اعتنيتُ بزوجي الغارق في الغيبوبة ثلاث سنوات كاملة.. أطعمتُه بيدي، وبدّلتُ ثيابه، وسهرتُ بجوار سريره كل ليلة.
المحتويات
قبل ما يطلع، كأنه اتسحب مني فجأة.
عينيه كانت مفتوحة لكن مش نفس نظرة الحياة اللي كنت أحلم بيها طول السنين دي.
فيها وعي تقيل غريب كأنها عينين واحد عارف أكتر مما لازم أعرفه أنا.
رجعتي بدري النهارده
نفس الجملة نفس نبرة الصوت كأنه بيتكلم من مكان بعيد جوّه الزمن، مش من جسد كان المفروض يكون ميت بالحركة.
اتكلمت بصوت مكسور كريم إنت إنت بتتكلم؟
سكت لحظة.
وبعدين ابتسم.
بس الابتسامة دي ما كانتش دافية كانت باردة، محسوبة، كأنها اتدرب عليها قبل كده.
من زمان وأنا بسمعك بس إنتي اللي كنتي مش سامعة.
رجلي ما قدرتش تشيلني. مسكت طرف السرير وأنا بحاول أفهم هل أنا بحلم؟ هل انهرت نفسيًا؟
لكن الأجهزة كانت شغالة طبيعي.
وصدره بيطلع وينزل بشكل أهدى من أي مريض غيبوبة.
بل أهدى من الطبيعي نفسه.
اقتربت منه خطوة إيه اللي بيحصل؟ مين الراجل اللي كان هنا؟ إيه السروال اللي لقيته؟
عينيه لمعت لحظة.
ثم قال بهدوء أربكني إنتي دخلتي في حاجة ماكانش مفروض تلمسيها.
قبل ما أرد، سمعت صوت حركة خفيفة عند باب الغرفة.
التفتت بسرعة.
مافيش حد.
لكن الباب كان مفتوح نص فتحة.
هو ما بصّش للباب.
كأنه عارف إن اللي هناك مش محتاج يبقى ظاهر.
رجعت بصيت له تاني.
ساعتها لاحظت حاجة صغيرة مرعبة.
إيده.
مش إيد مريض.
فيها أثر ضغط وكدمة قديمة كأنها كانت
همست إنت كنت صاحي طول الوقت؟
سكت.
وبعدين قال جملة واحدة قلبت كل اللي أعرفه عنه
أنا ماكنتش نايم أنا كنت مستنيكي ترجعي.
وفي اللحظة دي
النور في الغرفة خفّ لوحده.
وصوت جهاز الأوكسجين بدأ يعلو بشكل غير طبيعي.
كأن في حد بيقفل على الحقيقة جوه الغرفة.
وقبل ما أتحرك
سمعت خطوات بطيئة جدًا جاية من الممر.
خطوات داخل البيت متجهة لينا مباشرة تجمّدتُ في مكاني، والخطوات كانت بتقرب ببطء منتظمة بشكل يخوّف أكثر من السرعة نفسها.
خطوة خطوة ثم توقّف عند باب الغرفة.
لم يدخل فورًا.
كأنّه يستمع.
كريم لم يتحرك، لكن عينيه اتجهت ناحية الباب بهدوء مريب.
هو رجع بدري النهارده برضه قالها بصوت منخفض، كأنه بيعلّق على شيء عادي جدًا.
قلبي وقع.
مين هو؟ همست.
قبل ما يرد، الباب اتفتح.
ودخل رجل.
نفس الرجل اللي شوفته في التسجيل.
لكن المرة دي وجهه كان واضح.
رجل في أواخر الأربعينات، ملامحه هادئة بشكل مزعج، لابس ملابس داكنة، وعطره نفسه اللي شمّيته قبل كده وصل للغرفة قبل ما يوصل هو.
وقف عند الباب، وبصّ عليّا مباشرة.
ثم ابتسم قلت لك قبل كده ما كانش لازم ترجعي الساعة دي.
رجعت خطوة لورا، وصوتي خرج أخيرًا إنت مين؟ وبتعمل إيه في بيتنا؟!
الرجل تجاهلني وبصّ لكريم بدلًا مني.
جاهز؟ قالها بهدوء.
