يا ماما.. ينفع مآخدش الحباية اللي تيتا بتدهالي عشان أسمع الكلام؟

لمحة نيوز

ما فكرنا فيه.
نقلنا.
غيّرنا رقمنا.
وقطعنا كل حاجة كانت بتربطنا بالماضي.
لكن أكتر حاجة غيّرتني
مش إننا مشينا.
إن فريدة أول مرة في حياتها نامت وهي مبتسمة.
ومن غير ما تسأل السؤال اللي كان بيقتلني كل يوم
هو أنا وحشة؟
وفي آخر ليلة في الشقة القديمة
وقفت عند الباب.
وبصيت للمكان اللي كان شاهد على الخوف.
وقلت بصوت واطي
خلاص.
مش بس خرجنا من البيت
إحنا خرجنا من حاجة كانت هتدفن بنتي وأنا عايشة كنت فاكرة إن زيارة المستشفى الأخيرة هتقفل الصفحة لكن الحياة عندها طريقة غريبة إنها ترجع تفتح اللي اتقفل بالعافية.
بعد أسبوع من زيارة إلهام، مصطفى جه من الشغل ساكت بشكل مريب.
رمي مفتاحه على الترابيزة وقال
في حاجة لازم تعرفيها.
قلبي اتقبض.
إيه؟
قعد وقال
أمي كانت مش بتتعالج بس كانت بتكتب حاجات.
طلع ظرف سميك من شنطة الشغل.
مكتوب عليه بخطها
لو حصل وقرأتوا ده يبقى أنا خلاص مش قادرة أكمل الدور.
إيدي اتجمدت وأنا بفتحه.
كان فيه أوراق كتير لكن أول ورقة شدّتني كانت تقرير طبي قديم جدًا.
تشخيص
اضطراب شخصية ناتج عن صدمة فقد مبكر.
مصطفى قال بصوت منخفض
أبوها مات وهي عندها ١٠ سنين واتربت في دار رعاية زي فريدة.
سكت.
الكلمة وقعت عليا تقيلة.
زي فريدة.
كمّلت أقرا.
كانت بتخاف من إنها تتساب فقررت تمسك في أي حد قبل ما يسيبها.
وفي آخر الورق تسجيلات مكتوبة بخط يدها.
جمل صغيرة مرعبة في بساطتها
أنا
بخاف أبقى وحيدة.
أنا مش عايزة أتبهدل زي ما اتبهدلت وأنا صغيرة.
لو سيبت السيطرة هتتساب تاني.
قفلت الورق وأنا مش قادرة أتنفس.
مش عشان ببرر اللي عملته.
لكن عشان فجأة الشر مابقاش شر صافي.
بقى خوف متراكم.
مصطفى قال
أنا عمري ما عرفت ده عنها.
وبعدين بصلي
بس ده مش معناه إنها كانت صح.
هزيت راسي.
عارفه.
سكتنا.
وفي اليوم اللي بعده، مصطفى طلب يقابل أمه في دار الرعاية.
روحت معاه.
فريدة كانت ماسكة إيدي وهي ماشية وراينا بصمت.
لما دخلنا، إلهام كانت قاعدة على كرسي جنب الشباك.
أضعف بكتير.
وأهدى بكتير.
أول ما شافتنا ابتسمت ابتسامة صغيرة.
لكن أول ما شافت فريدة دمعت عينيها.
قالت
جيتي تاني؟
فريدة وقفت بعيد شوية.
مصطفى قال بهدوء
إحنا جايين نسمعك مش نحكم عليك.
إلهام بصت له كأنها مستغربة الكلمة.
تسمعوني؟
قرب منها وقال
عايزين نفهم مش نكره وخلاص.
وساعتها حصل أول انهيار حقيقي في حياتها.
مش صراخ.
ولا دفاع.
بكاء طويل مكبوت متأخر.
وقالت
أنا كنت أم وحشة بس ماكنتش عارفة أبقى غير كده.
فريدة بصتلي.
وبعدين قالت بصوت صغير
ماما هي بتعيط ليه؟
قعدت جنبها على الأرض وقلت
لأنها أخدت وقت طويل قوي عشان تفهم الغلط.
سكتت فريدة شوية.
وبعدين قربت خطوة واحدة صغيرة جدًا.
وقالت
بس أنا مش عايزة أخاف تاني.
إلهام مسحت دموعها وقالت
مش هتخافي.
مصطفى بصلي.
وفي عينه سؤال صعب.
نغفر؟
ولا نحط حد؟
وفي اللحظة
دي فهمت إن القصة دي مش عن مين صح ومين غلط.
هي عن
