كنت واقفه في المطبخ بجهز عشا بسيط

لمحة نيوز


هو بابا رجع ليه؟
سؤال بسيط لكنه قطع قلبه.
محمود جثا على ركبته قدامهم، وقال بصوت مهزوز رجعت عشان أبدأ من الأول بس المرة دي هكون أبوكم، مش أبو كلام الناس.
مريم بصتله بعيون مترددة وإحنا نضمن إيه؟
سكت.
لأول مرة في حياته ما كانش عنده إجابة سهلة.
لكن وفاء تدخلت بهدوء تضمنوا الفعل مش الكلام.
مر أسبوع
محمود باع عربيته.
وراح يشتغل شغل إضافي في محل أدوات كهربا بعد شغله الأساسي.
مازن كان بيراقبه وهو شايل كراتين، ومريم بتساعد أمها في الخياطة.
وفي ليلة، لما رجع البيت متأخر، لقى ورقة صغيرة على السرير.
فتحها.
كانت من وفاء
مش بنبدأ من الصفر إحنا بنصلّح اللي اتكسر. أهم حاجة متكسرش تاني.
بص حوالين البيت الصغير لأول مرة مش شايف فقر.
شايف بداية.
لكن في آخر السطر كان فيه جملة خلت قلبه يقف
ولو خذلتهم مرة تانية مش هتلاقينا هنا.
ورجع يبص لأولاده اللي نايمين
وساعتها فهم إن الرجوع الحقيقي مش للبيت
ده للثقة اللي لو اتكسرت، ما بتتصلحش بسهولة في الصبح التالي، محمود صحي بدري قبل الكل.
ماستناش زعيق من الدنيا ولا لوم من حد راح بنفسه يجيب احتياجات البيت، ورجع شايل كيس صغير فيه حاجات بسيطة أكل، ودفاتر جديدة، وقلمين.
وقف قدام باب الأوضة الصغيرة بتاعت وفاء، واتردد لحظة وبعدين خبّط بهدوء.
وفاء فتحت الباب وهي لسه ماسكة إبرة وخيط خير؟
محمود مد إيده بالكيس دي حاجات الولاد ودفاتر جديدة.
بصت له وفاء بصمت، مش فرحانة ولا رافضة بس بتقيس الكلام بالفعل.
مريم جريت أول ما شافت الدفاتر دي لينا إحنا؟
مازن أخد القلم وقلبه في إيده كأنه مش مصدق.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت في محمود نفسه.
قعد على طرف السرير وقال أنا كلمت شغلي هطلب نقل