كريم رد بنفس البرود متأخر شوية بس مفيش مشكلة.
اتسعت عيني.
جاهز لإيه؟! صرخت.
ساعتها حصل شيء ما توقعتوش.
كريم حاول يقعد ببطء وبأيدين بترتجف لأول مرة.
مش ارتجاف مريض ارتجاف شخص بيستعيد حاجة اتسحبت منه بالقوة.
الأجهزة بدأت تطلق صوت إنذار خفيف.
لكن مفيش حد اتحرك لإيقافها.
الرجل اقترب من السرير، وبدأ يفصل الأجهزة واحدة واحدة، بهدوء شديد، كأنه بيشيل أقنعة عن حقيقة كانت مستخبية.
كفاية تمثيل قالها وهو بيبصّ لكريم.
ثم التفت ليّ جوزك ماكانش في غيبوبة من تلات سنين زي ما قالولك.
تجمدت.
كريم ما بصّليش.
بس قال جملة أخف من الموت نفسه أنا كنت في مكان تاني وهي كانت السبب إني أرجع.
رجلي ما بقيتش شايلاني.
أنا؟! همست.
الرجل هزّ رأسه إنتي كنتي السبب في إنك تعيشي في وهم وهو كان السبب في إنه يختار يختفي.
سكون ثقيل نزل على الغرفة.
ثم أكمل اللي حصل في حادثة الشوف ما كانش حادثة كاملة.
في اللحظة دي، الصورة كلها اتكسرت جوا دماغي.
كريم رفع عينيه أخيرًا وبص لي مباشرة.
بس المرة دي مفيش غموض.
فيها قرار.
وفيها نهاية جايه.
وقال بهدوء أنا ما كنتش نايم يا سارة أنا كنت باختار أبعد عنك.
صوت الإنذار علا أكتر.
والرجل قال آخر جملة قبل ما الغرفة تدخل في فوضى كاملة
والليلة الاختيار ده هينتهي في لحظة واحدة كل شيء في الغرفة انفلت.
صوت جهاز الأوكسجين تحوّل لصافرة طويلة حادة، كأنها بتعلن عن انهيار شيء مش مجرد قراءة طبية.
والنور بدأ يومض.
مرة يضوي، مرة يطفى.
كأن الغرفة بتتنفس بصعوبة.
كريم كان بيحاول يقعد، لكن إيده وقعت على السرير كأنه لسه بيتعلم يستخدم جسده من جديد. عينيه ما كانتش ضايعة كانت مركزة بشكل مخيف على الرجل اللي واقف عند الباب.
أما أنا فكنت واقفة بين الاثنين، مش قادرة أقرر أهرب؟ أصرخ؟ ولا أفهم الأول؟
الرجل قرب منّي خطوة مفيش وقت لأسئلة كتير.
مسك ذراعي بهدوء، بس قبضته كانت قوية بشكل خلا قلبي يقفز.
سيبني! حاولت أزقه، لكنه ما اتحركش.
كريم قال فجأة بصوت أعلى من الأول سيبها.
الجملة كانت أمر مش رجاء.
الرجل بص له، وكأنه بيقيم موقف لسه بتحميها؟ بعد كل اللي حصل؟
كريم ضحك ضحكة قصيرة، مرّة أنا ما بطلتش.
ثم رفع عينه ليّ.
وفي اللحظة دي حسّيت إن في جزء منه بيرجع لورا، وجزء تاني بيطلع للنور لأول مرة.
اسمعيني يا سارة قالها بهدوء مختلف. أنا ماكنتش في غيبوبة. أنا كنت في برنامج عزل.
سكت لحظة، كأنه بيختار كل كلمة بعناية.
بعد حادثة الشوف اكتشفوا إن في ناس كانوا عايزين يموتوني مش يخلّوني أعيش.
اتجمدت.
الرجل عند الباب أكمل مكانه وكأنه مش مستعجل، لكن عينه كانت على الساعة.
كريم كمل وإنتي كنتي الغطاء الوحيد اللي يخلّي العالم
رجعت خطوة لورا أنا؟ أنا كنت بعتني بيك! أنا فضلت معاك تلات سنين!
صوته هدى أكتر عارف.
دي كانت
متابعة القراءة