مين يقدر يوقف دايرة الخوف قبل ما تورّث لحد جديد.
ومصطفى قال بهدوء
إحنا هنكمل بس بشروطنا.
ومرة تانية
البيت ما اتصلحش فجأة.
بس لأول مرة ما بقاش ساحة حرب.
بقى مكان بيحاول يتعلم يعني إيه أمان مرت شهور تانية وافتكرت إننا أخيرًا بقينا على أرض ثابتة.
فريدة رجعت تضحك تاني، ترسم، وتغني وهي في الحمام زي الأول.
ومصطفى بقى أهدى كأنه لأول مرة في حياته بيعيش من غير صوت أمه في الخلفية.
وإلهام
كانت لسه موجودة.
بس بشكل مختلف.
مش مسيطرة.
مش مخيفة.
مجرد ست بتحاول تتعلم تسكت بدل ما تتحكم.
في يوم، وهي قاعدة مع فريدة، قالتلها فجأة
تعرفي يا فريدة أنا زمان كنت بحب أعمل الكيك.
فريدة بصتلها بفضول
بجد؟
ابتسمت
بس كنت دايمًا بحرقه.
ضحكنا كلنا لأول مرة بصدق.
لكن في نفس اليوم بالليل
مصطفى دخل الشقة وشكله مش طبيعي.
قعد وقال
في حاجة حصلت في الشغل.
قلبي اتقبض.
إيه؟
قال
في حد بعت بلاغ عننا عن شغل قديم في الشركة.
سكت لحظة.
وبعدين قال الجملة اللي رجّعت التوتر كله
البلاغ جاي باسم أمي.
بصيت له
إزاي؟
فتح موبايله.
وكان فيه إيميل قديم متبعت من حساب باسمها.
بيحتوي على مستندات مالية.
وأسماء.
واتفاقات قديمة جدًا.
مصطفى قال بصوت مكسور
دي ملفات ممكن تهد الشركة كلها.
سكتنا كلنا.
وبصينا لإلهام اللي كانت قاعدة في الصالة.
لأول مرة، وشها ما كانش
فيه إنكار.
كان فيه خوف حقيقي.
قالت بصوت واطي
أنا ماعملتش كده دلوقتي دي حاجات من زمان.
سألها مصطفى
ليه كانت عندك؟
سكتت.
وبعدين قالت
عشان كنت بحميك حتى لو بطريقة غلط.
الجو اتجمد.
وبصيت لفريدة اللي مسكت إيدي جامد.
وفهمت إن الحلقة لسه ما قفلتش بالكامل.
في اليوم اللي بعده، الشركة طلبت تحقيق رسمي.
ومصطفى كان ممكن يخسر كل حاجة.
وفي اللحظة دي، حصل اللي محدش كان متوقعه.
إلهام راحت بنفسها للشركة.
ووقفت قدام اللجنة.
وقالت جملة واحدة
كل اللي في الملفات دي أنا مسؤولة عنه لوحدي.
مصطفى حاول يقاطعها
إنتي بتعملي إيه؟
لكنها كملت
أنا عشت عمري كله بخاف أفقد ابني دلوقتي لو خسرت نفسي عشانه يبقى ده أقل تمن.
كانت أول مرة أشوفها بتختار تحميه مش تملكه.
بعد التحقيق، الشركة قررت إنها تتبرئ من أي تورط مباشر، بس إلهام اتحملت جزء كبير من المسؤولية.
واتمنعت من أي دور في حياتنا المهنية.
رجعت البيت يومها مختلفة.
أهدى.
وأكسر.
قعدت على الكنبة وقالت
أنا كده بقيت تقيلة عليكم تاني.
مصطفى قعد جنبها.
وقال
لأ بس المرة دي هنشيلك من غير ما تكسّرينا.
سكتت.
وفريدة جريت عليها وحضنتها فجأة.
وقالتلها
متزعليش أنا لسه بحبك.
وفي اللحظة دي لأول مرة، إلهام ما ردّتش بتحكم.
ردّت بس بحضن.
مش مثالي.
لكن حقيقي.
وبعدها بليلة، وأنا واقفة في البلكونة، مصطفى قاللي
فاكرة لما كنا فاكرين المشكلة كانت بس في
الدوا؟
هزيت راسي.
قال
طلع الموضوع كله كان
خوف.
بصيت له.
وقلت
واللي اتعلمناه؟
قال
إن الخوف لو ما اتفهمش بيكسر كل اللي حواليه.
وسكتنا.
بس المرة دي الصمت ماكانش حرب.
كان بداية هدوء أخيرًا.

تم نسخ الرابط