قالوا إن ابنتي ماتت في كوريا، وأرسلوا لي صورتها بإطارٍ أسود منذ ستة أشهر…
المحتويات
عليها.
ظلّت تردد سامحيني سامحيني
وأنا أقبّل وجهها ويديها وشعرها كالمجنونة.
ثم همست في أذني كنت عارفة إنك هتجيلي
بعد دقائق وصلت الشرطة.
والجيران كانوا يتحدثون بانفعال شديد.
أما هيون وو
فجلس على الأرض واضعًا وجهه بين يديه وكأنه انهار أخيرًا.
لاحقًا
عرفت الحقيقة كاملة.
لم تكن فريدة ميتة.
ولا مريضة عقليًا كما ادّعى.
الحقيقة كانت أبشع.
بعد ولادة طفلها الثالث أصيبت باكتئابٍ حاد.
وكانت تريد العودة إلى الأردن لبعض الوقت.
لكن زوجها خاف أن تأخذ الأطفال وتسافر بلا عودة.
فبدأ يمنعها من الخروج.
ثم صادر هاتفها.
ثم أقنع الجميع أنها تعاني اضطرابات خطيرة.
ومع الوقت
تحوّل الخوف إلى سجن.
وحين حاولت الهرب قبل ستة أشهر
ادّعى أنها ماتت.
أقام أوراق وفاة مزوّرة بمساعدة شخصٍ يعمل في عيادة خاصة.
وأخفاها داخل البيت.
في غرفةٍ لا يدخلها أحد.
حتى الأطفال
كان يهددهم بأن أمهم شبح مريض إذا اقتربوا منها.
لكن فريدة استطاعت قبل شهرين تشغيل هاتفٍ قديم كان مخفيًا داخل صندوق ملابس
وأرسلت الرسالة الوحيدة التي استطاعت إرسالها
سامحيني يا أمي.
وفي تلك الليلة
بينما كنت أجلس بجانب سريرها في المستشفى
أمسكت يدي فجأة وقالت بصوتٍ ضعيف ماما أنا كنت بموت كل يوم بس كنت متأكدة إنك هتحسي بيا.
فبكيت.
لأول مرة منذ ستة أشهر
بكيت وأنا أشعر أن الله أعاد إليّ روحي بعد أن دفنتها بيدي مرّت أسابيع طويلة داخل المستشفى قبل أن تستعيد فريدة قدرتها على النوم دون كوابيس.
كانت تستيقظ أحيانًا فجأة وتصرخ
وأحيانًا كانت تمسك يدي بقوة وهي نائمة، كأنها تخشى أن أختفي إذا أفلتتها.
الأطباء قالوا إن ما تعرّضت له لم يكن مجرد احتجاز
بل تحطيمٌ بطيء للروح.
أما الأطفال
فكانوا أكثر ما يكسر القلب.
الطفلة الكبرى لم تعد تتكلم إلا همسًا.
والصغير كان يختبئ تحت الطاولة كلما دخل رجل الغرفة.
حتى الضحك صار يشعرهم بالخطر.
لكن الأصعب لم يكن العلاج.
الأصعب كان ما اكتشفناه بعد ذلك.
في صباحٍ رمادي، جاءت محققة كورية إلى غرفة فريدة.
امرأة هادئة ترتدي معطفًا أسود وتحمل ملفًا سميكًا.
جلست أمامنا وقالت بالإنجليزية البطيئة هناك أمر يجب أن تعرفاه.
ثم فتحت الملف.
وأخرجت عدة صور.
وعندما رأيتها
شعرت ببرودةٍ تسري في ظهري.
نساء.
عربيات.
آسيويات.
أجنبيات.
وجوه كثيرة.
ثم أشارت إلى صورة امرأة فلبينية وقالت هذه كانت زوجته الأولى.
تجمدت فريدة.
همست الأولى؟
أومأت المحققة.
ثم قالت اختفت قبل أربع سنوات.
شعرت أن الغرفة ضاقت فجأة.
بدأت المحققة تشرح أن الشرطة اكتشفت خلال التحقيق أن هيون وو كان يدير شبكة احتيال معقدة تستهدف النساء الأجنبيات المتزوجات من كوريين.
كان يبحث عن نساء بعيدات عن أهلهن
وضعيفات الدعم
ثم يعزلهن تدريجيًا.
يسيطر على أوراقهن أموالهن وحتى اتصالاتهن.
بعضهن هربن.
وبعضهن اختفين.
لكن المفاجأة الحقيقية
كانت حين وضعت المحققة صورة أخرى أمام فريدة.
شهقت ابنتي بقوة حتى ظننت أنها ستفقد الوعي.
كانت الصورة لامرأة عربية تبتسم أمام مطعم صغير في
امرأة أعرفها جيدًا.
دينا؟!
صديقتها القديمة من الجامعة.
