روحت عزومة عيلة أختي ومعايا بنتي الصغيرة، لقيت أمي طالعة بتقولي ببرود: "إحنا معزمناكيش الليلة دي"

لمحة نيوز

لي.
كانت بنت صغيرة يمكن عندها ٨ سنين. شعرها مربوط ديلين، وبتضحك للكاميرا بنفس ابتسامتي بالظبط.
اتخضيت.
كأني شايفة نفسي في مراية قديمة.
قال بابا دي آخر صورة بعتها ليا خالتها قبل ما تسافر من أسيوط للقاهرة.
همست يعني هي هنا؟ في القاهرة؟
هز رأسه عايشة في شبرا وبتشتغل مدرسة.
سكت ثانية ثم قال بصوت مكسور وعمرها ما طلبت مني جنيه.
الكلمة كسرتني.
واحدة محرومة من أبوها طول عمرها وبرضه ما طلبتش منه حاجة.
تاني يوم الصبح، خرجت أنا وبابا بدري.
الطريق لشبرا كان طويل وصامت.
بابا طول الطريق ماسك الصورة القديمة بإيده كأنها نجاة.
أما أنا فقلبي كان بيرتعش.
يا ترى شكلها عامل إزاي دلوقتي؟ هتكرهنا؟ هتطردنا؟ هتبص لبابا كأنه غريب؟
وقفنا قدام عمارة قديمة. ثلاث أدوار. السلم ضيق. وريحة الأكل طالعة من الشقق.
طلعنا الدور التالت.
ولما بابا وقف قدام الباب إيده ارتجفت.
أول مرة أشوف أبويا خايف.
خبط.
ثواني والباب اتفتح.
وظهرت ست في أوائل الأربعينات.
لابسة إسدال بسيط. وشها هادي. وعينيها
نفس عينين بابا.
اتجمدنا إحنا التلاتة.
هي بصت لبابا طويل جدًا.
كأن الزمن رجع بيها مرة واحدة.
ثم قالت بهدوء أخيرًا افتكرت إن عندك بنت؟
بابا حاول يتكلم لكن صوته خانُه.
أما أنا ففضلت أبص لها مذهولة.
ملامحها شبهنا بشكل يخض.
حتى طريقة وقفتها.
قال بابا بصوت مبحوح سامحيني يا هالة.
ابتسمت بس كانت ابتسامة مليانة وجع سنين.
متأخر أوي يا حاج محمود.
ونفسي انقبضت لما سمعتها بتناديه باسمه مش بابا.
واضح إنها شطبته من المكانة دي من زمان.
لكن المفاجأة كانت لما فتحت الباب أكتر وقالت اتفضلوا الفطار جاهز.
بصيتلها بدهشة.
بعد كل ده؟ مستقبلانا عادي؟
دخلنا الشقة.
كانت صغيرة جدًا بس دافية بشكل غريب.
ريحة شاي بالنعناع. وصوت قرآن واطي. وورد بلاستيك صغير على الترابيزة.

حاجات بسيطة لكن فيها راحة مش موجودة في أفخم فيلا.
وفجأة، خرج ولد وبنت من أوضة جانبية.
الولد حوالي ١٢ سنة. والبنت أصغر شوية.
وقفوا يبصوا علينا باستغراب.
هالة قالت بهدوء سلموا على جدكم.
الكلمة ضربت بابا في قلبه.
جدكم.
رغم كل حاجة لسه معترفة بيه قدام ولادها.
الولد قرب بأدب وسلم عليه.
أما بابا فانفجر في البكاء فجأة.
بكاء راجل ضيّع عمر كامل بإيده.
قعد على الكرسي وهو بيغطي وشه.
ويقول حقك عليا حقك عليا يا بنتي
هالة وقفت ساكتة.
وعينيها دمعت لكنها كانت قوية بشكل غريب.
