أبويا كان متجوز على أمي جارتنا اللي ساكنة في الوش لمدة 25 سنة كاملة، ومش بس كده، ده كمان مخلف منها بنتين..

لمحة نيوز

مرة حاسّة إنه مش تقيل.
وقفت، بصت للسما وقالت عارفة يا أمنية أصعب حاجة مش إنك تكتشفي الخيانة أصعب حاجة إنك تعيشي سنين وإنتي عارفة وتسكتّي.
بصتلها وقلت ليه سكتي كل ده؟
ردت بهدوء كنت بحافظ على نفسي لحد ما جه اليوم اللي فهمت فيه إن السكوت بقى بيكسرني مش بيحميني.
ركبنا العربية، وهي أول مرة تسوق من سنين.
وأول ما العربية اتحركت
موبايلها رن.
رسالة واحدة من أبويا
إنتي مش هتعرفي تعيشي من غيري.
أمي بصّت للموبايل وبعدين ابتسمت ابتسامة صغيرة جدًا.
وقالت أنا عشت سنين وأنا مش عايشة دلوقتي بس هجرب.
وطفّت الموبايل.
وسابت وراها مش راجل بس.
سابت حياة كاملة كانت بتستنزفها وهي ساكتة بعد ما قفلت الموبايل، العربية فضلت ساكتة شوية صوت الموتور بس هو اللي ماشي معانا.
أنا بصتلها من غير كلام، وهي كانت مركزة في الطريق كأنها بتسوق مش بس عربية بتسوق عمرها كله بعيد عن مكان تقيل.
بعد نص ساعة، وقفنا قدام عمارة صغيرة في حي هادي.
سألتها إحنا هنا ليه؟
قالت بهدوء الشقة دي باسمي من زمان كنت مأجرها ومسيباها فاضية.
نزلنا، وفتحَت الباب.
أول ما دخلنا ريحة هدوء. مفيش زحمة، مفيش ذكريات خانقة، مفيش أصوات حد بيبرر نفسه.
أمي قعدت على كنبة قديمة وقالت وهي بتبص حوالين المكان غريب
أنا طول عمري كنت فاكرة إن الوحدة وحشة بس طلعت أرحم من الزحمة اللي فيها وجع.
أنا قعدت جنبها وقلت وهو كده خلاص؟ كل حاجة انتهت؟
هزت راسها لا دي بدأت.
في نفس الوقت، موبايلها اللي رجعته تاني على الصامت بدأ يرن تاني وتالت رسائل من أبويا، ومن قرايب، ومن ناس كانت قاعدة في العزومة.
لكنها ما بصّتش.
بس مرة واحدة بس فتحت الرسائل وقرأت واحدة.
كانت من مدام إسعاد إنتي بوظتي بيتنا.
أمي سابت الموبايل على الترابيزة وقالت بهدوء أنا ما بوظتش حاجة أنا بس نورت اللي كان مستخبي.
وبعدين قامت فتحت الشباك.
هوا الليل دخل قوي، كأنه بيغسل المكان.
قالتلي وهي واقفة أتعرفي يا أمنية؟ أنا مش ندمانة إني استحملت أنا ندمانة إني استنيت كتير قبل ما أقرر أعيش لنفسي.
وفي اللحظة دي، الباب خبط.
خبطة واحدة.
وبعدين تانية.
سكتنا.
أنا قلبي دق بسرعة مين؟
أمي قربت من الباب وقفت لحظة وبعدين فتحته.
كان واقف أبويا.
مش بنفس الشكل.
مكسور شوية وعيونه فيها حاجة جديدة خوف مش غضب.
قال بصوت أقل من المعتاد هدى أنا مش جاي أبرر.
أمي ما ردتش.
هو كمل أنا جاي أقولك إن البيت من غيرك ملوش صوت.
سكت.
أمي بصتله نظرة طويلة، وبعدين قالت
متأخر.
هو قال بسرعة أصلح نبدأ من جديد
لكنها قاطعته
اللي اتبني على
