أمي لازم تبان شيك وقدام صحابها تبقى ست هانم
المحتويات
كان نايم متكور تحت البطانية، وشه أحمر من الكحة، وصدره بيطلع صوت صفير مع كل نفس.
أما ليلى الصغيرة، فكانت حاطة الشراب في إيديها بدل رجليها من البرد.
وقفت مريم وسط الأوضة المستخبية في نص الرطوبة، وبصت حوالين نفسها.
الحيطة مشققة.
السقف فيه بقع صفرا.
والهوا داخل من الشباك كأنه سكينة.
وفجأة أخدت قرار.
رجعت المطبخ تاني، ووشها هادي بشكل خوّف كريم نفسه.
خلصت أكل؟
رفع حاجبه باستغراب آه ليه؟
كويس.
شالت الأطباق من قدامه بهدوء، وغسلتهم، وبعدها دخلت الأوضة من غير كلمة زيادة.
كريم اتنرفز إيه شغل الأفلام الهندي ده؟ ما تردي!
لكنها مردتش.
بعد نص ساعة، خرجت وهي لابسة الجاكيت، وممسكة شنطة كبيرة.
إنتِ رايحة فين؟
عند أمي.
ضحك بسخرية عشان شباك؟
بصت له أخيرًا وقالت الجملة اللي خلته يسكت
لا يا كريم عشان فهمت النهارده إن أنا وولادك آخر حاجة في حياتك.
اتجمد مكانه لحظة.
لكن غروره منعه يعتذر.
تبقي تبردي هناك براحتك.
هزت راسها بأسى إحنا أصلًا بقالنا سنين بنبرد هنا.
وشالت آدم وهو نايم، ومسكت إيد ليلى، وخرجت.
الباب اتقفل.
وصوت القفلة رجّ الشقة كلها بطريقة غريبة.
لأول مرة البيت حس إنه فاضي فعلًا.
لكن كريم كابر.
فتح ريكورد أمه تاني وهو بيتمشى في الصالة يا حبيبي يا كريم! صحباتي كلهم هيموتوا من الغيرة!
ابتسم رغمًا عنه.
وفجأة
طخ!
صوت جامد جه من البلكونة.
لف بسرعة
لقى نص
والبرد دخل دفعة واحدة كأنه إعصار.
الستاير طارت.
والنور قطع.
وقف وسط الضلمة مذهول.
وبعد ثواني سمع صوت كحة آدم في خياله.
الكحة اللي كان بيقول عليها شوية هوا.
بلع ريقه بالعافية.
أول مرة يحس إن البيت فعلًا غير صالح للعيش.
أول مرة يفهم إن مريم ماكنتش بتنكد كانت بتحاول تنقذ بيت بيتفكك.
لكن الصدمة الحقيقية جت بعدها بعشر دقايق
لما موبايله رن.
كانت أمه.
رد بسرعة ها يا أمي، الفرو عجب صحابك؟
لكن صوت سنية كان متوتر بشكل عمره ما سمعه
إلحقني يا كريم
اتعدل بفزع في إيه؟!
قالت بانهيار الفرو اتسرق.
سكت ثانيتين.
إيه؟!
كنت قاعدة في الكافيه وقومت أصور معاه رجعت ملقتوش! شنطتي كمان راحت!
كريم حس إن الأرض بتسحب من تحته.
خمسين ألف جنيه
راحوا.
لا شباك اتصلح.
ولا فرو فضل موجود.
ولا مراته وولاده في البيت.
قعد على الكنبة فجأة كأنه كبر عشر سنين.
وفي عز الصمت
بص ناحية شريط البلاستر اللي كان واقع على الأرض.
وساعتها بس فهم يعني إيه لما الست توصل لمرحلة إنها تحاول تصلح بيت كامل ببلاستر. فضل كريم قاعد مكانه، سامع صفير الهوا داخل من الشباك المكسور، وكلام أمه بيترج في ودنه
الفرو اتسرق
لكن لأول مرة في حياته، ماعرفش يزعل على الحاجة الغالية.
الوجع الحقيقي كان إن البيت فاضي.
مريم مش في المطبخ.
صوت ليلى مش طالع من الأوضة.
حتى كحة آدم اختفت.
والسكوت كان مرعب أكتر من أي خناقة.
قام بالعافية وقفل الشباك المخلوع بكرسي مقلوب، لكن الهوا كان أقوى.
