وأنا عندي ١٢ سنة، شفت أمي واقفة بتتكلم وتضحك مع مديرها في جراج الشركة
وأنا عندي ١٢ سنة، شفت أمي واقفة بتتكلم وتضحك مع مديرها في جراج الشركة بطريقة غريبة خلتني أحس إن في حاجة مش طبيعية. جريت على البيت وحكيت لأبويا. تاني يوم، لمّت هدومها في شنطة سفر، بصّتلي كأني أنا السبب، وقالتلي
كل ده بسببك.
. ما عيطتش. سابتني أنا وأختين صغيرين، ومشيت وسابت الجملة دي مدفونة جوا قلبي سنين.
شفتها في جراج الشركة.
أمي، نادية... نفس الست اللي كانت طول الوقت تتكلم عن الأخلاق والسمعة، كانت واقفة تضحك مع مديرها، ضحكة عمرنا ما كنا بنسمعها في البيت.
كنت واقفة ورا عربية فول، شايلة شنطتي المدرسية وحاضناها جامد، وحاسة إن حاجة جوايا بتتكسر من غير صوت.
كان عندي ١٢ سنة.
في السن ده، لسه بتصدق إن الأهل ما بيكدبوش وإن البيوت ما بتقعش وإن الأم مهما حصل بترجع.
رجعت البيت وأنا برتعش.
أبويا، حسن، كان واقف في المطبخ بيسخن الأكل ليا ولأخواتي. أول ما شافني، طفّى النار فورًا.
مالك يا ڤاليري؟
كنت عايزة أسكت بس الكلام خرج مني غصب.
ماما كانت واقفة مع الأستاذ سامح في الجراج.
أبويا ما اتكلمش. فضل ساكت، باصص قدامه كأنه فجأة اتسحب منه الكلام كله.
ما نمتش الليلة دي.
سمعت صوتهم بيتناقشوا ورا الباب، وأمي متعصبة، وأبويا صوته مكسور.
تاني يوم الصبح، أمي طلعت شنطة حمرا من الدولاب.
أختي مريم كانت بتعيط، وسارة الصغيرة حاضنة الدبدوب بتاعها ومش فاهمة حاجة.
وأنا كنت واقفة في الصالة، إيديا ساقعة من التوتر.
قلت لها
إنتِ ماشية؟
قفلت الشنطة بعنف وبصّتلي بنظرة عمري ما نسيتها.
كل ده بسببك يا ڤاليري.
حسيت إن الكلام خبطني في قلبي.
أنا بس قلت اللي شفته
لو كنتِ سكتي، ما كانش كل ده حصل.
قالتها بهدوء قاسي،
عدّت من جنبي من غير كلمة من غير حتى ما تبصلي تاني.
والباب اتقفل.
وفي اللحظة دي، حسيت إن طفولتي كلها اتقفلت معاه.
في الشهور اللي بعد كده، حياتنا اتغيرت.
أبويا بقى يحاول يعمل كل حاجة لوحده. يتعلم يسرح شعر سارة، ويحضر الأكل، ويحاول يضحك رغم التعب اللي باين في عينيه.
ومريم بقت تخاف تنام لوحدها، وأنا بقيت أصحى بدري أجهز السندوتشات وأهتم بأخواتي.
كبرت بدري أوي.
وفي كل مرة كنت أفتكر كلام أمي السؤال كان يرجع يوجعني
هو أنا فعلًا السبب؟
أبويا عمره ما لامني. أبدًا.
بس عمره ما رجع زي الأول.
بطل يضحك كتير.
بطل يشغل الأغاني الصبح.
وبطل يقول إن كل حاجة هتبقى بخير.
ومع الوقت اتعودنا نعيش بالنقص اللي سابته.
لحد ما وصلت ٢٤ سنة.
اليوم ده، كنا قاعدين حوالين السفرة نضحك ونحاول نفرح زي أي عيلة طبيعية.
بعد ما الكل مشي، سارة دخلت أوضتي ومعاها ظرف قديم.
قالتلي بصوت متردد
يا ڤاليري لقيت ده فوق عند بابا.
فتحت الظرف بإيدي المرتعشة.
كان فيه صورة قديمة لأمي وجواب مقفول وورقة صغيرة عليها اسمي بخط إيدها.
سارة بصتلي بخوف وقالت
أظن لازم تعرفي الحقيقة كلهاإيدي كانت بتترعش وأنا بفتح الورقة.
الخط فعلًا كان خط أمي.
نفس الخط اللي كانت تكتب بيه ملاحظات المدرسة على التلاجة ونفس الطريقة اللي كانت تكتب بيها اسمي وهي مزوقة حرف الي.
خدت نفس طويل وبدأت أقرأ.
ڤاليري
لو وصلِك الجواب ده يوم، يبقى أكيد كبرتي وبقيتي قادرة تفهمي حاجات ما كنتيش هتفهميها زمان.
أنا عارفة إنكِ شايلاني ذنب وجع كبير ويمكن عندك حق.
بس الحقيقة إن البيت كان بيتكسر من قبل اليوم اللي شفتيني فيه
وقفت لحظة.
قلبي كان بيدق بعنف، وعيني بتنقل بين السطور كأني خايفة أكمل.
