في الليلة التي ماتت فيها أمي ‼ وجدتُ دفتر توفير مخبأً تحت فرشتها: كان فيه 19 مليونًا و800 ألف دينار
لا يصنع أبًا!
بكى.
رجل في الستين يبكي كطفل مكسور.
وقال
أعلم لذلك لم أطلب منكِ أن تسامحيني.
ثم أشار إلى درج صغير بجواره.
فتحته.
وفي الداخل كان هناك ملف باسمي.
شهادات.
عقود.
وحساب مصرفي جديد.
رصيده
مليار ومئتا مليون دينار عراقي.
كدتُ أسقط من الصدمة.
قال بصوت مرهق
هذا حقكِ وليس هدية.
ثم مد يده المرتجفة نحوي لأول مرة.
وقال
لكن إن كان عندكِ ذرة رحمة ناديني أبي مرة واحدة قبل أن أموت نظرتُ إلى يده الممدودة طويلًا
ولم أستطع أن ألمسها.
كل شيء داخلي كان متشابكًا بشكل مؤلم.
الغضب.
الشفقة.
الحنين لرجل لم أعرفه أصلًا.
قلتُ بصوت مكسور
أبي الحقيقي هو الرجل الذي جلس مع أمي في المستشفى لما كنتُ مريضة، وباع خاتم زواجه حتى يشتري لي الدواء.
انخفضت عينا مازن فورًا.
لكنه لم يعترض.
همس فقط
أعرف.
ثم سعل بقوة حتى خرج الدم على المنديل.
ارتبكت رغمًا عني.
اقتربتُ بسرعة وساعدته يشرب الماء.
وفي تلك اللحظة تحديدًا دخلت امرأة أنيقة إلى الشقة دون استئذان.
توقفت عندما رأتني.
ثم قالت ببرود
إذًا هذه هي؟
التفتّ إلى مازن.
وجهه شحب فجأة.
قال بصوت متعب
ليلى ليس الآن.
لكن المرأة تجاهلته تمامًا، وظلت تنظر إليّ باحتقار واضح.
كانت زوجته.
المرأة التي صفعت أمي قبل عشرين سنة.
عرفتها فورًا من الوصف.
اقتربت مني وقالت
اسمعيني جيدًا لا تنخدعي بالتمثيلية. هو يحتضر، وأولادي لن يسمحوا لكِ بأخذ شيء من العائلة.
شعرتُ بالنار تشتعل داخلي.
لكن قبل أن أتكلم، ضرب مازن الطاولة بعنف لأول مرة.
صرخ فيها
اخرجي!
تجمدت المرأة من الصدمة.
وأنا أيضًا.
قال لها بصوت مرتعش لكنه حازم
أنتِ أخذتِ مني عمري كله لن تأخذي ما تبقى.
ضحكت بسخرية.
وماذا تبقى أصلًا؟ بنت الخياطة؟
هنا فقدتُ أعصابي.
اقتربت
وقلت
أمي كانت أشرف منكم جميعًا.
رفعت يدها كأنها ستصفعني
لكن صوتًا آخر أوقفها.
لا تلمسي أختي.
التفتُّ بسرعة.
شاب طويل يقف عند الباب.
في أواخر العشرينات.
يشبه مازن أيضًا.
لكنه كان ينظر إليّ بحزن، لا بكراهية.
قال بهدوء
أنا سيف. ابن مازن.
أخوكي.
شعرتُ أن الدنيا تدور من جديد.
أما ليلى، فصرخت فيه بغضب
أنت مجنون؟!
لكنه تجاهلها تمامًا.
ثم نظر إليّ وقال
أنا عرفت بوجودكِ من خمس سنوات وأقسم بالله حاولت أقنعه يروحلك بنفسه، لكنه كان جبان فعلًا.
حتى وهو يبتسم، كان واضحًا أنه موجوع.
أضاف
بس أمكِ كانت عظيمة. لأنها رغم كل اللي حصل، عمرها ما طلبت منه دينار زيادة واحد.
ساد الصمت للحظات.
ثم أمسك سيف ملفًا آخر ووضعه أمامي.
قبل أسبوع أبويا غيّر وصيته.
فتحت الملف بيد مرتعشة.
وكانت الصدمة الأخيرة
نصف ثروة مازن السامرائي بالكامل كُتبت باسمي شعرتُ أن أنفاسي توقفت.
نصف ثروة؟!
أنا بنت الخياطة التي كانت تحسب ثمن الخبز قبل أن تشتريه؟
ليلى خطفت الملف من يدي بعنف، وبدأت تقلب الصفحات وهي تصرخ
مستحيل! هذا تزوير!
لكن سيف قال بهدوء قاتل
الوصية موثقة من المحكمة وكل شيء قانوني.
ثم نظر إلى مازن بحزن.
كان لازم تعمل الصح من زمان.
ليلى بدأت تبكي بانهيار حقيقي، ليس حزنًا بل خوفًا.
كانت تدرك أن الإمبراطورية التي عاشت عمرها تحرسها، انقسمت فجأة.
أما أنا فلم أشعر بالفرح.
كنت أنظر إلى الرجل المريض أمامي، وأفكر فقط
كم سنة ضاعت؟
كم عيد ميلاد مرّ وهو يراقبني من بعيد؟
كم مرة تمنّى أن يناديني بنتي ولم يجرؤ؟
اقترب مازن مني بصعوبة.
ثم مد يده المرتعشة وأخرج من جيبه سلسلة صغيرة.
فيها نصف قلب فضي قديم.
وقال
النصف الثاني مع أمكِ أعطيته لها يوم عرفنا
تذكرت فورًا.
