رحت عشا خطوبة بنت خالتي، وأمي قالتلي: “روحي اقعدي مع العيال… الترابيزة دي للكبار بس.” ولما الجرسون اداني الفاتورة، رديت: “وديها للكبار اللي هناك!”…
المحتويات
ماشية ناحية الباب
سمعت طفل صغير من ترابيزة العيال بيزعق بصوت عالي
باي يا أبلة صوفيا إنتِ أحسن واحدة هنا!
ولأول مرة الليلة دي
ابتسمت بجد خرجت من المطعم والهواء البارد ضرب وشي كأنه بيفوقني.
وقفت شوية قدام الباب، باصة لانعكاسي على إزاز العربية.
وش مرهق. عيون حمرا. لكن لأول مرة من سنين راسي مرفوعة.
كنت لسه هطلب أوبر، لما سمعت صوت جري ورايا.
صوفيا استني!
لفّيت.
نور كانت طالعة تجري بالكعب العالي وهي ماسكة الفستان بإيد، وأنفاسها مقطوعة.
وقفت قدامي مباشرة، وعينيها مليانة دموع حقيقية.
أنا آسفة.
سكتت.
ثم قالت بصوت مكسور والله ما كنت أعرف إنهم هيعملوا كده.
بصيتلها ثواني طويلة.
ثم سألت بهدوء بس لما شوفتيهم بيذلوني ليه سكتي؟
الكلمة خبطتها.
نزلت بعينيها الأرض عشان طول عمرنا بنتعلم نسكت. عشان اللمة أهم. عشان ماينفعش نكسف الكبار.
ضحكت بسخرية موجوعة والصغير يتكسر عادي؟
نور بدأت تعيط فعلًا.
أنا كنت غيرانة منك يا صوفيا.
استغربت.
هي كملت بسرعة إنتِ الوحيدة اللي عرفتي تعيشي لوحدك. تشتغلي. تدفعي إيجارك. تخرجي من سيطرة أهلك. حتى وإنتِ تعبانة كنتِ حرة.
الكلام دخل قلبي بشكل غريب.
لأن عمري ما شفت نفسي قوية.
أنا بس ماكنش عندي حد يسندني.
وفجأة، باب المطعم اتفتح بعنف.
وأمي خرجت.
وشها كان متوتر، لكنها أول ما شافتني اتكلمت بنفس النبرة القديمة
مبسوطة دلوقتي؟ فضحتينا كلنا.
نور بصتلها بصدمة ماما!
لكن أمي كملت وهي مشاورالي عمرك ما عرفتي تبقي زي البنات المحترمة. دايمًا لازم تعملي مشكلة.
الكلمة دي كانت زمان كفيلة تخليني أعيط أسبوع.
لكن الليلة دي؟
حسيت بشيء جوايا اتغيّر.
بصيتلها بهدوء شديد.
وقلت البنت المحترمة مش هي اللي تسكت على إهانتها يا ماما. البنت المحترمة هي اللي تعرف قيمتها حتى لو أهلها نفسهم نسوها.
أمي اتجمدت.
لأول مرة ما لقتش رد جاهز.
نور قربت مني، ومسكت إيدي فجأة.
ماتمشيش لوحدك النهارده.
بصلها باستغراب.
قالت بابتسامة باهتة أنا فسخت الخطوبة.
شهقت إيه؟!
ضحكت بمرارة أول ما دخلنا جوه، مروان قالي بالحرف اعملي حسابك إن بنت خالتك دي مش هتدخل بيتنا بعد الجواز شكلها مشاكل.
سكتت لحظة. ثم قالت وفي اللحظة دي فهمت إنه مش مختلف عن الباقي.
الليل كان هادي حوالينا.
وأول مرة أنا ونور وقفنا جنب بعض من غير مقارنة، ولا غيرة، ولا تنافس عائلي سخيف.
مجرد بنتين تعبوا من محاولة إرضاء ناس عمرهم ما بيشبعوا.
وفجأة، موبايلي رن.
رقم غريب.
رديت بحذر ألو؟
صوت رجالي هادي قال آنسة صوفيا؟ معاكِ دكتور سليم، مدير مركز النخبة الطبي.
قلبي دق بسرعة.
أيوة؟
ابتسم من صوته كنا بنتابع شغلك من فترة وحابين نقدم لحضرتك عرض شغل جديد. مرتب أعلى بمرتين وتأمين كامل. بس بشرط.
اتوترت إيه هو؟
قال بهدوء تبقي رئيسة الفريق الجديد. لأن بصراحة إحنا محتاجين حد يعرف يقف ثابت تحت الضغط.
