في الليلة التي ماتت فيها أمي ‼ وجدتُ دفتر توفير مخبأً تحت فرشتها: كان فيه 19 مليونًا و800 ألف دينار
المحتويات
الشركة.
متزوج.
ثري.
متعلم.
من ذلك النوع من الرجال الذين يبتسمون بهدوء ويدمرون حياة الناس دون أن يتغير شكل شعرهم.
أمي كانت أجمل فتاة في الوردية.
حملت مني.
ووعدها أن يخرجها من هناك، ويمنحها بيتًا واسماً ومستقبلًا.
لكن زوجته اكتشفت الأمر أولًا.
اسمها رباب الكيلاني.
بحسب كلام جاسم، جاءت تلك المرأة إلى المعمل مع عدة أشخاص، أمسكت أمي من شعرها أمام الجميع، وسحبتها على الأرض، ثم اشتكت عليها عند الإدارة وقالت إنها امرأة تلاحق الرجال المتزوجين.
وفي اليوم التالي طُردت أمي.
حامل.
بلا عمل.
والحي كله يهمس خلف ظهرها.
وهو؟ سألته ماذا فعل مازن السامرائي؟
ضحك جاسم ضحكة مُرة.
ركع أمام زوجته، وأقسم أنه لن يرى أمك مرة أخرى أبدًا.
أمامها.
وأمام البطن الذي كنتِ فيه.
لم أعرف ما الذي آلمني أكثر.
إهانة أمي
أم أن الرجل الذي أنجبني لم يملك الشجاعة لينظر إليها مرة أخرى.
إذن أنت كنت تعرف كل شيء.
نعم.
وكنت تعرف أمر المال أيضًا؟
منذ يوم ولادتكِ.
شرح لي أن مازن ظل يرسل تلك التحويلات طوال السنوات الماضية.
وأن أمي نادرًا ما كانت تلمس المال لنفسها.
كانت تستخدمه عندما أمرض، أو عند التسجيل في المدرسة، أو لشراء الزي والدواء.
أما الباقي فكانت تدخره.
تدخره كأنها تنتظر شيئًا.
ثم بدأت أحسب.
400 ألف دينار عراقي بالشهر.
12 شهرًا.
18 سنة.
أكثر من 86 مليون دينار عراقي.
لكن الموجود في الدفتر لم يكن سوى 19 مليونًا و ألف دينار عراقي.
أكثر من 60 مليونًا مفقودة.
رفعت رأسي نحوه.
أين الباقي؟
لم يجب.
عاد إلى الخزانة مرة أخرى.
وأخرج ظرفًا بنيًا بخط أمي المرتجف، ووضعه أمامي.
كان مكتوبًا عليه
إلى سارة. افتحيه وحدكِ.
في الداخل كانت هناك بطاقة تعريف.
الأستاذ رائد الوائلي شريك أول.
وخلف البطاقة، بخط يد أمي، ملاحظة واحدة
سارة ابحثي عنه. هو سيخبركِ الحقيقة كاملة. في هذه الحياة خذلتكِ كثيرًا، لكن كل ما فعلته كان من أجلكِ.
لم أنم
دخلت الغرفة التي عاشت فيها أمي ثمانية عشر عامًا، وبدأت أفتش كل شيء.
معاطفها المخيطة أكثر من مرة.
أحذيتها البالية.
الأدراج شبه الفارغة.
وفي الأسفل وجدت شيئًا جعلني أسوأ من دفتر التوفير نفسه
قصاصات جرائد عن مجموعة السامرائي.
كلها.
منذ سنوات.
أخبار قديمة.
مقابلات.
تقارير اقتصادية.
مشاريع.
مستشفيات خاصة.
عقارات.
ديون.
تحركات مساهمين.
وكانت أمي قد خطّت تحت بعض الجمل بقلم أحمر.
وعلى الهامش كانت هناك ملاحظات.
دقيقة جدًا.
ذكية جدًا.
وقاسية جدًا على امرأة لم تكمل حتى الثانوية.
2018 نمو وهمي.
2020 ديون مخفية داخل شركات فرعية.
