شفت مرات ابني وهي بتركن عربيتها على شط الترعة وبتحدف شنطة سفر تقيلة جوه المية
سكتت لحظة، وبعدين كملت وهي بتترعش: “أنا رميت الشنطة… عشان ما حدش يشوفه…”
الكلمة وقعت عليّا زي حجر.
“تشوفي مين؟!” صرخت فيها وأنا واقفة بصعوبة.
مروة فجأة انهارت على ركبها، وفضلت تعيط: “ده مش طفل عادي… ده ابن جمال…”
الدنيا سكتت في وداني.
“إيه؟”
حسّيت إني مش سامعة صح.
هي كملت بسرعة وهي بتنهار: “كان عايش… جمال كان عايش يا طنط عطيات… ومحدش صدقني!”
قلبي اتقبض.
“إنتِ بتقولي إيه؟ جمال مات قدامي!”
مروة هزّت راسها بعنف: “اللي مات… مش هو!”
وقفت مرة واحدة، وعيونها فيها جنون وخوف: “جمال كان متورط في حاجة كبيرة… وفي ليلة ما ماتش فيها… اتخطف… واتبدّل… واللي اتقال إنه مات كان تمثيل!”
الطفل أكتر وأنا مش مستوعبة: “يعني… الطفل ده…”
مروة صرخت وهي بتقرب خطوة: “ابنه يا طنط!”
الهواء اتسحب من صدري.
بصيت للطفل… وشه الأزرق بدأ يفتح عينه نص فتحة… وعيونه كانت شبه عيون جمال بشكل يخوف.
لكن قبل ما أقول كلمة…
سمعنا صوت فرامل عربية جامد قريب مننا.
التفتنا بسرعة…
عربية سودا واقفة
والباب بيتفتح ببطء شديد…
وواحد نازل منها… مش باين وشه كويس من الضلمة… لكن أول كلمة قالها خلت مروة تصرخ:
“قولتلك يا مروة… مفيش خروج من القصة دي بالطفل ده حي.”صوت الرجل كان تقيل، كأنه خارج من مكان بعيد ومش من نفس الهواء اللي إحنا فيه.
مروة رجعت خطوة لورا وهي بتصرخ: “إبعد! سيبونا في حالنا!”
لكن الرجل كمل وهو بيقرب ببطء: “إنتِ فاكرة إنك لما ترميه في الميه الموضوع هينتهي؟”
… وإيدي بتترعش: “إنت مين؟ وإيه اللي بيحصل هنا؟!”
الرجل وقف على بعد كام متر بس، والنور الجاي من العربية كشف جزء من وشه… بس ملامحه لسه مش واضحة كويس.
“أنا اللي كنت براقب جمال… من قبل ما يموت.”
الكلمة دي خلت الأرض تهتز تحت رجلي.
مروة صرخت: “كذاب! جمال مات في حادثة!”
ضحك ضحكة قصيرة، مفيهاش أي فرح: “حادثة؟ لا… ده كان ترتيب.”
سكت لحظة، وبعدين بص على الطفل : “والطفل ده… هو الدليل الوحيد اللي كان ممكن يخلّي كل حاجة تنهار.”
حسّيت إن إيدي بتبرد أكتر من المية اللي كنت فيها.
“دليل
هو رد بهدوء مخيف: “على إن جمال كان عايش… وإن اللي اتقال إنه مات كان تمويه… عشان يهربوا منه.”
مروة وقعت على الأرض من غير صوت، كأن الكلام سحب منها القوة كلها.
وفجأة…
الطفل فتح عينه أكتر.
بس المرة دي… ماكنش بيبص عليّا.
كان بيبص ناحية الرجل.
وبكى.
بكاء خافت… بس واضح.
الرجل اتجمد في مكانه لأول مرة.
وبصيت له وأنا قلبي بيدق بسرعة: “إنت خايف منه… ليه؟”
الهواء سكت.
وبعدين قال بصوت واطي لأول مرة: “لأن الطفل ده… مش بس دليل.”
قرب خطوة واحدة…
“ده الوحيد اللي يعرف أنا عملت إيه في جمال.”كلمته وقعت على المكان كأنها طلق نار.
الطفل كمل بكاءه، وبقى بيتحرك كأنه عايز يهرب مني… أو يهرب منه هو.
مروة رفعت راسها فجأة وهي بتهمس: “يعني… هو عايش؟”
الرجل ما ردّش عليها، كان عينيه مثبتة على الطفل بس، كأن الدنيا كلها اختفت.
“سيب الطفل…” قالها بصوت أخفض، لكن فيه تهديد واضح.
“ولا هتعمل إيه؟ هو طفل!”
فجأة… الرجل شد حاجة من جيبه.
مش سلاح… جهاز صغير
ضغط زر واحد.
وفي نفس اللحظة… الطفل سكت.
بكاءه وقف فجأة.
السكون ده كان مرعب أكتر من الصريخ.
مروة صرخت: “إنت عملت إيه؟!”
أنا بصيت للطفل… صدره ما بقاش بيتحرك بانتظام.
“لا… لا يا رب…”
رحت هزّيته بخفة: “فوق… فوق يا حبيبي!”
لكن مفيش رد.
الرجل قال بهدوء بارد: “أنا ما أذتهوش… أنا بس قفلت الحاجة اللي كانت مخليه يفتكر.”
الكلمة دي ما كانش ليها معنى، بس الخوف كان واضح فيها.
مروة قامت فجأة واندفعت ناحيته: “إنت بتكذب! إنت اللي بوظت حياته!”
لكن قبل ما تقرب…
اتنين رجالة نزلوا من العربية السودا بسرعة، ومسكوها من دراعها.
صرخت: “سيبوني! سيبوني!”
أنا فضلت واقفة، مش عارفة أتحرك، الطفل بقى تقيل كأنه بينسحب مني.
الرجل قرب مني أخيرًا.
وقال بصوت واطي: “الطفل ده لازم ييجي معايا… وإلا اللي حصل لجمال هيتعاد… بس المرة دي عليكي إنتي.”
رفعت عيني فيه لأول مرة بثبات، وقلبي بيدق بعنف: “جمال مات فعلاً… ولا لسه عايش؟”
سكت لحظة طويلة.
وبعدين قال جملة خلت
“جمال هو اللي طلب مني أسيب الطفل عندك… لو أنا اختفيت.”
وقبل ما أستوعب الكلام…
الطفل فتح عينه تاني.
وبصلي أنا.
المرة دي… كان واعي.