حصلتُ على الدرجة الكاملة في امتحان القبول، وعندما دخلتُ إلى لابتوب أخي لأبحث عن مكان أستأجر منه فستانًا
وكأنها تحمل داخلها خوف سنوات كاملة.
دخلت أمي علينا عندما سمعت صوتها.
توقفت مكانها وهي ترانا متعانقتين.
ثم بدأت تبكي هي أيضًا.
وبعد دقائق كان البيت كله يبكي ويضحك في الوقت نفسه.
حتى أبي قال وهو يمسح عينيه بخجل والله هذا البيت يحتاج طبيب نفسي أكثر من طبيبة.
فضحكنا جميعًا لأول مرة منذ وقت طويل ضحكة حقيقية.
لكن الحياة لم تكن قد انتهت من مفاجآتها بعد.
بعد شهر تقريبًا، وصلتني رسالة إلكترونية من جهة لم أتوقعها أبدًا.
منحة دراسية كاملة.
واحدة من أقوى المنح للطلبة المتفوقين.
تشمل الدراسة، والسكن، وحتى راتبًا شهريًا بسيطًا.
لكن المشكلة؟
كانت في محافظة أخرى بعيدة جدًا.
جلستُ أحدق في الشاشة وقلبي يرتجف.
هذه فرصتي التي حلمتُ بها طوال عمري.
وفرصتي أيضًا لأبتعد عن كل شيء أتعبني.
وفي تلك الليلة
وضعتُ رسالة القبول أمام أهلي على الطاولة.
قرأها أبي أولًا. ثم رفع عينيه نحوي ببطء.
وقال هل تريدين السفر نظرتُ إلى أبي طويلًا قبل أن أجيب.
كان السؤال بسيطًا لكن الذي خلفه لم يكن بسيطًا أبدًا.
هل أريد السفر فعلًا؟
جزء مني كان يصرخ نعم. أريد مدينة لا يعرفني فيها أحد. لا ينتظر مني أحد أن أكون القوية طوال الوقت. لا أشعر فيها أن عليّ إثبات استحقاقي للحب كل يوم.
لكن جزءًا آخر كان خائفًا.
خائفًا من الوحدة. من الغربة. ومن أن أكتشف أنني، رغم كل شيء، ما زلتُ أحب هذا البيت.
أخذتُ نفسًا عميقًا وقلت لا أعرف.
ساد الصمت.
ثم قالت أمي بسرعة وكأنها تخشى أن أتراجع إذا كانت هذه فرصتك اذهبي.
التفتُّ إليها
أكملت وهي تحاول الابتسام أنا لا أريد أن يأتي يوم وتقولين إننا وقفنا في طريقك.
أما أبي فبقي ساكتًا للحظات طويلة.
ثم قال بصوت منخفض أنا لا أحب فكرة سفرك.
هبط قلبي قليلًا.
لكنه أكمل لكنني سأكره أكثر أن أبقيكِ هنا خوفًا عليّ.
شعرتُ بحرارة في عيني.
أما سيف فضحك بخفة وهو يحاول تلطيف الجو يعني من الآن سنفتقد الطبيبة التي كانت تعالجنا بجوجل.
رمقته أمي بنظرة حادة اسكت.
فضحكنا جميعًا.
وفي تلك الليلة دخلتُ غرفتي وأنا أحمل الرسالة بين يدي.
جلستُ قرب الشباك القديم المطلّ على الزقاق. نفس الشباك الذي كنتُ أذاكر عنده أيام الكهرباء الضعيفة. ونفس المكان الذي بكيتُ فيه ليلة الواتساب.
لكن شعوري الآن كان مختلفًا.
هذه المرة لم أكن أشعر أنني مهملة.
كنتُ فقط أكبر.
مرت الأيام التالية بسرعة مخيفة.
إجراءات. أوراق. حقائب. وزيارات من الجيران الذين صاروا ينادونني الدكتورة مريم.
حتى أبو علي صاحب البقالة قال بفخر لا تنسينا عندما تصبحين مشهورة.
وفي آخر ليلة قبل السفر
دخل أبي غرفتي بهدوء.
كان يحمل بيده صندوقًا صغيرًا قديمًا.
جلس على طرف السرير وقال هذا كان لجدك.
فتح الصندوق فوجدتُ داخله ساعة يد قديمة جدًا، لكنها أنيقة.
قال جدك كان يقول دائمًا الإنسان يُعرف بقيمته، لا بصوته.
ثم وضع الساعة في يدي وأضاف وأنتِ قيمتكِ كبيرة جدًا يا مريم.
لم أتمالك نفسي وقتها.
بكيتُ كطفلة صغيرة أخيرًا وجدت مكانها الآمن.
ربّت على رأسي بصمت طويل ثم قال بصوت مبحوح سامحينا.
وفي صباح السفر
اجتمع البيت كله لتوديعي.
