وأنا عندي ١٢ سنة، شفت أمي واقفة بتتكلم وتضحك مع مديرها في جراج الشركة

لمحة نيوز

قدام شاهد القبر رجلي اتهزت.
كان مكتوب
نادية حسن عبد الرحيم
أم رحلت مبكرًا.
أم.
الكلمة وجعتني أكتر من أي حاجة.
سارة بدأت تعيط بهدوء، ومريم وقفت جامدة تبص للاسم كأنها بتحاول تفتكر ملامحها.
أما أنا فقعدت على ركبتي قدام القبر.
وطلعت الجواب من شنطتي.
فضلت ساكتة شوية وبعدها همست
أنا تعبت أوي يا ماما.
الدموع نزلت رغمًا عني.
كنتِ لازم تقوليلي بدري قبل ما تمشي.
الهوا كان بارد، والدنيا حوالينا هادية بشكل غريب.
بس أنا مسامحاكي.
أول ما قلتها، حسيت بحاجة جوايا بتتفك.
مش نسيان لأن بعض الوجع عمره ما بيتنسي.
لكن سلام.
سلام لأول مرة من سنين.
وأنا ماشية من المقابر، بصيت لأبويا.
كان شعره شاب، ووشه مليان تعب السنين لكنه ابتسملي ابتسامة صغيرة.
وفجأة أدركت حاجة مهمة.
أمي كانت الفصل اللي كسرنا
لكن أبويا كان الفصل اللي أنقذ اللي باقي مننا.
ومهما حصل، عمري ما هنسى الراجل اللي وقف يحاول يجمع بناته بإيد واحدة بينما قلبه نفسه كان مكسور بعد زيارة المقابر بأيام، الحياة رجعت تمشي بس بشكل مختلف.
بقينا أهدى.
كأن البيت أخيرًا بطل يجري من الذكريات.
وفي ليلة، كنت قاعدة مع بابا في البلكونة.
هو بكوباية الشاي بتاعته، وأنا ساكتة بتفرج على الشارع.
فجأة سألته
إنت سامحتها؟
فضل ساكت شوية، وبعدين ابتسم ابتسامة صغيرة
متعبة.
المسامحة مش زرار بندوس عليه يا ڤاليري دي رحلة طويلة.
بصيتله وأنا مستنية يكمل.
قال وهو مركز في الشارع
في سنين كنت زعلان فيها جدًا وسنين تانية كنت فاقد حتى طاقة الزعل. بس في الآخر فهمت إن الكره كان بيتعبني أنا أكتر ما بيتعبها.
سكت لحظة، وبعدها ضحك بخفة
وبعدين كان عندي ٣ بنات محتاجين أب واقف على رجليه مش راجل غرقان في الماضي.
الكلام لمس قلبي.
لأول مرة استوعب قد إيه أبويا كان بيحارب بصمت.
ما اشتكاش.
ما وقعش قدامنا.
حتى وهو مكسور، فضل سند.
بعدها بشهر، سارة دخلت الجامعة.
ومريم بدأت شغل جديد في حضانة أطفال.
والبيت اللي فضل سنين مليان وجع بدأ يدخله صوت ضحك تاني.
مش نفس الضحك القديم.
لكن ضحك ناضج طالع من ناس نجت.
وفي يوم، وأنا برتب الدولاب، لقيت صندوق قديم كنت خبّيته من سنين.
فتحته، ولقيت جواه كارت كنت عاملاه في المدرسة وأنا صغيرة.
كان مكتوب فيه بخط طفولي
عيد أم سعيد يا ماما.
وقفت أبصله شوية وبعدها ابتسمت وسط دموعي.
زمان كنت ببص للكارت ده وأحس بغضب.
المرة دي حسيت بحنين.
حنين لطفلة كانت محتاجة 
قفلته بهدوء، ورجعته مكانه.
لأن بعض الذكريات ما بتتصلحش
بس بنتعلم نعيش معاها من غير ما تكسرنا كل مرة.
وفي آخر اليوم، وإحنا قاعدين كلنا على السفرة، سارة ضحكت على حاجة مريم قالتها، وأبويا
هز راسه وهو بيبتسم.