الستارة بتترفرف بعنف، والبرد داخل كأنه بيعاقبه.
بص حوالينه
الشقة كانت تعبانة فعلًا.
أكتر مما كان بيحاول يقنع نفسه.
الرطوبة واكلة الحيطان.
الدهان واقع.
وكل ركن فيها بيقول إن مريم كانت شايلة الحمل لوحدها.
وقع نظره على علبة دوا الكحة بتاعة آدم فوق الترابيزة.
فاضية.
جنبها ورقة صغيرة بخط مريم
الدكتور قال لازم الجو الدافي ضروري وإلا صدره هيتعب أكتر.
إيده اتهزت وهو ماسك الورقة.
افتكر لما قالتله ابنك بيكح طول الليل.
وهو رد البسوا بلوفر زيادة.
حط الورقة ببطء وحس لأول مرة إنه صغير جدًا.
تاني يوم الصبح، صحى متكسر من البرد.
دور على موبايله بسرعة، وبعت لمريم
عاملة إيه؟
شاف الرسالة متقريتش.
بعت بعدها خلي آدم ياخد الدوا.
مفيش رد.
العند اشتغل جواه تاني.
براحتها.
لبس ونزل الشغل، لكنه ماقدرش يركز.
صوت زمايله بعيد، والشاشة قدامه ضباب.
وفي نص اليوم، تليفونه رن.
رقم غريب.
ألو؟
حضرتك أستاذ كريم؟ أنا دكتور سامح من مستشفى الهدى.
قلبه وقع.
آدم ابنك عنده أزمة تنفس حادة ومدام مريم جابتُه الطوارئ.
الدم اتسحب من وشه.
إيه؟! هو كويس؟!
الحمد لله لحقناه، لكن الطفل صدره تعبان جدًا من البرد والرطوبة.
ماحسش بنفسه غير وهو بيجري نازل السلم.
وصل المستشفى
شاف مريم قاعدة قدام أوضة الكشف، شعرها منكوش وعينيها حمرا من السهر.
وفي حضنها ليلى نايمة.
لما شافته ماقامتش.
ولا حتى بصتله.
وده وجعه أكتر.
قرب ببطء آدم عامل إيه؟
قالت ببرود متعب الدكتور قال لو كنا اتأخرنا شوية كان الموضوع بقى أخطر.
بلع ريقه.
أنا ماكنتش أعرف
رفعت عينيها فيه أخيرًا.
نظرة واحدة بس خلته يخرس.
أنت كنت عارف يا كريم.
الكلمة نزلت عليه كالقلم.
أنا فضلت أقولك شهر كامل.
سكت.
ماعرفش يدافع عن نفسه.
لأول مرة ماكانش عنده أي حجة.
طلع كارت البنك من محفظته ومدهولها بسرعة خدي غيري الشبابيك اعملي اللي إنتِ عايزاه.
بصت للكارت ثواني وبعدها رجعتهوله.
المشكلة عمرها ما كانت الشبابيك.
اتجمد مكانه.
قالت بصوت مكسور المشكلة إنك كل مرة بتحسسني إننا آخر اختيار.
ونزلت دمعة من عينها رغمًا عنها.
كل مرة أمك تطلب إحنا بندفع التمن.
الكلام دخل قلبه المرة دي فعلًا.
افتكر مريم وهي بتوفر في الأكل.
وهي لابسة نفس الجاكيت بقاله ٣ شتا.
وهي بتحط فوطة تحت الشباك عشان تمنع الهوا عن العيال.
وهو؟
كان بيدور على الهيبة.
خرج الدكتور وقتها مين والد آدم؟
رفع كريم إيده بسرعة.
الدكتور بصله بحدة ابنك محتاج بيت دافي ونضيف مش منظرة.
الجملة ضربته أقوى من أي إهانة.
وفي اللحظة دي
رن موبايله.
أمي
بص للاسم طويل
ولأول مرة في حياته
قفل التليفون عدّى أسبوع.
البيت بقى مختلف فعلًا.
الهوا البارد اختفى.
ريحة الرطوبة راحت.
حتى صوت العيال اتغير بقى فيه ضحك بدل الكحة.
ومريم؟
كانت لسه حذرة.
بتتعامل مع كريم بهدوء رسمي،
متابعة القراءة