قالوا إن ابنتي ماتت في كوريا، وأرسلوا لي صورتها بإطارٍ أسود منذ ستة أشهر…

لمحة نيوز

الأمر.
بل تاريخ الإصدار.
الجواز كان قد استُخدم قبل شهرين فقط.
همست فريدة مستحيل دينا كانت محتجزة هنا
رفعت المحققة نظرها ببطء وقالت هناك تحويلات مالية خرجت باسمها بعد اختفائها.
ثم أضافت وشخص ما كان ينتحل هويتها.
وفي تلك اللحظة بالذات
رنّ هاتف أحد الضباط.
تحدث بسرعة بالكورية، ثم تغيّر وجهه فورًا.
التفت إلى المحققة وقال شيئًا جعلها تتجمد.
سألته بحدة أين؟!
أجاب في المستشفى.
ثم نظرت إلينا المحققة وقالت هيون وو حاول الانتحار.
وصلنا إلى المستشفى وسط فوضى من الشرطة والصحفيين.
وكان هيون وو في غرفة العناية تحت الحراسة.
لكن قبل أن يمنعونا من الدخول
فتح عينيه للحظة.
ورأى فريدة.
ولأول مرة منذ عرفته
رأيت الرعب الحقيقي في وجهه.
ليس خوف المجرم من السجن
بل خوف إنسان يعرف أن سرّه خرج أخيرًا إلى الضوء.
ثم حرّك شفتيه بصعوبة وقال بالكورية جملة ترجمتها المحققة بعد ثوانٍ
المرأة العربية ليست ميتة
شعرت فريدة أن قدميها لم تعودا تحملانها.
أما أنا
فشعرت أن شيئًا أسوأ بكثير ما زال ينتظرنا.
ثم أكمل هيون وو وهو يختنق بأنفاسه
إنها زوجتي الحقيقية ساد صمت ثقيل داخل غرفة العناية.
حتى أجهزة المراقبة الطبية بدت وكأن صوتها اختفى.
فريدة حدّقت فيه بذهول.
وقالت بصوت مكسور أنا ماذا كنت بالنسبة لك إذًا؟
هيون وو أغلق عينيه للحظة، كأنه يحاول الهرب حتى الآن.
ثم قال بصعوبة واجهة.
شعرتُ أن ابنتي ستنهار.
لكن المحققة تقدمت بسرعة وسألته من هي زوجتك الحقيقية؟ وأين هي؟
ترددت شفتاه.
ثم همس باسمٍ عربي ليان
ارتجفت يداي فورًا.
الاسم لم يكن غريبًا عليّ.
ليان كانت فتاة أردنية اختفت قبل سبع سنوات بعد سفرها للعمل في كوريا.