بصيتلهم وحسيت بدفا غريب.
يمكن عيلتنا ما رجعتش كاملة أبدًا.
لكن رغم كل اللي حصل
إحنا نجينا بعد شهور، وفي صباح شتوي هادي، كنت خارجة للشغل لما لقيت راجل كبير واقف قدام باب العمارة.
لابس جاكيت قديم، وماسك ظرف بني في إيده، وعينيه مليانة تردد.
أول ما شافني، سأل بهدوء
إنتِ ڤاليري؟
وقفت مكاني باستغراب.
أيوه حضرتك مين؟
مدّلي الظرف وقال
أنا كنت شغال مع والدتك زمان وهي طلبت مني أوصلك ده في الوقت المناسب.
قلبي دق بسرعة.
أخدت الظرف بإيدي، وأنا حاسة إن الماضي بيرجع يفتح بابه تاني.
الراجل ابتسم بحزن خفيف وقال
والدتك كانت بتتكلم عنكم طول الوقت خصوصًا إنتِ.
ومشي قبل ما ألحق أسأله أي حاجة.
طلعت شقتي بسرعة وقفلت الباب ورايا.
إيديا كانت بتترعش وأنا بفتح الظرف.
جواه كان فيه مفتاح صغير ورسالة قصيرة.
لو بتقري الرسالة دي، يبقى أنا ماقدرتش أقولك كل حاجة بنفسي.
في شقة صغيرة كنت بأجرها زمان في المعادي. كل حاجة جواها ليكم.
سامحيني على كل سنين الغياب.
فضلت باصة للمفتاح ثواني طويلة.
وفي نفس اليوم، أخدت سارة ومريم وروحنا العنوان.
العمارة كانت قديمة، والبياع اللي تحتها قال إنه فاكر أمي كويس.
طلعنا الدور التالت.
وإيدي كانت بتترعش وأنا بفتح الباب.
الشقة كانت صغيرة جدًا بس نضيفة ومرتبة،
كأن حد لسه سايبها امبارح.
ريحة خفيفة من البرفان القديم كانت لسه موجودة.
سارة دخلت ببطء، وعينيها بتلف في المكان.
أما مريم فوقفت فجأة.
على الحيطة كان فيه عشرات الصور.
صور لينا.
أنا في حفلة التخرج.
سارة في المدرسة.
مريم وهي بتضحك على البحر.
صور ماكنّاش نعرف أصلًا إن حد صورها.
سارة شهقت وهي تقرب من الحيطة
دي كانت بتتابعنا
لقيت دفتر فوق الترابيزة.
فتحته وكان مليان تواريخ وملاحظات بخط أمي.
ڤاليري بدأت شغل جديد النهاردة.
مريم شكلها بقت بتحب الرسم.
سارة دخلت ثانوي يا رب تكون مبسوطة.
الدموع نزلت من غير ما أحس.
هي ما رجعتش
بس عمرها ما بطلت تبص علينا من بعيد.
وفجأة مريم قعدت على الكنبة وعيطت لأول مرة من سنين.
ليه ما رجعتش وخلاص؟!
ماحدش عرف يرد.
لأن بعض الناس بيضيعوا في غلطاتهم لدرجة إنهم مايعرفوش طريق الرجوع حتى لو نفسهم.
قبل ما نمشي، لقيت صندوق خشب صغير جوه الدولاب.
فتحته
وكان جواه سلسلة فضة عليها ٣ حروف صغيرة
V M S
ڤاليري.
مريم.
سارة.
ومعاها ورقة مطوية.
بناتي
أكتر حاجة ندمت عليها في حياتي، إني سيبتكم تكبروا من غير ما تعرفوا إني كنت بحبكم كل يوم.
يمكن ماكنتش أم شاطرة لكن عمري ما نسيتكم.
أرجوكم ما تكرهوش نفسكم بسبب أخطائي.
حضنت الورقة لصدري وعيطت.
لكن المرة دي دموعي ما كانتش كلها وجع.

كان فيها راحة أخيرًا.
راحة إن البنت الصغيرة اللي فضلت سنين فاكرة إنها السبب
اكتشفت متأخر أوي إنها كانت بس طفلة قالت الحقيقة.

تم نسخ الرابط