آخر مرة سمعنا عنها كانت قبل ثلاث سنوات حين انقطعت أخبارها فجأة بعد زواجها من رجل كوري.
همست فريدة بصدمة هي كانت عنده؟!
أجابت المحققة كانت تعيش في نفس المبنى.
ثم أضافت بصوتٍ أخفض لكننا لم نجدها.
ساد الصمت.
وشعرت لأول مرة أن القصة لم تنتهِ بعد.
وفي تلك الليلة
بينما كانت فريدة نائمة
دخلت الطفلة الكبرى إلى الغرفة بهدوء.
كانت تحمل دمية قديمة.
اقتربت مني وقالت جدتي في سر.
انحنيت نحوها.
فنظرت حولها بخوف وهمست في غرفة ثانية.
توقّف قلبي.
سألتها بسرعة أي غرفة؟
قالت وهي تشير إلى الأرض تحت البيت
وفي اليوم التالي
عادت الشرطة إلى الشقة مع فريق تفتيش كامل.
بدأوا يفحصون الجدران والأرضيات.
هيون وو كان قد دخل السجن الاحتياطي، لكنه رفض الكلام تمامًا.
وبعد ساعات
أحد الضباط طرق أرضية غرفة التخزين بعصا معدنية.
ثم توقف فجأة.
كان الصوت مختلفًا.
أجوف.
بدأوا يزيلون ألواح الخشب ببطء
وفريدة تقف خلفي ترتجف.
ثم ظهر بابٌ حديدي صغير مخفي تحت الأرض.
وعندما فتحوه
خرجت رائحة عفنة باردة جعلت الجميع يتراجع.
أضاء أحد الضباط المصباح ونزل أولًا.
ساد صمت طويل جدًا.
طويل لدرجة أنني سمعت دقات قلبي بوضوح.
ثم صرخ الشرطي من الأسفل شيئًا بالكورية.
وفجأة تبدّلت وجوه الجميع.
نظرت المحققة نحونا ببطء
وكان وجهها شاحبًا بشكلٍ مرعب.
ثم قالت وجدنا شخصًا حيًاشهقت فريدة بجانبي، وأمسكت بذراعي بقوة حتى شعرت بأظافرها تغرس في جلدي.
الضباط بدأوا يركضون.
وأصوات اللاسلكي ملأت الشقة.
ثم خرج رجل الإسعاف أولًا وهو يصرخ بالكورية طالبًا معدات طبية بسرعة.
وبعد دقائق
رأيتها.
امرأة هزيلة تُحمل على نقالة.
شعرها طويل ومتشابك.
وجهها شاحب كالأموات.
وعيناها نصف مغلقتين من شدة الإنهاك.
لكنها كانت حيّة.
حيّة بعد كل هذا الظلام.
وفجأة
فتحت عينيها بصعوبة.
ونظرت مباشرة إلى فريدة.
ثم همست بصوتٍ بالكاد سُمع دينا
تجمّدت فريدة.
اقتربت منها وهي تبكي أنا فريدة فريدة يا دينا!
لكن المرأة هزّت رأسها ببطء.
ثم أشارت بيد مرتجفة نحو الأسفل.
إلى القبو.
إلى الظلام الذي خرجت منه.
وقالت جملة جعلت الدم يتجمد في عروقي
لسّه في واحدة تحت.
ساد الصمت لثانية.
ثم اندفع الضباط إلى الداخل مجددًا.
هذه المرة أسرع.
وأكثر توترًا.
كنت أسمع صدى خطواتهم المعدنية من داخل الممر السفلي.
ثم
صرخة.
صرخة رجل.
تبعها ارتباك شديد.
وأصوات أوامر متداخلة.
بعد دقائق خرج شرطي شاب وهو يضع يده على فمه كأنه على وشك التقيؤ.
عرفت فورًا أن ما رأوه هناك أسوأ مما تخيلنا.
المحققة اقتربت منا وقالت بصوتٍ متماسك بصعوبة يجب أن تغادرا الآن.
لكن فريدة تشبثت بي وهي تصرخ قولوا لي ماذا وجدتم!
سكتت المحققة للحظة.
ثم قالت وجدنا غرفة أخرى.
وأكملت بصوتٍ منخفض وفيها آثار لوجود أكثر من امرأة.
شعرت بدوار شديد.
لكن الكارثة لم تنتهِ.
لأن أحد الضباط خرج بعدها حاملًا صندوقًا معدنيًا صغيرًا.
وضعه على الطاولة.
فتحته المحققة ببطء.
وكان داخله
جوازات سفر.
عشرات
لفتيات من دول مختلفة.
وبينها
جواز سفر أردني.
أخذته فريدة بيد مرتجفة.
ثم شهقت فجأة وكأن الهواء اختفى من الرئة.
كان باسم دينا الخطيب.
لكن الصورة لم تكن أسوأ ما في
متابعة القراءة