أبويا كان متجوز على أمي جارتنا اللي ساكنة في الوش لمدة 25 سنة كاملة، ومش بس كده، ده كمان مخلف منها بنتين..
المحتويات
كنت قاعدة جنب أمي، وحاسة إن في حاجة هتحصل بس مش قادرة أفهم إيه.
الساعة 9 بالظبط أمي وقفت.
خبطت كوباية العصير بخفة على الطرابيزة، فالصوت سكت كل الهمس.
وقالت بهدوء
قبل ما نقطع التورتة عندي كلمة صغيرة.
أبويا ابتسم اتفضلي يا هدى يومك.
هي بصتله ثانيتين بس نظرة طويلة، غريبة، مش نظرة غضب نظرة شخص قرر يخلّص ملف قديم.
وقالت
28 سنة وأنا عايشة في بيت واحد بس عمري ما كنت غافلة.
سكتت لحظة، والقاعة كلها اتجمدت.
أبويا ضحك ضحكة صغيرة إيه الكلام ده؟ يوم عيد ميلادك يا هدى بلاش دراما.
لكن أمي كملت، وكأنها ما سمعتش
أنا عارفة كل حاجة من أول يوم دخلت فيه مدام إسعاد الشقة اللي قدامنا.
الهمس بدأ يزيد.
مدام إسعاد بصت في الأرض.
وأبويا وشه بدأ يتغير.
أمي رفعت إيديها ناحية الطرابيزة وقالت وعارفة كمان إن الكرم مش دايمًا بيبقى كرم ساعات بيبقى هروب.
أبويا وقف فجأة إنتي بتقولي إيه قدام الناس؟!
لكن قبل ما يكمل، أمي مدت إيدها وفتحت شنطة صغيرة كانت جنبها على الكرسي.
طلعت منها ظرف كبير سميك.
وحطته قدامه على الترابيزة.
وقالت بهدوء مرعب
ده مش فضيحة ده ترتيب.
القاعة سكتت لدرجة إن صوت التكييف بقى عالي.
أمي بصت لكل الموجودين، وقالت
أنا ما جبتكوش عشان أفضح حد أنا جبتكم عشان تعرفوا الحقيقة
وبعدين بصت لأبويا تحديدًا
البيت ده انتهى من زمان أنت بس كنت الوحيد اللي عايش جواه.
لحظة صمت وبعدها مدّت إيديها للمفتاح اللي في جيبها وحطته على الترابيزة جنب الظرف.
وقالت آخر جملة
كل واحد فيكم حر بس أنا أخيرًا بقيت حرة.
وساعتها بس فهمت إن عيد ميلادها ال مش احتفال.
كان إعلان بداية مش نهاية القاعة كلها كانت متجمدة كأن الزمن وقف عند اللحظة دي بالظبط.
أبويا بص للظرف وبعدين بص لأمي وبعدين رجع بص للناس حواليه كأنه بيدور على مخرج من موقف مش قادر يستوعبه.
بصوت عالي حاول يسيطر بيه على ارتباكه إنتي بتعملي إيه؟ إنتي فاكرة إنك كده بتكسبي حاجة؟
أمي ابتسمت بس المرة دي الابتسامة كانت مختلفة تمامًا.
وقالت بهدوء أنا مش بكسب يا عبد السميع أنا بخلص حسابات.
مدامت إسعاد قامت نص قومة في إيه يا هدى؟ إحنا مالناش دعوة!
أمي بصت لها لأول مرة بشكل مباشر وقالت إنتي بالذات ليكي كل الدعوة.
سكون تاني أثقل من الأول.
أمي مدت إيدها تاني وفتحت الظرف وطلعت ورق كتير، متقسم بعناية، كأنه متحضّر من سنين.
حطته قدام أبويا وقالت ده مش ورق محكمة ده تلخيص 28 سنة.
أنا كنت بتفرج ومش مستوعبة، قلبي بيدق بسرعة.
أبويا بص للورق وشه بدأ يبهت.
