اعتنيتُ بزوجي الغارق في الغيبوبة ثلاث سنوات كاملة.. أطعمتُه بيدي، وبدّلتُ ثيابه، وسهرتُ بجوار سريره كل ليلة.
الكلمة اللي كسرتني أكتر من أي حاجة.
عارف.
كأنه شايف كل تعب، كل دمعة، كل ليلة سهرتي فيها بس في نفس الوقت، شايفها كجزء من خطة أكبر.
الرجل قال فجأة القرار اتأخر كفاية.
مد إيده ناحية جهاز صغير على الحائط.
وفجأة
كل الأجهزة في الغرفة اتقفلت مرة واحدة.
الصمت وقع علينا زي حجر.
كريم أخد نفس عميق لأول مرة بدون أسلاك.
وببطء شديد وقف على رجليه.
أنا رجعت لورا وأنا مش مصدقة.
إنت ما كنتش مشلول؟
بص لي.
وطول نظرته كان فيه وجع حقيقي للمرة الأولى كنت مجبور أكون كده.
ثم اقترب خطوة.
والليلة لازم تختاري يا سارة.
سكت.
ثم أضاف
تفضلي فاكرة إني مريض وتعيشي حياتك اللي بنيتيها فوق وهم.
ولا تعرفي الحقيقة وتدخلي معايا في اللي بدأته من تلات سنين ومخلصش لحد دلوقتي.
والرجل عند الباب قال بهدوء أخير والاختيار ده مفيش بعده رجوع سكون ثقيل وقع على الغرفة بعد كلمته الأخيرة كأن الهواء نفسه وقف محتار.
نظرتُ لكريم وهو واقف أمامي لأول مرة على قدميه، ثابت، كأنه لم يغِب يومًا عن العالم. كل صورة رسمتها له خلال ثلاث سنوات كانت بتنهار واحدة واحدة جوايا.
حقيقة إيه؟ صوتي خرج أضعف مما توقعت.
إنت عايزني أختار بين إيه وإيه
كريم اقترب خطوة، لكن الرجل عند الباب رفع إيده بسرعة مفيش اقتراب زيادة.
كريم وقف مكانه، ثم قال ببرود هي لازم تسمع مني أنا.
الرجل ابتسم ابتسامة قصيرة هي مش ضمن خطتك لوحدك.
الجملة دي كانت كفيلة تخلي قلبي يقع تاني.
بصيت بينهم إنتوا بتتكلموا عني كإني مش موجودة!
كريم رد لأول مرة بنبرة مختلفة فيها شيء أقرب للصدق لأنك طول السنين دي كنتي في النص بين حاجتين أكبر منك.
سكت لحظة، ثم أكمل أنا ما كنتش في غيبوبة بسبب حادثة بس.
اقتربت منه غصب عني يعني إيه؟
عيناه ثبتت فيّ أنا كنت شاهد في قضية ناس كبيرة جدًا ما كانش مفروض أعرف عنها حاجة.
صمت.
ثم كمل بصوت أخفض والحادث كان محاولة قتل مش خطأ طريق.
الهواء اتسحب من صدري.
الرجل عند الباب قال ببرود وإنتِ كنتي الطريقة الوحيدة عشان يفضل حي من غير ما حد يوصله.
رجعت خطوة وظهري خبط في الكرسي.
يعني أنا كنت بحميه من غير ما أعرف؟
كريم هز رأسه وكنتِ كمان السبب الوحيد اللي خلّاني أقدر أختفي.
سكت لحظة، وكأن الجملة جاية عليه هو كمان بثقل.
لو كنتِ عرفتي وقتها كانوا هيستخدموك ضدي.
دموعي بدأت تنزل من غير ما أحس.
طب وليه دلوقتي؟ ليه دلوقتي صحيت؟
كريم نظر
في اللحظة دي، الباب اللي ورا الرجل
اتقفل لوحده.
صوت قفل معدني ثقيل.
والرجل لأول مرة فقد هدوءه ده مش المفروض يحصل
كريم قال بهدوء غريب بدأت.
بصيت حولي بدأ إيه؟!
كريم اقترب خطوة أخيرة، وصوته نزل كأنه اعتراف أخير أنا ما صحيتش عشان أرجع لحياتي أنا صحيت عشان أنهيها.
سكت.
ثم أضاف وهو بيبص لي مباشرة وإنتي يا سارة آخر جزء في الليلة دي.
في نفس اللحظة
النور انقطع تمامًا.
والغرفة دخلت في ظلام كامل في الظلام، أول حاجة سمعتها كانت نفسي تقيل وسريع، كأنه بيحاول يهرب من جسمي نفسه.
ثم صوت احتكاك خفيف خطوات.
مش خطوات عشوائية.
خطوات محسوبة، كأن صاحبها شايف في العتمة.
كريم؟ ناديت بصوت مبحوح.
مفيش رد منه.
لكن جاوبني صوت الرجل، قريب جدًا مني ماتتحركيش.
رجعت خطوة لورا، واصطدمت بحاجة معدنية السرير.
إيد باردة مسكت معصمي فجأة.
اتنفضت ابعد!
لكن الإيد كانت ثابتة.
أنا مش عدوك قال كريم بصوت منخفض جدًا جنب أذني.
صوته كان قريب لدرجة مرعبة، وكأن الظلام نفسه اتجمع حوالينا.
لو مش عدوي يبقى إيه اللي بيحصل؟ همست.
سكت لحظة.
وبعدين قال أنا بحاول أطلعك من هنا قبل ما الباب يتقفل
في نفس اللحظة، سمعنا صوت تكة معدنية في الباب.
ثم صوت قفل بيتحرك.
الرجل صرخ لأول مرة لأ ده اتقفل من جوه!
كريم شدّني ناحية اليمين بسرعة امشي وراي.
رايح فين؟ أنا مش شايفة حاجة!
عشان كده لازم تثقي فيّ.
كلمة تثقي كانت أصعب كلمة أسمعها منه بعد كل اللي حصل.
لكن قبل ما أقرر، الأرض تحتنا اهتزت اهتزاز خفيف كأن في آلية بتشتغل في البيت نفسه.
وفتح في الحيطة صوت صفير خافت.
كريم وقف فجأة فات الوقت.
وقت إيه؟!
لكن ما ردش.
بدل ما يجاوب سحبني بقوة ناحية زاوية الغرفة.
إيدي لمست حاجة باردة جدًا معدن.
باب صغير.
مش باب الغرفة باب في الحيطة نفسها.
الرجل من ورا قال بصوت متوتر كريم، لو فتحتها دلوقتي هتخسر كل حاجة!
كريم رد عليه لأول مرة بعصبية أنا خسرت كل حاجة من زمان.
ثم بص لي في الظلام وصوته هدى فجأة بشكل مخيف سارة لو خرجتي من الباب ده، اعتبري إن حياتك اللي فاتت انتهت.
بلعت ريقي وإنت؟
سكت.
ثانية.
ثانيتين.
ثم قال أنا أصلًا مخرجتش منها.
وفي اللحظة دي الباب المعدني اتفتح فجأة.
هوى بارد ضرب وشي.
وصوت بعيد جدًا زي إنذار بدأ يعلو.
كريم دفعني للداخل بسرعة امشي!
صرخت كريم!
لكن الباب بدأ يقفل
وفي آخر لحظة شفته.
واقف في الظلام مواجه للرجل.
وابتسامة خفيفة ظهرت على وشه لأول مرة.
ثم انقطع كل شيء.