أمي كانت تحاول أن تبدو قوية لكنها تبكي كل دقيقتين. سيف أصرّ أن يحمل حقائبي رغم أنه كان يتذمر طوال الطريق. وتبارك أعطتني دفترًا صغيرًا وقالت اكتبي فيه كل يوم صعب حتى لا تشعري أنك وحدك.
وعندما تحركت الحافلة
نظرتُ من النافذة إليهم.
كانوا يلوّحون لي جميعًا.
وفجأة أدركت شيئًا غريبًا
أحيانًا لا تحتاج العائلة أن تكون مثالية تحتاج فقط أن تتعلم كيف تحب بشكل صحيح قبل فوات الأوان.
ابتسمتُ وسط دموعي.
ثم التفتُّ نحو الطريق الطويل أمامي.
لأول مرة في حياتي
لم أكن خائفة من المستقبل مرّ الشهر الأول في الكلية كالإعصار.
المحاضرات تبدأ منذ الصباح الباكر. وجوه جديدة. أساتذة صارمون. ومواد تجعل النوم رفاهية حقيقية.
في البداية كنتُ أشعر بالضياع.
المدينة مختلفة. لهجتها مختلفة. حتى رائحة الشوارع بعد المطر لم تكن تشبه الأعظمية.
وفي الليل حين أعود إلى غرفتي الصغيرة في السكن الجامعي، كان الصمت يهاجمني فجأة.
لا صوت أمي من المطبخ. لا شجار سيف مع التلفاز. لا طرقات أبي على الباب وهو يسأل درستِ جيدًا؟
كنتُ أفتح هاتفي كل ليلة وأتردد قبل أن أتصل.
لكن الغريب؟ أنهم صاروا هم من يتصلون أولًا.
أمي تسألني إن أكلت. أبي يطلب أن يرى وجهي بالفيديو. وسيف يرسل صورًا سخيفة ليضحكني أثناء المذاكرة.
حتى تبارك كانت تكتب لي كل يوم تقريبًا.
هل نمتِ جيدًا؟ لا تنسي شرب الماء. أرسلت لكِ ملخص التشريح الذي وجدته.
وببطء بدأ شيء داخلي يهدأ.
لكن أكثر شخص غيّر حياتي هناك لم أتوقعه أبدًا.
كان اسمه آدم.
طالب في السنة نفسها.
أول مرة انتبهتُ له كانت في مختبر التشريح.
كنتُ مرهقة جدًا، ولم أنم سوى ساعتين. وفجأة شعرتُ بدوار خفيف.
كدتُ أسقط لكن يدًا أمسكت المقعد بسرعة.
سمعتُ صوتًا هادئًا يقول تنفسي ببطء.
رفعتُ رأسي.
كان هو.
ناولني زجاجة ماء وقال يبدو أنكِ تضغطين على نفسك أكثر من اللازم.
ضحكتُ بخفة واضح أن هذا أصبح تخصصي.
ابتسم للمرة الأولى.
ومنذ ذلك اليوم بدأنا نتقاطع كثيرًا.
في المكتبة. في الكافتيريا. وفي الطابور الطويل أمام آلة القهوة الرديئة.
كان مختلفًا عن أي شخص عرفته.
لا يحاول إبهاري. لا يبالغ بالكلام. ولا يسأل الأسئلة الفضولية التي يكرهها المتفوقون دائمًا.
بل كان يسمع.
يسمع فعلًا.
وفي إحدى الليالي، بعد امتحان مرهق جدًا
جلسنا على درج الكلية الخارجي. كنتُ متعبة لدرجة أنني شعرت أنني سأبكي.
فقال فجأة أنتِ تخافين من الفشل أكثر من الطبيعي.
التفتُّ إليه بدهشة.
أكمل بهدوء لأنكِ تعودتِ أن
يكون تفوقك هو الشيء الذي يجعل الناس تتمسك بك.
تجمّدتُ.
لأنه قال الجملة التي لم أستطع شرحها لنفسي طوال عمري.
سألته بصوت خافت كيف عرفت؟
نظر أمامه وقال لأنني مثلك.
ولأول مرة منذ سنوات شعرتُ أن أحدًا يفهمني دون أن أشرح.
مرت الأيام بعد ذلك بسرعة.
صرنا ندرس معًا. نتشارك الملاحظات. ونسخر من ضغط الكلية بطريقة لا يفهمها إلا طلاب الطب.
لكن شيئًا صغيرًا بدأ يتغير داخلي.
صرتُ أضحك أكثر. أتكلم أكثر. وأحيانًا أنسى للحظات أن عليّ أن أكون قوية دائمًا.
وفي أحد الأيام
كنتُ عائدة إلى السكن عندما رنّ هاتفي.
كانت أمي.
لكن صوتها هذه المرة لم يكن طبيعيًا.
كانت تبكي.