مراتي كل ما ترضع ابني تشهق شهقة عالية وتغيب عن الوعي بالساعات..

لمحة نيوز

بين الحقيقة والخيال.
يوسف!
الصوت كان جاي من آخر الممر تحت الأرض من مكان أعمق جوه العمارة.
الكشاف بدأ يضعف، ونوره يترعش في الضلمة، لكني كملت.
كل خطوة كنت باخدها كان الهواء يبقى أبرد.
لحد ما وصلت لباب حديد قديم نصه مكسور.
أول ما قربت
سمعت يوسف يضحك من الناحية التانية.
دفعت الباب بعنف.
واتصدمت.
الأوضة كانت واسعة بشكل غريب، وفي نصها كرسي هزاز بيتحرك لوحده ببطء.
وعلى الحيطة
معلّقة عشرات الصور القديمة لأطفال.
بعض الصور باهتة جدًا، وبعضها ممزق، لكن كل الأطفال في الصور كانوا باصين مباشرة للكاميرا بنفس النظرة الحزينة.
وقتها لمحت صورة خلت الدم يتجمد في عروقي.
يوسف.
صورة يوسف كانت وسطهم.
لكن الصورة دي مستحيل تكون طبيعية
لأنها كانت متصورة من أيام طويلة جدًا، قبل ما يوسف أصلًا يتولد.
تراجعت خطوة وأنا مش قادر أتنفس.
وفجأة الكرسي الهزاز وقف.
والصمت ملّى المكان.
وبعدين
سمعت صوت الست العجوز للمرة الأولى بوضوح
البيت ده بياخد اللي يشبهه.
لفّيت بسرعة.
كانت واقفة عند الباب، نفس اللبس الأسود، ونفس النظرة
الغامضة.
قلت بعصبية
إنتِ مين؟ وعايزين من ابني إيه؟!
تنهدت بهدوء وقالت
ولا حاجة هو بس فتح الباب.
قلبي دق بعنف
باب إيه؟
الست رفعت إيدها ناحية الصور وقالت
في أرواح بتفضل معلقة بين مكانين ولما تلاقي حد حاسس بالوحدة زيها، بتقرب منه.
سكتت شوية، وبعدين بصتلي مباشرة
وابنك كان سامعهم.
في اللحظة دي
سمعت صوت خطوات طفل صغير بيجري حوالينا.
مرة من اليمين.
ومرة من الشمال.
ثم ضحكة خفيفة خرجت من آخر الأوضة.
بصيت هناك
وشفت نفس الطفل الصغير واقف في الضلمة.
لكن المرة دي ماكانش لوحده.
كان وراه أطفال تانيين
واقفِين بهدوء، يراقبونا بدون كلام.
المنظر كان كفيل يخلّي قلبي يقف.
لكن الطفل قرب خطوة وقال بهدوء
إحنا مش عايزين نأذي يوسف.
بلعت ريقي بصعوبة
أمال عايزين إيه؟
رد وهو ينظر للصور
بس حد يفتكرنا.
سكت المكان تمامًا.
حتى الهوا وقف.
والست العجوز قالت بصوت هادي
النسيان أوقات بيكون أقسى من الخوف.
في اللحظة دي حسيت بحاجة غريبة
الخوف اللي جوايا بدأ يتحول لحزن.
بصيت للأطفال الواقفين في الضلمة، وحسيت إنهم مش مرعبين
قد
ما كانوا تايهين.
وفجأة
الكشاف فصل نهائي.
وغرق المكان كله في ظلام كامل.
ثم صوت يوسف طلع قريب جدًا من ودني
بابا هما راجعين معانا البيت.
زهرة_الربيع
مش كل شيء غامض بيكون شر أحيانًا بيكون مجرد أثر لحكاية قديمة محدش سمعها للنهاية سكت المكان للحظة طويلة كأن حتى الضلمة نفسها بتسمع.
وبعدين سمعت صوتي وأنا بنادي
يوسف!
مديت إيدي في الهوا، ولقيت إيده ماسكة في إيدي كأنه واقف جنبي فعلًا.
لكن لما نورت الكشاف من جديد
مفيش حد.
الست العجوز كانت واقفة مكانها، بس ملامحها اهدى من الأول.
وقالت بهدوء
خلاص الباب اتقفل.
بلعت ريقي
يعني إيه اتقفل؟ يوسف فين؟
بصتلي وقالت
كان معاه طول الوقت بس مش زي ما كنت فاهم.
سكتت لحظة، وبعدين كملت
اللي دخل معاكوا هنا مش ابنك بس ده جزء من حاجة كانت عايزة تخرج.
قلبي اتقبض
حاجة إيه؟
ردت
الذكريات الأرواح اللي كانت محبوسة هنا من سنين.
وفي نفس اللحظة
سمعت ضحكة أطفال خفيفة حواليا، بس المرة دي كانت أهدى أبعد.
الطفل اللي شوفته قبل كده ظهر على آخر السلم، وبصلي مرة أخيرة.
وقال
شكرًا إنك
سمعتنا.
وبعدين بدأ يختفي تدريجيًا زي دخان بيتسحب في الهوا.
الست العجوز قالت بصوت واطي
لما حد يفتكرهم بصدق بيتحرروا.
رجعت البيت مش عارف أنا عايش ولا بحلم.
دخلت أوضة يوسف بسرعة.
كان نايم في سريره طبيعي.
نفسه هادي.
وشه مطمّن لأول مرة من زمان.
رنا كانت قاعدة جنبه، بتبصله ودموعها في عينيها لكن المرة دي مش خوف، ده كان ارتياح.
بصتلي وقالت بصوت واطي
حسيت إنه نام بعمق لأول مرة.
قعدت جنبهم، ومش عارف أقول إيه.
بس فجأة يوسف فتح عينه وبصلي.
وبابتسامة صغيرة قال
بابا أنا كنت بحلم بعيال كتير بس دلوقتي هما مش زعلانين.
سكت لحظة، وبعدين رجع نام تاني.
عدت أيام
والبيت رجع هادي بشكل غريب.
لا خطوات.
لا أصوات.
لا حاجة بتتحرك لوحدها.
لكن كل فترة
يوسف كان بيقعد يبص لركن معين في الأوضة ويبتسم.
كأنه بيشوف أصحاب قدام عينه.
وفي ليلة هادية
لقيت لعبة الدب القديمة اختفت من سريره.
من غير أي تفسير.
ومن ساعتها
ماشفناش العمارة المهجورة تاني بنفس الشكل في أحلامنا.
بس أوقات، لما ييجي الليل ويدخل نور القمر الأوضة
بحس إن فيه
ضحكة أطفال خفيفة بعيدة جدًا.
مش مرعبة
لكنها بتطمن.
كأنهم أخيرًا لقوا مكانهم.
النهاية
بعض الحكايات مش بتخلص بخوف لكنها بتخلص بفهم.

تم نسخ الرابط