السكوت سنين ما بيتصلحش بكلمة.
لحظة صمت طويلة.
وبعدين أبويا نزل عينه لأول مرة.
وأمي قالت آخر جملة وهي بتقفل الباب بهدوء من غير عنف
أنا مش ضدك يا عبد السميع أنا بس بقيت مع نفسي.
والباب اتقفل.
مش بعنف.
لكن بنهاية واضحة جدًا.
ورجعت قعدت جنبي.
وقالت النهاردة أول ليلة في حياتي ما فيهاش خوف.
وأنا لأول مرة فهمت إن الحرية مش إنها تهربي من حد
الحرية إنك ما ترجعيش لنفسك القديمة تاني الليل في الشقة كان هادي بشكل غريب هدوء ما فيهوش توتر لأول مرة.
أمي قعدت على الكنبة، إيديها متشابكة، مش بتتكلم. وأنا جنبها، مستنية أي كلمة تقطع السكون ده.
بعد شوية، قالت بصوت منخفض أنا كنت فاكرة إن أول يوم حرية هيبقى فرح بس طلع هدوء.
ابتسمت ابتسامة خفيفة والهدوء ده أغرب إحساس مر عليا.
فجأة، الموبايل رن تاني رقم غريب.
ردت أمي.
صوت رجل من الطرف التاني مدام هدى؟ حضرتك محتاجة تيجي بكرة الصبح القسم عشان في بلاغ بيتجهز بخصوص مستندات وأموال.
أنا بصيت لها بقلق قسم إيه؟!
لكن أمي كانت ثابتة.
قالت بهدوء تمام هاجي.
قفلت.
أنا اتخضيت إنتي عملتي حاجة؟ أبويا عمل حاجة؟
أمي وقفت وبصتلي في حاجات كانت ماشية طول السنين بشكل مش واضح وأنا قررت أفتحها بدل ما تفضل مستخبية.
سكتت لحظة وبعدين
قالت أنا ما بدأتش حرب أنا بس بطّلت أحمي نظام كان بيستنزفني.
تاني يوم الصبح
روّحنا على القسم.
كان في توتر في الجو، بس أمي داخلة كأنها داخلة مكان متعوده عليه، مش خايفة.
بعد شوية، دخل ضابط كبير، وبص في الورق وبعدين بص لأمي حضرتك عندك مستندات بتحكي عن تحويلات وأملاك وأسماء وده ممكن يفتح ملف كبير.
أبويا كان موجود هناك بالفعل.
واقف على جنب، مش زي الأول مفيش هيبة، مفيش صوت عالي.
بس لما شافنا، قال بسرعة هدى احنا نقدر نحل ده بينا.
أمي بصتله وقالت لو كان ينفع بينا ما كناش وصلنا هنا.
الضابط قال إحنا هنراجع كل حاجة بهدوء.
أبويا لفّ وشه ناحيتها وقال بصوت واطي إنتي عايزة توصلي لإيه؟
أمي ردت مافيش وصول في بس رجوع للحق.
سكت.
وبعد لحظات، اتاخد الملف.
وأول مرة أشوف في وش أبويا حاجة شبه الانكسار الحقيقي.
لكن أمي ما فرحتش وما انتقمتش.
بس قالتلي وهي طالعة الغلط مش بنشيله بغضب الغلط بيتشال بقرار.
رجعنا الشقة.
والليل ده الموبايل ما رنّش.
ولا رسالة وصلت.
بس لأول مرة كان في إحساس إن الحياة بدأت تهدى مش لأنها انتهت قصة، لكن لأن الست دي قررت توقف تكون جزء من وجعها القديم.
وقبل ما تنام، قالتلي اللي جاي مش سهل يا أمنية بس على الأقل هيبقى حقيقي.
وأنا بصتلها وفهمت
حاجة مهمة
مش كل بداية بتبقى سعيدة
بس في بدايات بتبقى صادقة، وده لوحده كفاية يغيّر العمر كله.

تم نسخ الرابط