أنا وأبوكي كنا بنحاول نكمل عشانكم لكننا كنا تعساء. كل كلامنا بقى خناق، وكل يوم كان أصعب من اللي قبله.
ولما شفتيني في الجراج، كل حاجة اتكشفت فجأة.
أنا غلطت لما حملتك الذنب. كنت غاضبة وخايفة ومش عارفة أواجه نفسي.
إنتِ ما كنتيش السبب يا بنتي.
وقفت القراءة، وحسيت دموعي بتنزل من غير ما أحس.
الجملة دي
الجملة اللي استنيتها ١٢ سنة.
إنتِ ما كنتيش السبب.
سارة كانت واقفة ساكتة، تبصلي بخوف.
همست
كملي
بلعت ريقي وكملت.
كنت عايزة أرجع مرات كتير. بس كل مرة كنت بخاف.
خايفة تشوفوني وحشة. وخايفة أبوكم يرفضني. وخايفة أكتشف إنكم بقيتوا أحسن من غيري.
وأظن ده اللي حصل فعلًا.
آخر سطر كان مهزوز، كأنها كتبته وهي بتعيط
سامحيني لو تقدري ولو ماقدرتيش، فأنا استاهل.
فضلت باصة للورقة وقت طويل.
حاسّة إني رجعت بنت عندها ١٢ سنة وفي نفس الوقت ست كبيرة تعبت من الشيل.
سارة قربت مني بهدوء وقالت
بابا كان مخبي الجواب ليه؟
بصيت ناحية الباب المفتوح، وافتكرت أبويا وهو طول السنين دي عمره ما نطق كلمة وحشة عن أمي.
حتى بعد كل الوجع.
وفي اللحظة دي فهمت.
هو ما خبّاش الجواب عشان يكرهنا فيها
خبّاه عشان يحمينا من حيرة أكبر.
دخل أبويا الأوضة وقتها، وكان واضح من وشه إنه عرف إننا لقينا الصندوق.
بص للجواب في إيدي وتنهد.
كنت ناوي أديهولك يوم ما تبقي مستعدة.
سألته وأنا بصوت مخنوق
هي بعتته إمتى؟
سكت شوية، وبعدين قال
من ٦ سنين.
شهقت سارة
يعني كانت بتحاول تكلمنا؟
هز راسه ببطء.
أيوه بس بعدها بفترة عرفت إنها تعبت جدًا.
قلبي اتقبض.
تعبت إزاي؟
بصلي أبويا
كان عندها مرض صعب وتوفت بعد الجواب بسنة.
الدنيا سكتت حواليا.
حسيت كأن الأرض بتسحبني لتحت.
أمي ماتت؟
الست اللي فضلت سنين أتخيل رجوعها ماتت فعلًا؟
قعدت على السرير وأنا مش قادرة أستوعب.
كل الغضب اللي جوايا كل الأسئلة كل الجمل اللي كنت عايزة أقولها
راحت فجأة.
ومبقاش غير بنت صغيرة جوايا، نفسها تسمع أمها بتقول
أنا آسفة.
أبويا قرب مني لأول مرة من سنين، .
وقال بهدوء
إنتِ عمرك ما كنتِ السبب يا ڤاليري فاهمة؟
وانهرت وقتها.
عيطت ال١٢ سنة كلهم دفعة واحدة بعد الليلة دي البيت اتغير.
مش لأن أمي رجعت.
هي عمرها ما رجعت فعلًا.
لكن لأن الحمل اللي كنت شايلاه جوايا من وأنا طفلة أخيرًا وقع.
فضلت أيام وأنا أصحى من النوم وأبص للجواب فوق الكومودينو، ألمسه بإيدي كأني بتأكد إنه حقيقي.
إنتِ ما كنتيش السبب.
الجملة دي كانت بتلف في دماغي طول الوقت.
لأول مرة من سنين، قدرت أبص لنفسي من غير إحساس الذنب اللي ربيته جوايا.
بس كان في سؤال واحد لسه بيوجعني.
ليه بابا ما قالناش إنها ماتت؟
وفي يوم، وأنا بغسل المواعين، سألته.
وقف شوية وهو بينشف إيده في فوطة المطبخ، وبعدها قال بهدوء
لأنكم كنتوا لسه زعلانين وأنا ماكنتش عايز الحزن يتحول لندم.
بصيتله وسكت.
كمل بصوت متعب
كنت مستني اليوم اللي تبقوا فيه ناضجين كفاية تفهموا إن البشر بيغلطوا حتى الأمهات.
الكلام دخل قلبي بهدوء غريب.
أبويا عمره ما حاول يخلينا نكرهها.
رغم إنها سابته مكسور كان لسه بيحمينا حتى منها.
بعد كام أسبوع، سارة اقترحت نروح نزور قبرها.
مريم رفضت في الأول.
قالت بعصبية
بعد كل السنين دي؟ دلوقتي نفتكرها؟
لكن يوم الجمعة، لقيناها
الطريق للمقابر كان طويل وهادي بشكل يخوف.
وأنا طول الطريق، قلبي بيدق كأني رايحة أقابلها فعلًا.
لما وقفنا