بصيت لأمي الواقفة بعيد ولنور
ثم ابتسمت لأول مرة من قلبي فعلًا.
لأن يمكن الليلة اللي حاولوا يصغروني فيها قدام الناس،
كانت هي نفسها اللي بدأت فيها حياتي تكبر بعد شهرين
صوفيا كانت واقفة قدام الإزاز الواسع في مكتبها الجديد بمركز النخبة الطبي، لابسة البالطو الأبيض، وشعرها مربوط بعناية، وفي إيديها ملف كامل لفريقها.
السكرتيرة خبطت بخفة دكتورة صوفيا، الاجتماع جاهز.
كل مرة تسمع كلمة دكتورة قلبها يدق بنفس الشعور.
مش غرور
إثبات.
إثبات إنها ماكنتش البنت الصغيرة اللي يقعدوها مع العيال.
دخلت قاعة الاجتماع بثبات، وبدأت تعرض خطة التشغيل الجديدة.
والناس كانت تسمعها فعلًا.
محدش قاطعها. محدش سخر. محدش قالها اسكتي عيب.
ولأول مرة حسّت إن صوتها له قيمة.
لكن المفاجأة حصلت بعد الاجتماع.
السكرتيرة قربت بتوتر في حد مستني حضرتك برا ومصر يقابلك.
خرجت باستغراب.
واتصدمت.
أبوها.
كان واقف في الريسبشن، لابس قميصه الكحلي القديم، وماسك كاب بإيده، باين عليه التردد بشكل موجع.
صوفيا اتخشبت مكانها.
أبوها عمره ما جالها شغلها.
ولا حتى سأل هي بتشتغل فين بالظبط.
قرب منها بخطوات بطيئة.
وقال من غير ما يبصلها مباشرة إزيك يا بنتي؟
الكلمة نفسها خلت قلبها يوجع.
ردت بهدوء الحمدلله.
سكت ثانية ثم مدّ لها كيس ورقي صغير.
أمك بعتتلك الأكل اللي بتحبيه.
بصت للكيس.
ريحة المحشي طلعت منه.
الأكلة اللي كانت أمها تعملها بس وقت ما تكون راضية
حست حلقها قفل.
لكنها سألت مباشرة هي بعتاك ليه؟
أبوها تنهد.
وبص حواليه كأنه محرج من نفسه.
من ساعة اللي حصل وهي مش طبيعية. الناس اتكلمت كتير بس الصراحة؟ الكلام مش هو اللي كسرها.
رفع عينه أخيرًا وبصلها.
اللي كسرها إنك وقفتي لوحدك ومحتاجتيش حد فينا.
الصمت بينهم كان تقيل.
ثم قال بصوت واطي جدًا إحنا ظلمناكي يا صوفيا.
الجملة دي
كانت كل اللي نفسها تسمعه طول عمرها.
لكن الغريب؟ لما سمعتها
ماحستش بالنشوة اللي كانت متخيلاها.
حست بحزن.
حزن على بنت صغيرة فضلت سنين تحاول تستحق حب أهلها.
أبوها بلع ريقه وقال أمك عايزة تشوفك.
صوفيا نزلت بعينيها الأرض.
وفي اللحظة دي، صورة الليلة دي كلها رجعت ترابيزة الأطفال. الفاتورة. نظرات الشماتة.
رفعت عينيها بهدوء.
وقالت أنا ممكن أسامح بس عمري ما هرجع لنفس المكانة اللي كنتوا حاطيني فيها.
أبوها هز راسه بسرعة، كأنه متقبل الحكم.
ومش طالبين ده.
سكت شوية ثم ابتسم لأول مرة.
بس أمك عملت حاجة غريبة.
استغربت إيه؟
طلع موبايله، وفتح صورة.
ولما شافتها
انفجرت ضحك رغمًا عنها.
أمها كانت قاعدة وسط أطفال العيلة في الأرض
بتوزعلهم بطاطس وجاتوه.
وأبوها قال بابتسامة خفيفة كل ما حد من الكبار يطلب حاجة تقولهم روحوا اقعدوا مع الكبار بقى ضحكت صوفيا لدرجة إن دموع نزلت من عينيها.
مش لأن الموقف كوميدي بس
لكن لأن دي أول مرة تحس إن أمها فهمت فعلًا الوجع اللي
أبوها ابتسم وهو شايف ضحكتها.
وقال بهدوء وحشتينا يا بنتي.
الكلمة نزلت دافية بشكل غريب.
لكن قبل ما ترد، تليفون الشغل
متابعة القراءة