طلبت من أختي أقعد عندها 3 أيام بس… لأني كنت داخلة عملية استئصال ورم في المخ.
المحتويات
بسيطة.
وأول مرة من سنين، لبست حاجة لنفسها مش لحد تاني.
وفي المستشفى
قبل العملية بيوم.
الدكتور كان بيشرح
الورم حميد، بس مكانه حساس. في احتمال فقدان مؤقت للذاكرة أو التركيز.
ابتسمت جنى ابتسامة صغيرة
غريب يعني ممكن أنسى كل ده؟
الدكتور هز رأسه
ممكن.
وقتها
في دماغها سؤال واحد
لو نسيت هافتكر مين؟
ميرنا؟
ولا النسخة اللي كانت بتدفع تمن كل حاجة لوحدها؟
بره غرفة العمليات بساعات
ميرنا وصلت المستشفى جري.
وشها منهار.
أنا لازم أشوفها!
الممرضة وقفتها
ممنوع الزيارة قبل العملية.
دي أختي!
ردّت الممرضة بهدوء
وهي كمان داخلة عملية خطيرة لازم راحة.
ميرنا وقفت قدام الباب الزجاجي.
وبصت لجنى من بعيد.
جنى كانت نايمة على السرير.
هادية جدًا.
كأنها لأول مرة مش مستنية حاجة من حد.
ميرنا همست
أنا آسفة متسبينيش وأنا لسه ما اعتذرتش صح.
وفي اللحظة دي
جنى فتحت عينها فجأة.
وبصّت ناحية الباب.
كأنها حست بيها.
لكن قبل ما أي حاجة تحصل
الدكتور دخل.
وقال
يلا يا دكتورة جنى هنبدأ.
والباب اتقفل تاني.
بس المرة دي
مش باب شقة.
ده كان باب بين حياة قديمة وحياة ممكن تبدأ من جديد الدكتور قفل الباب، والصوت وهو بيتقفل كان أخف من المرة اللي فاتت لكنه كان أثقل.
ميرنا وقفت قدامه كأنها عايزة تخترقه بعنيها.
كل دقيقة بتمر كانت بتسحب منها حاجة.
وفي الداخل
جنى كانت مستلقية تحت إضاءة العمليات.
قبل ما
والغريب
إنها لأول مرة من شهور ما كانتش بتفكر في ميرنا.
ولا في الفلوس.
ولا في الشقة.
كانت بتفكر في جملة واحدة بس
أنا تعبت.
الدكتور قال بهدوء
عدّي من 10 لواحد معايا
لكن صوت الأجهزة بدأ يختلط بالصوت.
وكل رقم بينزل كان بيشيل جزء من وعيها.
10
صورت ميرنا وهي بتضحك بسخرية.
9
إحساسها وهي بتحوّل الفلوس كل شهر.
8
ليلها وهي بتعيط لوحدها من غير ما حد يسمع.
7
إنتِ عبء.
الكلمة دي ظهرت فجأة كأنها محفورة في دماغها.
6
وش أمها وهي ساكتة ومش بتدافع عنها.
5
أبوها وهو بيقول استحملي هي أختك الكبيرة.
4
صوت قلبها.
3
صوت الورق وهو بيتقطع في خيالها.
2
صمت كامل.
1
اختفت.
بره غرفة العمليات
ميرنا كانت قاعدة على الأرض قدام الباب.
مفيش كبرياء.
مفيش صوت عالي.
بس دموع نازلة لأول مرة بجد مش تمثيل.
أم جنى وصلت فجأة.
فيها إيه؟ حصل إيه؟
ميرنا رفعت عينيها ليها وقالت بصوت مكسور
أنا كسرتها وأنا اللي محتاجاها دلوقتي.
الأم سكتت.
وبعدين همست
اللي زي جنى ما بتتكسرش بسهولة بس لو اتكسرت بتسكت للأبد.
داخل غرفة العمليات
مرت ساعة
ساعتين
ثلاثة.
الدكتور خرج أخيرًا.
وشه مش مفهوم.
ميرنا قامت بسرعة
هي كويسة؟
سكت لحظة.
وبعدين قال
العملية نجحت الحمد لله.
نَفَس خرج من صدرها كأنه عمر كامل.
لكن قبل ما تفرح
كمل
بس
الكلمة دي وقفت الزمن.
في فقدان مؤقت في الذاكرة القصيرة.
ميرنا همست
يعني مش هتفتكرني؟
الدكتور رد
ممكن تفتكر وممكن لا في الأول.