2023 الابن دخل الإدارة وأغرق ثلاثة مشاريع.
تجمدت في مكاني.
أمي لم تكن تدخر المال فقط.
كانت تراقب تلك العائلة.
فتحت هاتفي وبحثت عن مازن السامرائي.
ملياردير.
مالك مجموعة السامرائي.
شركات مقاولات.
استثمارات مالية.
مستشفيات خاصة.
ثروة بمليارات الدنانير العراقية.
ثم ظهرت الصورة العائلية.
مازن يحتضن زوجته المثالية، رباب، الغارقة بالمجوهرات.
وبجانبها ابنه المدلل
ليث السامرائي.
ستة وعشرون عامًا.
درس إدارة الأعمال في أمريكا.
مدير تنفيذي مساعد.
ساعة تساوي عمر بيت كامل في حي شعبي.
وابتسامة رجل لم يسمع كلمة لا في حياته.
أما أنا
فكنت في الثامنة عشرة.
أعمل بنظام المناوبات.
ويداي متشققتان من غسل الكاسات.
وأمي ميتة بعدما قضت نصف عمرها تراقب بصمت سقوط العائلة التي حطمت حياتها.
في صباح اليوم التالي ارتديت أفضل بلوزة اشترتها لي أمي في تنزيلات نهاية الموسم.
وقبل أن أخرج، أوقفني جاسم عند الباب.
أمك قالت لي شيئًا قبل أن تموت.
الجزء الثاني يبدأ مع الجملة التي همس بها جاسم عند الباب ومع أول خطوة تأخذها سارة نحو عائلة السامرائي زوجته لم تكتفِ بفضحه أمام عائلته
بل جاءت بنفسها إلى المعمل.
صفعت أمي أمام العاملات، ورمت في وجهها مبلغًا من المال وهي تصرخ
ابقي ربّي ابن الحرام
في اليوم نفسه، اختفى مازن.
لا مكالمات.
لا رسائل.
لا بيت.
لا وعد.
وأمي بقيت وحدها.
هنا تدخل جاسم.
كان عامل صيانة بسيط في المعمل.
أرملًا، بلا أولاد.
والناس كلهم كانوا يعرفون أنه يحب أمي بصمت منذ سنوات.
طلب منها الزواج رغم معرفته بالحقيقة كاملة.
وقال لها جملة واحدة لم ينساها حتى اليوم
الطفل الذي في بطنكِ لا ذنب له.
ورباني كابنته.
لم يفرق يومًا بين دمي ودمه.
حتى اسمه أعطاني إياه دون تردد.
كنت أسمع الكلام وكأنني أختنق.
نظرت إليه وأنا أبكي
ولماذا لم تخبروني؟
ابتسم بحزن وقال
لأن أمكِ كانت تخاف أن تكرهي نفسكِ.
ثم أخرج ظرفًا قديمًا من جيبه.
كان ممتلئًا برسائل.
كلها من مازن السامرائي.
لم يطلب فيها رؤيتي مرة واحدة.
فقط كان يرسل المال.
كل شهر.
بانتظام مرعب.
وفي آخر رسالة كتب
أعرف أنني جبان لكني أراقبها من بعيد. إذا احتاجت يومًا شيئًا، أخبريني.
تاريخ الرسالة كان قبل خمس سنوات.
سألت جاسم بصوت مرتعش
هل هو حي؟
هز رأسه ببطء.
مات منذ ستة أشهر.
ثم أكمل
وأظن أن أمكِ عرفت قبل وفاتها لأن التحويل الأخير كان أكبر من المعتاد.
فتحت كشف الحساب مرة أخرى.
آخر دفعة لم تكن أربعمئة ألف.
كانت خمسة ملايين دفعة واحدة.
ومرفق معها رسالة قصيرة من المصرف
بحسب وصية المرحوم مازن السامرائي، يتم تحويل المبلغ الأخير وإغلاق الحساب.
لم أنم تلك الليلة.
جلست على سرير أمي حتى الفجر.
أفكر
في المرأة التي أخفت وجعها عشرين سنة.
