قالوا إن ابنتي ماتت في كوريا، وأرسلوا لي صورتها بإطارٍ أسود منذ ستة أشهر…
قالوا إن ابنتي ماتت في كوريا، وأرسلوا لي صورتها بإطارٍ أسود منذ ستة أشهر
لكن عندما وصلتُ إلى شقتها في سيول، سمعتُ صوتها المرتجف خلف بابٍ مغلق يناديني
أمي
أرسلوا لي صورةً لها بإطارٍ أسود، واتصل زوجها الكوري باكيًا ليخبرني أن قلبها توقّف بعد سكتةٍ قلبية مفاجئة أثناء نومها.
بكيت.
أقمت لها عزاءً صغيرًا في عمّان.
وكنت كل ليلة أحدّق في صورتها وأحاول إقناع نفسي أن الأم يجب أن تتقبّل قضاء الله حتى لو كان الحزن يقتلع قلبها ببطء.
مرّت ستة أشهر كاملة.
ستة أشهر وأنا أعيش كجسدٍ بلا روح.
ستة أشهر وأنا أطبخ طبقها المفضّل يوم عيد ميلادها، ثم أبكي وحدي أمام طاولةٍ لا يجلس عليها أحد.
وما زلت أحتفظ بآخر شالٍ ارتدته قبل سفرها إلى سيول
حتى إن رائحته كانت تخدعني أحيانًا، فألتفت للحظة ظنًّا مني أنها دخلت الغرفة.
لكن قبل شهرين فقط
وفي ليلةٍ باردة من ليالي رمضان
اهتزّ هاتفي برسالةٍ من رقمٍ غريب.
فتحتها وأنا نصف نائمة.
سامحيني يا أمي.
شعرتُ بشيءٍ يهبط في صدري بعنف.
فريدة كانت تناديني دائمًا
ماما.
دائمًا.
إلا في لحظات الخوف.
حين كانت صغيرة وتستيقظ مذعورة من الكوابيس، كانت تتشبث بثوبي وتقول بصوتٍ مرتجف
يا أمي
لهذا عرفت فورًا.
عرفت أن ابنتي كانت خائفة وهي تكتب الرسالة.
حاولت الاتصال.
الرقم مغلق.
اتصلت بزوجها هيون وو.
ردّ بعد وقتٍ طويل.
وكان صوته مرتبكًا بطريقةٍ أخافتني أكثر من البكاء.
قال إن أحد الأطفال ربما وجد هاتفًا قديمًا.
قال إنني
وقال إن الموتى لا يرسلون الرسائل.
لكن شيئًا في داخلي كان يصرخ
هو يكذب.
لم أنم تلك الليلة.
ظللت أمشي في البيت حتى الفجر.
أفتح خزانة فريدة.
ألمس صورها.
أبكي.
ثم أمسح دموعي وأبكي من جديد.
وفي الصباح
بعت آخر قطعة ذهب أملكها.
واستدنت مالًا من جارتي.
وحجزت أول رحلة إلى كوريا الجنوبية.
طوال الرحلة كنت أرتجف.
ليس خوفًا من السفر
بل خوفًا من الاحتمالين معًا
أن تكون ابنتي حيّة
أو أن أكون قد فقدت عقلي من شدّة الاشتياق.
وصلت إلى سيول تحت بردٍ قاسٍ يشبه المستشفيات.
مدينة ضخمة
لامعة
ومرتبة أكثر مما يجب.
حتى الناس هناك كانوا يسيرون بصمتٍ جعلني أشعر أنني غريبة جدًا
وصاخبة جدًا
ومكسورة جدًا.
كان هيون وو ينتظرني في المطار.
ابتسم حين رآني
لكن ابتسامته لم تصل إلى عينيه.
وعندما احتضنني شعرت أن جسده متوتر كمن يخشى شيئًا سيحدث بعد دقائق.
في السيارة كان يتحدث كثيرًا.
كثيرًا جدًا.
عن الطقس.
عن الأطفال.
عن الدراسة.
عن العمل.
الرجل الخائف وحده هو من يثرثر بهذا الشكل.
وعندما وصلنا إلى شقته في الطابق السابع عشر
شعرت بشيءٍ ثقيل فور دخولي.
رائحة غريبة.
باردة.
تشبه المعقمات.
ثم رأيتها.
صورة فريدة.
كبيرة.
معلقة على الحائط.
وحولها شريطٌ أسود سميك.
كأنهم يريدون إقناعي بالقوة أنها ماتت فعلًا.
تجمّدت قدماي.
اقتربت من الصورة ببطء
ومددت يدي ألمس وجه ابنتي.
لكن قبل أن أبكي
انتبهت لشيءٍ أغرب.
أطفال فريدة الثلاثة لم ينظروا
بل كانوا ينظرون نحو الممر الطويل خلفي
بخوف.