بعد ساعات.
جنى فتحت عينها في أوضة إفاقة.
النور أبيض.
الصوت بعيد.
وشها هادي غريب.
دخلت ممرضة
حمد لله على السلامة.
جنى بصّت حواليها.
أنا فين؟
سكتت لحظة.
أنا مين؟
في نفس اللحظة
الباب اتفتح ببطء.
وميرنا دخلت.
وقفت مكانها.
لأن جنى بصّت لها
بعيون فاضية.
مش فيها غضب.
ولا حب.
ولا وجع.
بس سؤال واحد
إنتي مين؟ميرنا اتجمدت.
الكلمة ماكنتش مجرد سؤال كانت حكم بارد نزل على قلبها مرة واحدة.
إنتي مين؟
جنى قالتها تاني، أهدى، كأنها بتحاول تمسك معنى مفيش في إيدها.
الممرضة وقفت بسرعة تبص للدكتور، لكن الدكتور أشار لها بالهدوء.
ميرنا قربت خطوة واحدة، ورجليها كانت تقيلة كأن الأرض مش شايلاها.
أنا أنا ميرنا.
سكتت لحظة، وبعدين كملت بصوت مكسور
أختك.
جنى بصّت لها نظرة طويلة بس مفيهاش أي تعرف.
كأن الاسم نفسه ماعملش أي صدى.
أختي؟
إيدها راحت تلقائيًا لمخها، مكان الجراحة.
أنا معرفش حد هنا
الدكتور دخل بهدوء، قعد جنب السرير.
جنى، إنتِ كنتِ في عملية كبيرة. طبيعي يحصل لخبطة في الذاكرة شوية.
هزت راسها ببطء.
أنا كنت بعمل إيه قبل كده؟
سؤال بسيط لكنه خلى ميرنا تبلع ريقها بالعافية.
لأن الإجابة كانت تقيلة.
كنتِ بتدفعي كل حاجة وبتتكسري كل يوم من غير ما حد يسأل.
لكن
سكتوا كلهم.
ميرنا بصّت لجنى، وعيونها مليانة كلام مش عارفه تطلعه.
إنتِ كنتِ تعبانة وأنا كنت قاسية.
جنى رفعت حواجبها شوية، كأن الكلمة غريبة عليها.
أنا مش فاكرة.
الجملة دي كانت أبرد من أي قسوة.
بعد ساعات.
نقلوها غرفة عادية.
ميرنا كانت قاعدة برا، مش قادرة تمشي.
كل شوية تقوم، تقرب من الباب، وترجع تاني.
كأنها خايفة تدخل تشوف نفسها بس بشكل حد تاني نسيها.
أمهم جت وقعدت جنبها.
إنتي ناوية تعملي إيه؟
ميرنا ردت بصوت مبحوح
هخليها تفتكرني حتى لو الدنيا كلها قالت إنها مش محتاجة.
جوا الغرفة
جنى فتحت عينيها.
بصّت حواليها.
ولقت نفسها ماسكة ورقة صغيرة جنب السرير.
مكتوب فيها بخط مش واضح
ميرنا أختك.
سكتت.
قلبت الورقة في إيدها.
وبصّت للباب.
وبصوت منخفض جدًا قالت
مش حاسة إنها أختي
وفي اللحظة دي
الباب اتفتح ببطء.
وميرنا دخلت تاني.
بس المرة دي
مش كانت داخلة بثقة.
كانت داخلة كأنها راجعة تعتذر لحياة كاملة اتكسرت ومش فاكرة مين كسرها ميرنا وقفت عند الباب المرة دي من غير ما تندفع ولا تشرح.
كأنها فهمت إن أي كلام زيادة ممكن يضيع الباقي.
جنى بصّت لها.
نفس النظرة نفس الفراغ.
إنتِ رجعتي تاني ليه؟
السؤال كان بسيط، لكنه شدّ قلب ميرنا من مكانه.
ميرنا قربت خطوة وبعدين وقفت.
عشان أنا السبب في إنك هنا.
جنى سكتت.
مش لأنها فهمت لكن لأن الجملة نفسها كانت تقيلة بشكل
إنتِ كنتِ بتعملي ليه فيّ كده؟ قالت جنى بهدوء.
ميرنا بلعت ريقها.
كل حاجة جواها كانت عايزة تدافع تبرر تتهرب.
بس ماطلعش غير الحقيقة
كنت أنانية وكنت فاكرة إنك هتفضلي موجودة مهما عملت.
جنى بصّت لها ثواني
متابعة القراءة