ثم بصتلي وقالت وإنتي بقى أختي الصغيرة؟
ضحكت وسط دموعي.
وقبل ما أرد دخلت ليلى من ورايا فجأة وهي ماسكة عروستها.
بصت لهالة وقالت بمنتهى البراءة هو انتي الخالة الجديدة؟
الصمت اتحول فجأة لضحك وسط الدموع.
حتى هالة ضحكت لأول مرة.
ولأول مرة من سنين طويلة
حسيت إن العيلة دي ممكن يكون عندها فرصة تبدأ من جديد بعد الفطار، قعدنا بالساعات نحكي.
في الأول الكلام كان متردد كل واحد بيختار كلماته بحذر، كأننا ماشيين فوق أرض ممكن تتكسر تحت رجلينا في أي لحظة.
لكن ليلى كانت أذكى مننا كلنا.
خلال نص ساعة بس، كانت قاعدة في حضن هالة، بتحكيلها عن المدرسة والعروسة اللي ضاعت منها، وكأنها تعرفها من سنين.
أما ابن هالة، كريم، فكان بيبص لبابا بفضول غريب.
الولد واضح إنه سمع عنه كتير بس أول مرة يشوفه قدامه.
وفجأة سأل هو حضرتك بجد جدو؟
الصمت نزل تاني.
بابا بصله وعينه كلها ندم.
وقال لو تقبلني أيوه.
الولد هز كتفه ببراءة ماما بتقول إن الغلطان لو اعترف بغلطه ربنا بيسامحه.
هالة بصت لابنها بسرعة، كأنها اتكسفت من بساطة الحقيقة اللي قالها.
أما بابا فبكى تاني.
رجعنا البيت آخر اليوم.
لكن البيت ماكانش زي ما سبناه.
أمي كانت قاعدة في الصالة مستنيانا.
وشها ناشف لكن عينيها باين فيهم
خوف.
أول ما شافتنا، قامت واقفة وقالت لبابا روحتلها؟
رد بهدوء أيوه.
وجبتها؟
لا بس الباب اتفتح أخيرًا.
أمي ضحكت بسخرية وبعد العمر ده فاكر إنها هتسامحك؟
قال لا أنا رايح أطلب السماح كل يوم لو لزم الأمر.
سكتت أمي. ثم بصتلي.
وكان واضح إنها مستنية مني هجوم أو شماتة.
لكن الغريب إني ماكنتش حاسة بغضب ناحيتها قد ما كنت حاسة إنها أضاعت عمرها وهي بتحارب شبح.
شبح بنت بريئة ملهاش ذنب.
قربت منها بهدوء وقلت ليه كرهتيها كده يا ماما؟
اتوترت ملامحها فجأة.
وقعدت على الكرسي ببطء.
ثم قالت لأول مرة بصراحة لأني كنت خايفة.
من إيه؟
بصت للأرض.
كنت خايفة يحبها أكتر مني.
الكلمة وجعتني.
أمي كملت بصوت ضعيف عمري ما سمعته منها أبوكي اتجوزني وهو قلبه مكسور عليها وعلى أمها وأنا طول عمري حاسة إن فيه جزء منه عمره ما بقى ليا.
سكتت شوية.
ولما كنت بشوف ملامحها فيكي كنت بخاف أكتر.
اتجمدت مكاني.
يعني كل القسوة دي كانت خوف؟
مش مبرر لكن لأول مرة فهمت.
بابا قال بهدوء وانتي بخوفك ده حرمتيني من بنتي.
بدأت أمي تعيط.
وأنا اتحرمت منك أنت كمان يا محمود.
الصمت اللي بعد الجملة دي كان مليان عمر كامل من الوجع.
الأيام اللي بعدها اتغير فيها كل شيء بالتدريج.
بابا بقى يزور هالة كل أسبوع.
مرة ياخدلها طلبات. مرة يصلّح حاجة في الشقة. مرة يقعد مع الولاد يذاكر.