لأنه لأول مرة، كان شايف اسمه مكتوب
أمي كملت كل تحويل، كل دعم، كل تعليم، كل مجاملة باسم الثواب اتسجل.
سكتت لحظة، وبعدين قالت الجملة اللي كسرت كل حاجة
وأنا ما رفعتش قضية عشان كنت مستنياك ترفع أنت نفسك عن البيت ده.
أبويا اتنرفز إنتي عايزة إيه؟ طلاق؟ فضيحة؟ فلوس؟
أمي هزت راسها بهدوء أنا كنت عايزة احترام بس بما إن ده ماحصلش يبقى عايزة راحتي.
وبعدين بصت على مدام إسعاد وقالت والبيت اللي قدامنا أنا كنت شايفة كل حاجة فيه زي ما كنت شايفة بيتي بالظبط.
مدام إسعاد صوتها ارتعش إنتي إنتي عارفة إيه؟
أمي ردت بجملة قصيرة جدًا أكتر مما تتخيلي.
القاعة بدأت تتقسم همس هنا، صدمة هناك، حد بيقوم يمشي، وحد مش قادر يصدق.
وفجأة
أمي خدت نفس عميق، وقالت
النهاردة مش نهاية حكاية حد النهاردة بداية حقي أنا.
وبهدوء شديد، خدت شنطتها.
وبصتلي أنا لأول مرة بنظرة مختلفة فيها طمأنينة غريبة.
وقالت يلا يا أمنية إحنا ما بقيناش هنا.
ومشت ناحية الباب.
وفي اللحظة اللي أبويا حاول يتكلم فيها، صوته ماطلعش.
لأنه لأول مرة ماكانش لاقي جملة يبرر بيها نفسه.
والباب اتقفل وراها
بس اللي ما اتقفلش كان صفحة كاملة من حياتنا الهدوء اللي بعد ما خرجت أمي كان أقسى من أي صراخ.
مش لأن الصوت اختفى لكن لأن كل
أنا خرجت وراها بسرعة، ولقيتها واقفة عند باب الشقة، ماسكة المفتاح في إيدها كأنه حاجة خفيفة جدًا، رغم إنه كان تقيل على سنين كاملة.
قلت لها بصوت مكسور ماما إنتي رايحة فين؟
بصّتلي وابتسمت لأول مرة بصدق، مش زي ابتسامتها طول الليلة.
وقالت رايحة أبدأ بيت مفيهوش حد بيستنزفني وأنا بسكت.
سكتت لحظة وبعدين كملت أنا ماكنتش نايمة يا أمنية أنا كنت بصحى كل يوم وبكمل.
وفي اللحظة دي، باب الشقة اتفتح وطلع أبويا بسرعة، وشه مش متزن، وصوته أقل من الأول هدى استني خلينا نتكلم لوحدنا.
أمي بصتله بهدوء غريب اتأخر الكلام يا عبد السميع.
هو قرب خطوة إنتي فاهمة الموضوع غلط وإنتي مكبّرة كل حاجة.
أمي هزت راسها لا أنا صغّرت نفسي كتير قوي عشان أديك مساحة تكبر فيها براحتك.
سكت.
لأول مرة ماكانش عنده رد.
مدام إسعاد كانت واقفة من بعيد، مش قادرة تقرب ولا تمشي، كأن وجودها نفسه بقى عبء.
أمي بصّت لها وقالت بهدوء مش أنا اللي هحاسبك الحياة هتعمل كده لوحدها.
وبعدين رجعت بصت لأبويا أنا كنت ست واحدة بس بس كنت شايلة بيتين بيتك الحقيقي وبيتك اللي إنت اخترته براحتك.
هو حاول يتكلم، بس أمي رفعت إيدها مش عايزة أسمع.
وبعدين أخدتني من إيدي ومشينا.
نزلنا على السلم، وكل
ولما وصلنا تحت العمارة، كان في هوا خفيف لأول
متابعة القراءة