روحت عزومة عيلة أختي ومعايا بنتي الصغيرة، لقيت أمي طالعة بتقولي ببرود: "إحنا معزمناكيش الليلة دي"

لمحة نيوز

بحزن وانتي كمان.
هزت رأسها ببطء.
عارفة؟ وأنا صغيرة كنت أتخيله كل يوم. كنت أتخيل لو شافني هيحضني فورًا وهيقول إنه دور عليا كتير.
بصت بعيد.
بس الحقيقة كانت أصعب.
ماعرفتش أرد.
لأن مفيش كلام يعوض طفلة استنت أبُوها سنين.
لكنها بصتلي فجأة وابتسمت بس ربنا عوضني بأخت.
الكلمة دخلت قلبي مباشرة.
حضنتها فورًا.
وحسيت إن فيه حتة ناقصة جوايا اتملت أخيرًا.
بعد شهر تقريبًا، بابا جمعنا كلنا في الجنينة.
كان عامل عشا بسيط.
لكن شكله كان متوتر بشكل غريب.
وقف وسطنا وقال عندي قرار لازم تسمعوه.
أمي بصتله بقلق. ونيرمين اتعدلت في قعدتها.
أما هالة فكانت هادية كعادتها.
بابا أخذ نفس طويل.
ثم قال الفيلا دي هتتباع.
الصمت انفجر في المكان.
نيرمين قامت واقفة إيه؟!
أمي شهقت محمود انت اتجننت؟!
لكن بابا رفع إيده بهدوء.
البيت ده اتبنى على خوف وكذب وحرمان سنين طويلة وأنا مش عايز أموت فيه.
بص لهالة.
أنا اشتريت قطعة أرض صغيرة على طريق مصر إسماعيلية وعايز أبني بيت جديد.
ضحكت نيرمين بعصبية ونسيب الفيلا ونروح الصحراء؟!
لكن بابا رد بهدوء بيت صغير بس محدش فيه يتحرم من حد.
ثم قال الجملة اللي خلتني أعيط فورًا
أول مرة أبني بيت لكل ولادي.
أمي غمضت عينيها.
واضح إنها فهمت الرسالة.
إن البيت الحقيقي مش بالمتر ولا التمن.
البيت الحقيقي هو المكان اللي محدش يتقاله فيه وجودك مش مطلوب.
بعدها بشهور، كنا واقفين كلنا قدام البيت الجديد.
ماكانش قصر. ولا فيه نجف مستورد. ولا بوابات ضخمة.
لكن كان فيه جنينة
صغيرة. وريحة دهان جديد. وضحك أطفال مالي المكان.
ليلى وكريم بيجروا ورا بعض. ونيرمين بتتخانق مع العمال على مكان السفرة. وأمي قاعدة مع هالة بيشربوا قهوة سوا
كأن العمر قرر أخيرًا يديهم فرصة تانية.
أما بابا فكان واقف يبص للبيت وعينه مليانة دموع.
قربت منه وسألته مبسوط؟
بصلي وابتسم.
لأول مرة من سنين حاسس إني راجع بيتي فعلًا.
وفي اللحظة دي، ليلى جريت علينا وهي بتضحك يلا يا جماعة! الصورة العائلية!
بصينا لبعض.
ثم وقفنا كلنا جنب بعض.
مش عيلة كاملة لكن عيلة اختارت أخيرًا تبطل تهرب من الحقيقة.
ولما الكاميرا أخدت الصورة
حسيت إن اللحظة دي ماجمعتناش إحنا بس.
جمعت كل النسخ المكسورة جوانا وخلّتها تبدأ من جديد عدّى سنة كاملة.
والبيت الجديد بقى فعلًا بيت.
مش مجرد مكان للنوم.
ريحة الأكل فيه كانت بتجمعنا. وصوت الضحك بقى أعلى من صوت الخناقات. حتى أمي بقت تفتح شباك أوضتها الصبح وتشغّل فيروز بدل ما تقعد بالساعات ساكتة.
لكن أكتر حد اتغيّر كان بابا.
بقى يصحى بدري يزرع في الجنينة. يلعب مع الأطفال. ويروح لهالة كل خميس يساعد كريم في الرياضة.
كأنه بيحاول يعوض عمر كامل في وقت قصير.
وأحيانًا كنت أبصله وأخاف.
لأن الناس اللي بتجري بالشكل ده وراء السلام بيبقوا حاسين إن الوقت قليل.
وفي ليلة شتوية هادية، كنا قاعدين كلنا بنتعشى، لما بابا فجأة ساب المعلقة من إيده.
وشه اصفرّ.
وإيده راحت على صدره.
قمت مفزوعة بابا؟!
حاول يبتسم.
مفيش بس دوخة بسيطة.
لكن بعدها بثواني وقع.
الصريخ ملأ
البيت.