وكان بيرجع كل مرة أخف شوية كأن روحه بتتصلح جزء جزء.
أما أمي فكانت تقاوم الفكرة في الأول.
لكن الفضول كان أقوى.
وفي يوم، وأنا في المطبخ، سمعتها بتقول فجأة هي بتحب القهوة السادة ولا بالمية؟
بصيتلها بدهشة.
اتوترت وقالت بسرعة بسأل يعني لو جت يوم.
ابتسمت لأول مرة من قلبي.
بعدها بأسبوعين، حصلت اللحظة اللي عمري ما هنساه.
كنا كلنا قاعدين في الفيلا.
أنا. بابا. أمي. نيرمين. وليلى اللي كانت بتجري في كل حتة.

وفجأة جرس الباب رن.
الخادمة فتحت
ودخلت هالة.
الصالة كلها سكتت.
أمي قامت واقفة فورًا.
والتوتر كان خانق.
هالة كانت لابسة فستان بسيط، وماسكة علبة جاتوه صغيرة.
وقالت بهدوء قلت أعدي بما إن ليلى زنّت عليا.
ليلى جريت عليها حضنتها وهي بتضحك قولتلهم إنك هتيجي!
بصيت لأمي.
وشها كان شاحب جدًا.
لكن بعد ثواني طويلة عملت حاجة محدش توقعها.
مشت ناحيتها ببطء.
وقالت بصوت مكسور أنا ظلمتك.
هالة اتفاجئت.
وأمي دموعها نزلت أخيرًا ظلمتك وإنتي طفلة وبعدين فضلت أظلمك وأنا كبيرة.
الصالة كلها اتجمدت.
حتى بابا كان باصص بعدم تصديق.
أمي مدت إيدها المرتعشة وقالت لو تقدري سامحيني قبل ما أموت.
هالة فضلت ساكتة شوية.
ثواني طويلة جدًا.
ثم مسكت إيدها.
وبرغم كل الوجع اللي فات
أول مرة العيلة دي قعدت على سفرة واحدة من غير أسرار الليلة دي كانت غريبة بشكل مايتوصفش.
أول مرة أحس إن الفيلا الكبيرة دي فيها روح فعلًا.
مش مجرد رخام ولمعان وصور متعلقة على الحيطان.
حتى السفرة نفسها كانت مختلفة.
هالة كانت قاعدة مترددة في الأول، كأنها ضيفة ومش عارفة حدودها. وأمي كل شوية تبصلها بخجل، ثم تقوم تحط لها أكل في الطبق قبل ما ترجع تسكت تاني.
أما بابا فكان يبص عليهم كأنه خايف يصحى من حلم.
وفجأة، نيرمين قالت بصوت متوتر أنا آسفة يا هالة.
كلنا بصينا لها.
نيرمين كانت بتفرك صوابِعها بعصبية.
أنا خفت منك وخفت على نفسي وعلى نصيبي وعلى شكلنا قدام الناس.
ضحكت بمرارة وهي بتمسح دموعها وفي الآخر اكتشفت إننا كنا بنخسر بعض.
هالة بصتلها بهدوء.
ثم قالت أنا عمري ما كنت جاية أخد حاجة منكم.
وسكتت ثانية.
أنا كنت بس عايزة أعرف هو ليه سابني.
بابا نزل عينه فورًا.
والذنب باين عليه بشكل يوجع القلب.
بعد العشا، ليلى سحبت هالة من إيدها وقالتلها تعالي أوريكي أوضة اللعب!
ضحكنا
كلنا.
ولأول مرة الضحك كان حقيقي.
وأنا واقفة في البلكونة بعد شوية، لقيت هالة طلعت جنبي.
وقفنا ساكتين نبص للجنينة تحت.
ثم قالت فجأة إنتي شبهه أوي.
فهمت إنها تقصد بابا.
ابتسمت
تم نسخ الرابط