك شاي من غير سكر زي ما بتحبيه.
خدت الكوباية منه.
وسألته بهدوء وأهلك؟
اتوتر شوية قلتلهم قبل ما يمشوا إن أي زيارة بعد كده لازم نتفق عليها سوا وإن المدة تبقى معقولة.
رفعت عيني له.
واضح إن الكلام ده ماكانش سهل عليه.
سكتنا شوية بعدين قال أنا عارف إن الاعتذار لوحده مش كفاية.
فعلًا.
هز راسه بتقبل.
قعدنا في الصالة بهدوء غريب أول هدوء حقيقي بينا من شهور.
وفجأة قال على فكرة الفندق اللي في دهب طلع حلو؟
بصيت له باستغراب.
ابتسم لأول مرة بصدق أصل كنت بفكر لما الدنيا تهدى، نروحه سوا. بس المرة دي من فلوسي أنا بصيت له ثواني طويلة
كان واضح إنه مستني رد. أي رد. خناقة. سخرية. حتى رفض.
لكن اللي فاجأه إني ابتسمت ابتسامة خفيفة جدًا وقلت نشوف.
ودي كانت أول مرة من شهور يحس إن فيه أمل صغير.
الأيام اللي بعد كده ما كانتش مثالية. إحنا مش في فيلم. مفيش مشاكل بتختفي برسالة اعتذار وكوباية شاي.
بس حصلت حاجات صغيرة والحاجات الصغيرة أحيانًا هي اللي بتفرق.
أحمد بقى يسأل قبل ما يعزم حد. ولو أمه طلبت تيجي، يبصلي الأول بعينه قبل ما يرد.
وبقى يغسل طبقه. ينزل يجيب طلبات البيت من غير ما أطلب. ولما أكون شغالة، يقفل باب أوضة المكتب بنفسه ويقول محدش يزعج سارة.
أول مرة أحس إن شغلي شغل بجد في نظره مش
مجرد حاجة بعملها على اللاب للتسلية.
وفي ليلة، كنت قاعدة براجع شغل، وهو دخل حط قدامي ظرف صغير.
فتحت باستغراب.
لقيت فيه كارت بنكي جديد.
ده إيه؟
حساب باسمك إنتِ بس.
بصيت له من غير كلام.
قال بهدوء أي فلوس تحوشيها تبقى أمان ليكي. وأنا ماليش حق ألمس جنيه من غير إذنك.
الجملة دي كان وزنها أكبر من الفلوس نفسها.
عدى شهرين.
والعلاقة بينا بدأت تهدى فعلًا. مش مثالية بس أنضج.
لحد يوم الجمعة.
كنا بنتغدى، وفجأة أحمد قال ماما كلمتني.
رفعت عيني من الطبق ببطء.
وعايزة تيجي يومين.
سكت شوية بسرعة وأضاف بس قولتلها لازم أسألك الأول.
فضلت باصة له. وهو متوتر فعلًا ومستني رأيي.
وهنا بس استوعبت الفرق.
زمان كان بيبلغني. دلوقتي بيسألني.
فرق بسيط جدًا لكنه فرق بين واحدة عايشة كخدامة في بيتها، وواحدة شريكة حقيقية فيه.
شربت شوية مية وقلت يومين ينفع.
الراحة اللي ظهرت على وشه ضحكتني.
وبعدين قلت وأنا برفع حاجبي بس المواعين عليك.
ضحك بصوت عالي لأول مرة من قلبه اتفقنا.
وفي اللحظة دي وأنا سامعة ضحكته وببص حواليا لبيتي الهادي فهمت حاجة مهمة.
أحيانًا المشكلة مش في التعب نفسه المشكلة إن محدش شايفه.
ولما الإنسان يتحس إنه مرئي حتى الحمل بيخف بعدها بكام أسبوع
كنت قاعدة في أوضة المكتب بشتغل، وأحمد في المطبخ بيحاول يعمل مكرونة بالبشاميل. وبيحاول دي كلمة لطيفة جدًا على اللي كان بيحصل هناك.
ريحة الحرق بدأت توصل لحد عندي.
طلعت لقيته واقف قدام الفرن متوتر، والمطبخ عامل كأنه دخل حرب.
بصلي أول ما شافني قبل ما تتكلمي أنا كنت فاكر البشاميل أسهل من كده.
بصيت للصينية ثم له وانفجرت ضحك.
ضحك هو كمان وقال والله الستات عندها قدرات خارقة.
لا، إحنا بس اتعودنا محدش يساعدنا.
الجملة خلت الضحكة تهدى شوية
بينا.
بعدين فجأة قال على فكرة تامر اتصل بيا امبارح.
رفعت حاجبي خير؟
بيقولي إن هبة بقت متنرفزة طول الوقت من شغل
البيت.
بصيتله باستمتاع واضح يا عيني.
والله العظيم افتكرتك فورًا.
قعدنا نضحك سوا لكن بعدها سكت هو شوية وقال تخيلي؟ كنت فاكر إن كل الحاجات دي طبيعية. إن البيت بيمشي لوحده.
قربت من الرخامة وسندت عليها أغلب الرجالة متربين على كده يا أحمد. يشوفوا النتيجة مش المجهود.
هز راسه ببطء، كأنه فعلًا بيستوعب حاجة عمره ما فكر فيها.
وفي اللحظة دي، موبايلي رن.
بصيت للشاشة ماما.
رديت بسرعة.
لكن أول ما سمعت صوتها، قلبي وقع.
سارة إنتِ تقدري تيجي؟ أخوكي تعبان أوي.
ملامحي اتغيرت فورًا.
أحمد لاحظ وقرب فيه إيه؟
قفلت المكالمة وأنا بحاول أتماسك تامر أخويا في المستشفى.
من غير ثانية تردد، أحمد طفى الفرن وقال يلا البسي، وأنا هسوق.
طول الطريق كنت متوترة ومش قادرة أفكر.
وأول ما وصلنا، جريت على أوضة أخويا.
الحمد لله، كانت أزمة مرارة حادة وهيدخل عملية بسيطة. مش كارثة بس الرعب اللي حسيت بيه هزني.
طول الوقت أحمد كان موجود. جاب أدوية. اتكلم مع الدكتور. حتى جاب لماما أكل لما افتكر إنها ما كلتش.
وفي نص الزحمة دي، ماما شدتني على جنب وهمست جوزك اتغير أوي.
بصيتله من بعيد كان واقف مع بابا بيسأل الدكتور عن تفاصيل العملية بتركيز.
وابتسمت من غير ما أحس.
لأن الحقيقة؟ هو فعلًا اتغير.
مش بقى ملاك لسه ساعات بينسى. لسه أوقات بيتصرف بعفوية مستفزة.
بس الفرق إنه بقى يسمع. يشوف. ويصلّح.
وده يمكن أهم من الكمال نفسه.
رجعنا البيت بعد يوم طويل ومرهق.
دخل أحمد المطبخ وقال تحبي أطلب أكل؟
بصيت للصينية المحروقة اللي كانت لسه فوق الرخامة وضحكت.
قلت لا كمّل البشاميل بتاعتك. عايزة أشوف النهاية المأساوية
دي للآخر.
بصلي بصدمة تمثيلية قليل الأدب اللي يشمت في فنان.
ولأول مرة من زمان ضحكنا من قلبنا، من غير ما يكون فيه زعل مستخبي تحت الضحك.

تم نسخ الرابط