لفرع أقرب، عشان أرجع بدري وأذاكر معاكم.
وفاء رفعت عينها ببطء وأنا مش عايزة وعود يا محمود عايزة استمرارية.
سكت.
وهو أول مرة يفهم إن الاعتذار مش لحظة ده طريق طويل.
الأيام عدّت، والبيت بدأ يتغير بشكل غريب.
مش فجأة بقى مثالي لكن بقى فيه محاولة.
محمود بقى بيرجع بدري، يقعد مع الولاد يشرح لهم دروسهم، ويغسل طبق أو يساعد في ترتيب البيت من غير ما حد يطلب.
في مرة، مازن قال له وهو بيذاكر هو ليه فجأة بقيت كويس معانا؟
محمود ابتسم بس كأنه بيجاوب نفسه قبل ابنه عشان اتأخرت أكون كويس.
وفي نفس الوقت، وفاء كانت بتراقب من بعيد.
مش قلبها اتحجر بس بقيت حذرة.
لأنها عرفت إن الرجوع السهل بيكسره أسهل.
وفي يوم من الأيام، جت رسالة للبيت.
مظروف رسمي من مدرسة مازن ومريم.
وفاء فتحت بإيدها وهي متوترة.
قريت
وبعد ثواني سكتت تمامًا.
محمود قرب فيه إيه؟
رفعت الورقة له وقالت الولاد طالعين أوائل الإدارة كلها.
البيت سكت لحظة
وبعدين مازن ومريم صرخوا فرح.
محمود اتجمد وبعدها دموعه نزلت من غير ما يحس.
بس وسط الفرحة، مازن بص لأبوه وقال فجأة بس النجاح ده كان هيكون أحلى لو كنت معانا من الأول.
الكلمة دي خلت الضحك يهدى شوية.
وفاء قربت وقفت جنبهم وقالت بهدوء المهم مش إحنا وصلنا المهم هتفضل معانا ولا لأ.
محمود بص لهم كلهم وقال مش هسيبكم تاني حتى لو الدنيا كلها اتغيرت.
وفي اللحظة دي، مازن مسك إيده لأول مرة من غير تردد.
لكن بعيد في باب البيت، كان في ظرف جديد بيتحط من غير ما حد ياخد باله.
ومكتوب عليه بس لسه الحساب ما اتقفلش.
مين اللي باعته؟ وليه دلوقتي؟ الظرف فضل قدام باب الشقة كأنه تهديد ساكت مش صوت، لكنه إحساس تقيل دخل البيت كله.
محمود
مد إيده وفتحه بسرعة، ووفاء كانت واقفة وراه مباشرة، ومازن ومريم سكتوا فجأة.
جوا الظرف ورقة واحدة بس مكتوب فيها بخط غريب
البيت اللي اتبنى على أسرار عمره ما بيكمل فرحته.
محمود بص للورقة، وبعدين بص حوالين المكان أسرار إيه؟ أنا ماعنديش أسرار!
وفاء اتغير وشها لحظة، مش خوف لكن تركيز.
قالت بهدوء ممكن تكون لعبة من حد بيحاول يخرب اللي بدأنا نصلحه.
لكن مازن قاطعهم فجأة أنا شفت واحد قبل كده كان بيقف قدام البيت وبيسأل علينا.
الكل بص له في نفس اللحظة.
مريم بصوت منخفض يعني في حد بيراقبنا؟
الصمت اللي بعد الجملة دي كان تقيل لدرجة إن حتى صوت الماكينة اللي في الركن كان واضح في دماغهم.
محمود مسك الورقة، وخرج بسرعة من البيت.
وفاء جريت وراه رايح فين؟
قال وهو ماشي لازم أعرف مين اللي بيهددنا.
لكن الحقيقة إنه كان لأول مرة بيواجه خوف مختلف مش خوف الفلوس ولا الشغل
خوف إنه يكون في حاجة فاتته طول عمره وهو مش واخد باله.
في نفس اليوم بالليل، رجع محمود متأخر.
وشه مش مطمّن.
وفاء أول ما شافته قالت لقيت حاجة؟
سكت ثانيتين
وبعدين قال الراجل اللي كان بيقف قدام البيت اشتغل معايا زمان.
وفاء اتجمدت يعني إيه؟
محمود قعد وقال بصوت واطي كان شريك صغير في شغل قديم حصل بينا خلاف كبير وأنا كنت السبب إنه يخسر شغله.
الصمت ضرب المكان.
وفاء بصت له وإيه علاقته بينا دلوقتي؟
محمود رد بيقول إنه مش جاي ينتقم مني أنا جاي يفتح اللي اتقفل زمان.
في اللحظة دي الباب خبط.
خبطة واحدة بس تقيلة.
الكل اتجمد.
محمود قام ببطء وفتح الباب
كان واقف راجل في منتصف الأربعينات، عينيه ثابتة، وفي إيده ظرف زي اللي قبل كده.
قال بهدوء أنا مش جاي أخرب حياتك أنا جاي
أوريك إنك بنيت حياتك على حاجة مش كاملة.
وفاء وقفت جنب محمود، وقالت بثبات أيًا كان اللي بينكم احنا مالناش دعوة بيه.
الراجل ابتسم ابتسامة صغيرة وقال غلط لأن اللي بيني وبينه هو اللي خلاه ياخد قرار زمان خلى بيتكم يتكسر النهارده.
محمود حس إن الأرض بتسحب من تحته اتكلم قول اللي عندك.
الراجل مد الظرف وقال افتحه وهتفهم ليه كل حاجة بدأت تتغير فجأة.
وفاء مسكت إيد محمود قبل ما يفتحه استنى يمكن ده اللي عايز يوقعنا.
لكن عيون محمود كانت خلاص دخلت في نقطة اللاعودة
فتح الظرف.
وفيه صورة قديمة جدًا
صورة لمحمود ومعاه طفل صغير مش معروف.
وورا الصورة مكتوب جملة واحدة
الطفل ده لسه عايش.
محمود وقع الظرف من إيده.
وفاء بصت له بصدمة مين الطفل ده يا محمود؟
وهو لأول مرة في حياته ما كانش عنده رد الصمت في البيت كان بيضغط على الصدر كأنه دخان تقيل.
محمود قعد على الكرسي وهو باصص للصورة إيده بترتعش.
وفاء قربت منه محمود رد عليا. مين الطفل ده؟
مازن ومريم واقفين في الركن، مش فاهمين بس حاسين إن حاجة كبيرة بتنهار.
محمود بص في الصورة تاني وبلع ريقه بصعوبة ده كان طفل في دار أيتام كنت بروح أساعد فيها زمان.
الراجل اللي على الباب قاطعه بسرعة دار أيتام؟ ولا دار كنت بتاخد منها حاجات وتسيب وراك ناس مش فاهمة مصيرها؟
محمود وقف فجأة إنت بتقول إيه؟!
الراجل رفع عينه له الطفل ده كان اسمه سليم واتسجل وقتها إنه اتكفل بيك لفترة قصيرة وبعدها اختفى من غير ورق واضح.
وفاء حسّت ببرودة في قلبها يعني إيه اختفى؟
محمود بص لها بارتباك أنا ما خدتش طفل ولا سلمت طفل أنا كنت بساعد بس كان شغل تطوعي!
الراجل ابتسم بسخرية ومين قال إن كل حاجة كانت بتتسجل صح؟
في أوراق اتلغبطت وتوقيعات اتشالت وأنت كنت في النص.
الجو اتقفل.
مازن بص لأبوه لأول مرة بخوف يعني في طفل ضاع
 

تم نسخ الرابط