ليلى بدأت تعيط. وأمي جريت عليه وهي بتصرخ باسمه لأول مرة بخوف حقيقي. أما هالة فاتجمدت مكانها.
كأنها رجعت طفلة صغيرة خايفة تخسر أبوها مرة تانية.
في المستشفى، الوقت كان بيمشي ببطء قاتل.
الدكاترة دخلوا وخرجوا. وأصوات الأجهزة كانت مرعبة.
لحد ما الدكتور خرج أخيرًا.
وقال الأزمة القلبية كانت شديدة لكن الحمد لله لحقناه.
كلنا اتنفسنا أخيرًا.
لكن الدكتور كمل لازم يرتاح تمامًا وأي ضغط نفسي هيكون خطر عليه.
بصينا لبعض.
وكلنا فهمنا نفس الحاجة.
الوقت فعلًا قليل.
بعد يومين، دخلت أطمن عليه بالليل.
لقيته صاحي.
والنور الأصفر الخافت مخلي وشه أهدى من زمان.
ابتسم لي تعالى يا إيمان.
قعدت جنبه ومسكت إيده.
كانت أضعف بكتير من الأول.
قال فجأة أنا خايف.
أول مرة في حياتي أسمع أبويا يقولها.
همست من إيه؟
بص للسقف طويلًا.
أموت قبل ما أصلح كل حاجة.
دموعي نزلت فورًا.
إنت أصلحت كتير يا بابا.
هز رأسه ببطء.
لسه فيه حاجة.
ثم فتح درج الكومودينو، وطلع ظرف أبيض.
ناولني ليه.
ده ليكي لو حصلي حاجة.
اتوترت فورًا بعد الشر عليك.
ابتسم بتعب.
افتحيه بعدين.
رجع البيت بعدها بأسبوع.
وأصر يعمل عزومة كبيرة.
قال إنها لمة شكر لله.
البيت اتملأ ناس. ريحة المحشي. صوت الأطفال. والضحك.
لكن كان واضح إن بابا مرهق جدًا.
وفي نص السهرة، طلب من الكل يسكت.
وقف بصعوبة، وهو ماسك الكوباية بإيده المرتعشة.
ثم قال
طول عمري كنت فاكر إن الراجل القوي هو اللي الناس تخاف منه أو تحترمه أو تسمع كلامه.
بص لأمي.
ثم
لهالة.
ثم لينا كلنا.
بس وأنا على سرير المستشفى فهمت إن الراجل الحقيقي هو اللي لما يقع يلاقي ناس تحبه وتقف جنبه رغم كل غلطاته.
الدموع كانت في عينه.
وأنا غلطت كتير.
سكت ثانية.
ظلمت بنت وخسرت سنين من عمرها. وكسرت قلب مراتي. وخليت بناتي يعيشوا وسط خوف وصراعات.
ثم ابتسم وسط دموعه.
لكن ربنا كرمني واداني فرصة أصلّح اللي أقدر عليه قبل ما أمشي.
صرخت أمي بعصبية وسط دموعها بطل تقول قبل ما أمشي دي!
ضحك بخفة.
أما هالة فكانت بتعيط بصمت.
ثم فجأة، بابا مد إيده ناحيتها.
وقال ممكن تيجي هنا يا بنتي؟
قامت هالة ببطء.
وقفت قدامه.
والكل ساكت.
بابا مسك إيدها ثم باسها قدامنا كلنا.
وقال بصوت مكسور سامحيني.
هالة انفجرت في العياط.
ورمت نفسها في حضنه.
وأنا عمري ما هنسى شكل أبويا وهو بيحضن بنته الضايعة أخيرًا كأنه بيحضن العمر اللي ضاع منه.
بعد العزومة ما خلصت، افتكرت الظرف.
دخلت أوضتي وفتحته.
كان فيه ورقة واحدة بخط بابا.
إيمان
لو بتقري الرسالة دي، يبقى غالبًا أنا سبتلكم الدنيا ومشيت.
بس المرة دي همشي وأنا مرتاح.
في حاجة عمري ما قلتها ليكي اللي رجّع هالة لحياتي مش الصدفة.
إنتي.
لو ماكنتيش واجهتيني بالحقيقة ولو ماكنتيش رجعتي البيت الليلة اللي أمك طردتك فيها كان زماني مت وأنا جبان.
أنتي أنقذتي عيلة كاملة وإنتي مش واخدة بالك.
خلي بالك من إخواتك. ومن أمك. ومن البيت اللي أخيرًا بقى بيت.
وأوعي تسمحي لحد يحس يوم إنه مش مرغوب فيه.
أبوكي.
ماقدرتش أكمل.
حضنت الرسالة وبكيت.
وبره
الأوضة كان صوت ضحك العيلة لسه شغال.
ولأول مرة
ماخفتش من النهاية.
لأن بعض الحكايات مش بتخلص لما الناس تمشي.
بتكمل في الناس اللي أخيرًا اتعلمت تحب بعض صح.

تم نسخ الرابط