أمي كانت ترتدي نصف قلب قديم دائمًا تحت ملابسها، ولم تخلعه حتى يوم وفاتها.
يدي ارتجفت وأنا أمسك السلسلة.
لأول مرة شعرت أن أمي أحبته فعلًا.
رغم كل شيء.
وفجأة
صدر صوت جهاز المراقبة بجانب مازن بشكل مرعب.
الخط بدأ يهبط بسرعة.
سيف صرخ
بابا!
الأطباء والممرضون دخلوا بسرعة.
والكل أبعدني للخلف.
لكن مازن ظل يبحث بعينيه عني وسط الزحمة.
كان يريد سماعها.
كلمة واحدة فقط.
أبي.
وقفتُ مكاني أبكي.
جاسم
الرجل الذي رباني
كان أبي.
ولا أحد سيأخذ مكانه.
لكن هذا الرجل أيضًا
كان يحمل نصف ملامحي، ونصف وجعي.
وكان يموت أمامي.
اقتربت منه أخيرًا.
أمسكت يده الباردة.
وهمست بصوت مكسور
سامحتك يا أبي.
ابتسم.
ابتسامة صغيرة جدًا.
ثم أغمض عينيه بسلام.
وصدر صوت الجهاز الطويل بعدها بثانية واحدة.
انتهى كل شيء.
بعد الجنازة، رفضتُ أخذ القصور والسيارات.
لكنني أخذت شيئًا واحدًا فقط
بيتًا صغيرًا على نهر دجلة كان قد اشتراه سرًا باسم أمي قبل سنوات.
وفي أول ليلة هناك، فتحت خزانة قديمة داخل غرفة النوم.
فوجدت رسالة بخط أمي.
إذا كنتِ تقرئين هذا الآن فمعناه أن الحقيقة ظهرت أخيرًا.
لا تكرهيه كثيرًا يا ابنتي لقد كان ضعيفًا، لكنه أحبكِ بطريقته العاجزة.
أما جاسم فهو الرجل الوحيد الذي أحبنا دون خوف.
لا تنسيه أبدًا.
بكيت حتى الفجر.
وفي الصباح
ذهبت مباشرة إلى بيت جاسم.
وجدته جالسًا وحده يشرب الشاي بصمت.
جلست عند قدميه مثل طفلة.
ثم وضعت رأسي على ركبته وقلت
الناس كلها ممكن تختلف مين أنجبني
لكن أنت الوحيد اللي كنت فعلًا أبويا جاسم لم يرد فورًا.
ظل يمرر يده على شعري بصمت بنفس الطريقة التي كان يفعلها وأنا صغيرة عندما أخاف من صوت الرعد.
ثم قال بصوت مخنوق
كنتُ خايف
رفعت رأسي إليه باستغراب.
ابتسم بحزن
خايف لما تعرفي الحقيقة تبصيلي كأني رجل غريب.
أمسكت يده بسرعة.
عمري ما هبصلك كده.
ولأول مرة منذ وفاة أمي رأيته يبكي.
ليس بكاء رجل ضعيف.
بل بكاء إنسان حمل سرًا أثقل من عمره كله.
مرت الشهور ببطء.
بدأت أرتب أمور الميراث، وكنت كلما دخلت شركة من شركات مازن أشعر أنني دخيلة على عالم لا يشبهني.
الموظفون ينادونني الآنسة مريم السامرائي.
والاسم كان يوجعني كل مرة.
أما سيف فصار أقرب شخص لي وسط كل الفوضى.
كان مختلفًا عن أمه تمامًا.
هادئًا، محترمًا، ويحمل داخله ذنبًا لم يرتكبه.
وفي يوم قال لي
تعرفين ما أكثر شيء كان يخيف أبي؟
سألته
ماذا؟
ابتسم بمرارة
أن تنظري إليه بنفس نظرة الكره التي كانت أمي تنظرها له كل يوم.
ثم سلمني ظرفًا صغيرًا.
هذا تركه لكِ قبل موته وقال لا أعطيه لكِ إلا عندما تبتسمين من قلبك مرة أخرى.
فتحت الظرف بفضول.
وفي الداخل كانت صورة قديمة جدًا.
أنا.
عمري ربما ثلاث سنوات.
أجلس فوق كتفي جاسم وأضحك.
ومن بعيد، خلف سور الحديقة
كان مازن يقف وحده يراقبنا.
على ظهر الصورة كتب بخطه
أجمل لحظة في حياتي رغم أنني لم أكن جزءًا منها.
انهرت بالبكاء.
لأنني فهمت أخيرًا الحقيقة القاسية
بعض الناس لا يخسرون الحب لأنهم سيئون
بل لأنهم خافوا أكثر مما يجب.
وبعد سنة كاملة، اتخذت أول قرار حقيقي في حياتي.
بعت نصف الأسهم التي ورثتها.
وافتتحت باسم أمي مركزًا مجانيًا لعلاج النساء العاملات في المصانع.
وفي يوم الافتتاح، علقت صورتين عند المدخل.
صورة أمي.
وصورة جاسم.
أما صورة مازن
فوضعتها داخل مكتبي وحدي.
ليس لأنه لا يستحق أن يراه الناس.
بل لأن علاقتي به كانت دائمًا شيئًا خاصًا مؤلمًا ومتأخرًا أكثر مما ينبغي.
وفي
وأخرجت نصف القلب الذي كان معه.
وضممته إلى نصف القلب الذي وجدته بين أشياء أمي.
القطعتان تطابقتا تمامًا.
مثل حكاية ناقصة
احتاجت عشرين سنة كاملة حتى تكتمل أخيرًا.