أمها ظهرت وقتها في برنامج تلفزيوني تبكي وتقول إن ابنتها توقفت عن الرد فجأة.
يومها تعاطف الناس معها أيامًا ثم نُسيت القصة مثل آلاف القصص المنسية.
لكن هيون وو أكمل بصوت متقطع كانت أول واحدة
نظرت إليه المحققة بتركيز مرعب.
فقال تزوجتها حقيقي كنت أحبها.
ثم بدأ يبكي.
بكاء باردًا بلا دموع.
وقال لكنها اكتشفت كل شيء.
اتضح أن هيون وو لم يكن يعمل وحده.
كان جزءًا من شبكة أكبر تستغل النساء الأجنبيات اللواتي يعشن بعيدًا عن عائلاتهن.
بعض النساء كانوا يُجبرن على توقيع أوراق وبعضهن تُسرق هوياتهن وبعضهن يُستخدمن في تحويلات مالية وغسيل أموال.
وكانت الزوجة الأجنبية غطاءً مثاليًا.
لكن ليان اكتشفت الشبكة.
وهددت بإبلاغ الشرطة.
اختفت بعدها بثلاثة أيام.
وعندما سألته المحققة أين هي الآن
فتح عينيه ببطء شديد.
ثم قال هربت.
تقدمت المحققة نحوه فورًا إلى أين؟
لكن قبل أن يجيب
توقف جهاز المراقبة فجأة عن الانتظام.
بدأ الأطباء يركضون.
ودفعونا إلى الخارج بسرعة.
آخر شيء رأيته قبل أن يُغلق الباب
هو هيون وو وهو ينظر مباشرة إلى فريدة.
كأنه يريد قول شيء أخير.
ثم اختفى خلف الأطباء.
بعد ساعات
أعلنوا موته.
رسميًا توقف حاد في القلب بعد محاولة انتحار وتسمم دوائي.
لكن موته لم يُنهِ شيئًا.
بل بدأ كل شيء.
لأن الشرطة بعد تفتيش أجهزته اكتشفت ملفات مشفرة.
وعشرات الصور لنساء من دول مختلفة.
وملفات تحويلات بملايين الدولارات.
وأسماء رجال أعمال وأطباء وموظفين متورطين معه.
تحولت القضية إلى فضيحة هزّت الإعلام الكوري.
أما فريدة
فكانت تجلس كل ليلة في المستشفى تنظر إلى النافذة بصمت طويل.
كأن عقلها ما زال عاجزًا عن فهم أنها
كانت تعيش وسط هذا الكابوس كله.
وفي إحدى الليالي
دخلت عليها المحققة.
وكان وجهها مختلفًا هذه المرة.
أقل قسوة.
وأكثر توترًا.
جلست أمام فريدة وقالت هناك شيء يجب أن تريه.
ثم وضعت صورة على السرير.
صورة كاميرا مراقبة قديمة.
مشوشة.
لكن المرأة الظاهرة فيها كانت عربية فعلًا.
ترتدي معطفًا رماديًا وتحمل طفلة صغيرة.
همست فريدة ليان؟
أومأت المحققة.
ثم قالت الصورة التُقطت قبل ثلاثة أشهر.
شهقتُ يعني هي حيّة؟!
لكن المحققة لم تُجب مباشرة.
بل أشارت إلى الطفلة الصغيرة في الصورة.
ثم قالت نعتقد أن هذه ابنتها.
تجمّدت فريدة.
همست ابنتها من هيون وو؟
أجابت المحققة لا نعرف.
ثم أخرجت ورقة أخرى.
كانت نسخة من رسالة إلكترونية أُرسلت من حساب مجهول قبل أسبوع فقط.
الرسالة احتوت على ثلاث كلمات بالعربية
سيجدونني قريبًا.
وفي أسفل الرسالة
كان هناك اسم واحد فقط
ليان منذ تلك اللحظة، تحوّل كل شيء إلى سباقٍ مع الوقت.
الشرطة الكورية بدأت تبحث عن ليان في كل مكان.
الموانئ. محطات القطار. الملاجئ. الأحياء الفقيرة حول سيول.
لكن كأن الأرض ابتلعتها.
أما فريدة
فلم تعد تنام.
كانت تشعر بالذنب بطريقةٍ مرعبة.
تردد طوال الوقت أنا كنت عايشة معاه وهي كانت بتهرب منه.
وفي إحدى الليالي
استيقظتُ على صوتها تبكي داخل حمام المستشفى.
دخلت عليها فوجدتها جالسة على الأرض تحتضن نفسها.
وقالت بصوت متحشرج ماما لو ليان كانت حاولت توصل لي وأنا ما فهمتش؟
لم أعرف ماذا أقول.
لأن هذا السؤال نفسه كان يطاردني أنا أيضًا.
بعد يومين
جاء اتصال غريب إلى هاتف المحققة.
رقم عام من محطة قطارات في مدينة بوسان.
المتحدث لم يقل سوى جملة واحدة بالكورية المرأة
العربية هنا.
ثم أغلق الخط.
وخلال ساعات كنا على متن قطار سريع متجه جنوبًا.
أنا وفريدة والمحققة.
طوال الطريق، كان المطر يضرب النوافذ بعنف.
وفريدة جالسة تحدّق في انعكاس وجهها الزجاجي كأنها ترى شخصًا آخر.
وعندما وصلنا إلى المحطة
وجدنا طفلة صغيرة تنتظر وحدها قرب آلات البيع.
ترتدي نفس المعطف الظاهر في صورة المراقبة.
وفي يدها دمية أرنب بيضاء متسخة.
اقتربت منها المحققة بحذر.
لكن الطفلة نظرت مباشرة إلى فريدة.
ثم قالت بالعربية الواضحة أنتِ فريدة؟
تجمّدت ابنتي.
ركعت أمامها بسرعة نعم يا حبيبتي أين ماما؟
رفعت الطفلة يدها الصغيرة وأشارت نحو الخارج.
إلى الأزقة الخلفية للمحطة.
ثم همست ماما قالت لو حصلها حاجة أجيبكم.
ركضنا خلفها وسط المطر.
الأزقة كانت ضيقة ورطبة ومليئة بالضباب.
حتى توقفت الطفلة أمام مبنى قديم مهجور.
صعدنا الدرج المظلم بسرعة.
وفي الطابق الأخير
وجدنا الباب نصف مفتوح.
دخلت المحققة أولًا وهي تضع يدها على سلاحها.
ثم فجأة توقفت.
عرفت من وجهها أن هناك شيئًا سيئً
جدًا بالداخل.
دخلتُ خلفها.
وشعرت ببرودة قاسية تضرب صدري.
ليان كانت هناك.
ممددة قرب الحائط.
شاحبة جدًا.
ويوجد دم جاف على جانب رأسها.
لكن عينيها كانتا مفتوحتين.
حيّة.
بصعوبة لكنها حيّة.
ركضت الطفلة نحوها وهي تبكي ماما!
أما ليان
فما إن رأت فريدة حتى بدأت ترتجف بعنف.
ثم قالت بصوت بالكاد خرج هو وصل قبلكم
نظرت المحققة حولها بسرعة من؟!
لكن ليان أمسكت يد فريدة فجأة.
وكانت يدها باردة بشكل مخيف.
ثم همست فيه واحد تاني
شعرتُ أن الهواء اختفى من الغرفة.
سألتها فريدة بصدمة واحد تاني مين؟
بدأت دموع ليان تنزل بصمت.
وقالت هيون وو
ما كانش الرأس الكبيرة
ثم التفتت نحو الباب المفتوح خلفنا.
وعيناها اتسعتا فجأة برعب حقيقي.
رعب جعل الدم يتجمّد في عروقي.
همست اهربوا
وفي اللحظة نفسها
سمعنا صوت خطوات بطيئة تصعد السلم.

تم نسخ الرابط