خوفٍ حقيقي.
ثم اقتربت مني الطفلة الكبرى ببطءٍ شديد.
كانت تعصر أصابعها الصغيرة وترتجف.
شدّت طرف معطفي وهمست بالعربية المكسّرة
جدتي لا تبكي بصوتٍ عالٍ.
نظرت إليها بعدم فهم.
وسألتها
لماذا يا حبيبتي؟
رفعت الطفلة عينيها نحو آخر الممر
وفي تلك اللحظة بالضبط
سمعتُ صوتًا ضعيفًا خلف أحد الأبواب المغلقة يقول
أمي
تنتظرك تفاصيل غير متوقعة في الجزء الثانيتجمّد الدم في عروقي.
الصوت كان ضعيفًا مبحوحًا لكنه صوت فريدة.
مستحيل أن تخطئ الأم صوت ابنتها، حتى لو سمعته وسط ألف روح.
التفتُّ ببطء نحو آخر الممر.
وكان الباب الأبيض المغلق هناك يبدو كأنه يبتلع الضوء.
هيون وو ظهر خلفي فجأة.
قال بسرعة وهو يبتسم تلك الابتسامة المرتجفة نفسها إنها غرفة التخزين فقط.
لكن الطفلة الصغيرة أمسكت يدي بقوة.
وكانت أصابعها باردة كالثّلج.
ثم همست وهي تنظر إلى الأرض ماما تبكي هناك
شعرتُ بدوارٍ عنيف.
التفتُّ إليه مباشرة وقلت افتح الباب.
سكت.
لثانية واحدة فقط
لكن تلك الثانية كشفت كل شيء.
رأيت الخوف الحقيقي في عينيه.
الخوف الذي لا يصنعه الكذب العادي بل الجريمة.
قال بصوتٍ منخفض أنتِ متعبة من السفر تعالي ارتاحي أولًا
صرخت لأول مرة منذ وفاة فريدة افتح الباب!
الأطفال الثلاثة بدأوا بالبكاء فورًا.
وأصغرهم اختبأ خلف الأريكة وهو يردد بالكورية شيئًا سريعًا لم أفهمه
لكنني فهمت الرعب في صوته.
هيون وو اقترب مني
وهنا فقط
تأكدت.
ابنتي حيّة.
دفعتُه بكل ما أملك من قوة.
وركضت نحو الباب.
كان مقفلًا بمفتاح.
بدأت أضربه بيدي وأنا أصرخ فريدة! فريدة افتحي يا بنتي!
ثم جاءني صوتها مجددًا.
هذه المرة أوضح.
وكان متقطعًا من البكاء ماما لا تسيبيني
كادت روحي تخرج من جسدي.
التفتُّ أبحث عن أي شيء أكسر به الباب.
لكن هيون وو أمسك بي من الخلف بعنف هذه المرة وهو يقول بالعربية المكسّرة لا لا تفتحي!
صرخت فيه إنت دفنتها وهي عايشة؟!
ارتبك.
ثم قال جملةً لم أفهمها أولًا هي مريضة خطيرة لازم تبقى هنا.
لكن لا أمّ في الدنيا يمكن أن تصدّق هذا المشهد.
ابنتي خلف بابٍ مغلق منذ ستة أشهر وهو أخبرني أنها ماتت.
بدأت أصرخ بأعلى صوتي.
صرخات هستيرية جعلت الجيران يفتحون أبوابهم في الممر.
وفجأة
ركضت الطفلة الكبرى نحو المطبخ.
وعادت بمفتاح صغير كانت تخبئه داخل لعبةٍ قماشية.
ناولته لي وهي تبكي بابا يخبي المفتاح
خطف هيون وو المفتاح من يدي بسرعة.
لكن أحد الجيران الكوريين كان قد اقترب بعدما سمع الضجيج.
رجل كبير في السن.
نظر إلى هيون وو بغضب وتحدث معه بالكورية بعنف.
ثم أمسكه من كتفه بقوة.
وفي لحظة الفوضى
التقطت المفتاح من الأرض.
وفتحت الباب.
كانت الغرفة مظلمة
باردة
وتمتلئ برائحة الدواء والرطوبة.
وفي الزاوية
رأيتها.
فريدة.
ابنتي.
جالسة على فراشٍ رقيق فوق الأرض.
نحيلة بشكلٍ مرعب.
شعرها مقصوص بعشوائية.
وعيناها غائرتان كأنها لم تنم
لكنها كانت حيّة.
حيّة فعلًا.
صرختُ باسمها وركضت إليها.
وعندما احتضنتها شعرت بعظامها تحت يدي مباشرة.
كانت ترتجف بالكامل.
وتبكي بلا صوت.
كأن البكاء نفسه صار متعبًا