وفي الرجل الذي رباني دون أن أكون ابنته.
وفي رجل آخر ظل يدفع ثمن خوفه كل شهر دون أن يجرؤ على رؤيتي.
لكن الصدمة الحقيقية لم تأتِ إلا بعد ثلاثة أيام.
حين طرق باب بيتنا رجل يرتدي بدلة سوداء، وسألني بهدوء
الآنسة مريم جاسم؟
قلت نعم.
ناولني ظرفًا مختومًا.
وقال
أنا محامي المرحوم مازن السامرائي وهناك أمر أوصى أن يُسلَّم لكِ شخصيًا بعد وفاة والدتكِ.أغلقتُ الباب بيدي المرتجفة، وبقيت أحدّق في الظرف
جاسم كان جالسًا في الصالة، يراقبني بصمت.
همس
افتحيه.
فتحت الختم ببطء.
في الداخل كان هناك مفتاح صغير ذهبي، ورسالة مكتوبة بخط مرتب جدًا.
إلى ابنتي مريم
إذا وصلتِ إلى هذه الرسالة، فهذا يعني أنني فشلتُ مرة أخرى في امتلاك الشجاعة الكافية لأقف أمامكِ حيًا.
أعرف أنني لا أستحق كلمة أب.
لكنني أرجوكِ قبل أن تكرهيني، اذهبي إلى العنوان المرفق.
وكان هناك عنوان في الكرادة.
وشقة رقم 12.
في اليوم التالي ذهبت.
البناية كانت فخمة بشكل لم أدخله في حياتي.
الحارس عرف اسمي فورًا، وكأنه كان ينتظرني منذ سنوات.
صعدت إلى الطابق الرابع.
وفتحت الباب بالمفتاح.
أول شيء رأيته صورتي.
صورتي وأنا طفلة.
في المدرسة.
في السوق مع أمي.
حتى صورة لي وأنا أعمل في محل الشاي.
تراجعت بخوف.
شعرتُ أن أحدًا كان يراقب عمري كله من خلف زجاج.
ثم رأيت غرفة كاملة
مليئة بهدايا لم تُفتح.
دببة.
فساتين.
دفاتر مدرسية.
ولعبة مطبخ صغيرة كنتُ قد وقفت أمامها يومًا في واجهة محل وبكيت لأن أمي لم تستطع شراءها.
جلست على الأرض وأنا أرتجف.
كان يعرف.
كان يرى كل شيء.
لكنه لم يقترب.
ثم انتبهت إلى باب خشبي صغير داخل الشقة.
فتحته ببطء
فوجدت رجلًا عجوزًا يجلس على كرسي متحرك قرب النافذة.
ضعيفًا جدًا.
هزيل الوجه.
لكن ملامحه
كانت نفس ملامحي تمامًا.
رفع رأسه بصعوبة عندما رآني.
وبكى فورًا.
قال بصوت متقطع
كنتُ أدعو الله فقط أن يسمح لي برؤيتكِ مرة واحدة قبل أن أموت.
تجمدتُ في مكاني.
قالوا لي إنك ميت.
ابتسم بألم.
هذا ما طلبتُ منهم قوله لأنني كنتُ أحتضر فعلًا.
اقتربتُ خطوة.
قلبي كان يضرب بعنف.
لماذا؟ لماذا تركتنا؟
أغلق عينيه للحظة طويلة.
ثم قال
لأنني كنتُ جبانًا أكثر مما تتخيلين.
وحكى لي كل شيء
زوجته هددته بفضيحة تدمر سمعته وشركاته وتأخذ أولاده منه.
والده هدده بحرمانه من الميراث.
وأمي رفضت أن تكون السبب في خراب بيت كامل.
فابتعد.
لكنه لم
اشترى البيت الذي عشنا فيه باسم شخص آخر حتى لا نُطرد.
وكان يدفع لصاحب محل الشاي سرًا حتى يبقيني في العمل عندما أخطئ.
بل وحتى علاج أمي الأخير
هو من دفع ثمنه.
شعرتُ بالغضب يختلط بالشفقة.
صرخت فيه
المال
متابعة القراءة