جارتي كانت بتجيلي كل يوم تطلب سكر وهي شايلة ابنها، وكنت فاكرة إنها مجرد بنت مهملة ومش منظمة.

لمحة نيوز

بدأ يعيط.
ولوسي لأول مرة ما اتحركتش.
لأ.
الكلمة كانت صغيرة.
لكنها هزته.
الرجالة اللي زي أدريان بيعيشوا على الطاعة. أول لأ بتكسرهم أكتر من أي سلاح.
قرب منها بسرعة، ومد إيده كأنه هيمسك دراعها
وفجأة
صوت سرينة الشرطة علا تحت العمارة.
أدريان اتجمد.
بصلي.
وأنا ابتسمت بهدوء.
فاكر الموبايل القديم؟ قلتها وأنا باصة للوسي. كان شغال من أول ما خبطت.
وشه اتقلب.
لوسي بدأت تعيط، بس مش خوف المرة دي ارتياح.
ثواني، وكان فيه خبط جديد على الباب.
بس المرة دي الشرطة.
اتنين ظباط دخلوا، ومعاهم ست من الحماية الاجتماعية. واضح إن المكالمة وصلت أسرع مما توقعنا.
أدريان حاول يمثل الهدوء.
دي مراتي وإحنا بس بنتخانق.
لكن لوسي فجأة رفعت كمها.
الكدمات كانت واضحة.
والشرطية بصتلها وقالت بهدوء تحبي تيجي معانا؟
لوسي بصتلي.
بعدين بصت لابنها.
وبعدين همست أيوه.
أدريان صرخ وقتها لأول مرة.
مش لأنه خسر السيطرة بس
لكن لأنه أدرك إن الست اللي كان فاكرها مكسورة لقت باب مفتوح.
وأحياناً، باب واحد بس بينقذ عمر كامل.
بعدها بشهرين، وصلني جواب من شيكاغو.
كان فيه صورة للوسي وهي واقفة في الجنينة، شعرها متقصوص، وشها رجع فيه لون الحياة، وإميليانو واقف بيضحك وفي إيده آيس كريم أكبر من وشه.
ومكتوب ورا الصورة
ما كنتش محتاجة سكر يا كارمن كنت محتاجة حد يفتح الباب بس فضلت أبص للصورة وقت طويل لدرجة إن القهوة بردت في إيدي.
شيكاغو كانت بعيدة أوي عن العمارة القديمة بتاعتنا، عن الطرقة الضيقة، وعن باب شقة 302 اللي كان ديماً مقفول كأنه سجن. لكن وأنا شايفة ضحكة لوسي، حسيت إن المسافة بين الخوف والأمان ممكن تختصرها لحظة شجاعة واحدة.
افتكرت آخر يوم شفتها فيه.
كانت واقفة تحت العمارة بعربية الحماية الاجتماعية، حضنا بعض بقوة. إميليانو كان نايم على كتفها، وهي بتعيط وبتضحك في نفس الوقت.

مش عارفة أعيش من غيرك يا كارمن.
ربتّ على وشها.
هتعرفي. المهم تتعلمي تعيشي من غير خوف.
العربية اتحركت وأنا فضلت واقفة أبصلها لحد ما اختفت.
افتكرت إني بعدها هرجع لوحدتي تاني. نفس الهدوء. نفس الوحدة. نفس صوت الساعة في الصالة.
لكن الغريب
إني ما رجعتش زي الأول.
بقيت كل يوم الصبح، الساعة 817 بالظبط، أبص ناحية الباب من غير قصد. كأني مستنية الخبطة المعتادة.
ولما ما كانتش بتيجي البيت كان بيبقى ساكت زيادة عن اللزوم.
عدّى حوالي أسبوعين، لحد ما في ليلة مطر، سمعت خناقة في الشارع تحت.
صوت راجل بيزعق.
وصوت بنت بتعيط.
وقفت عند الشباك فوراً.
لقيت بنت صغيرة، يمكن عشرين سنة، واقفة تحت عامود النور، حافية تقريباً، وشاب ماسك دراعها بعنف.
هترجعي معايا يعني هترجعي!
البنت كانت بتهز راسها وهي مرعوبة.
وفي اللحظة دي حسيت بحاجة جوايا بتتحرك.
نفس الإحساس اللي حسيت بيه أول مرة بصيت فيها في عيون لوسي.
خدت شالي بسرعة، ونزلت.
الراجل أول ما شافني اتضايق.
فيه حاجة يا حاجة؟
بصيت للبنت الأول.
وشها كان مليان خوف.
قلت بهدوء أيوه. فيه.
شد البنت ناحيته أكتر.
دي خطيبتي، وإحنا بنتكلم.
البنت همست بصوت متكسر لو سمحتِ
بس الكلمة ما كملتش.
لأنها ما احتاجتش.
قربت منهم، وضربت العصاية على الأرض جامد.
سيب إيدها.
ضحك بسخرية.
وإلا إيه؟
ابتسمت.
الابتسامة اللي بقيت أعرفها كويس.
وإلا هتعرف إن العمارة دي كلها بتحب الست كارمن وصوتي أعلى مما تتخيل.
وفعلاً
نور شقق بدأ يفتح.
شباك ورا شباك.
ناس بتبص.
الراجل اتوتر.
والبنت استغلت اللحظة، وشدت إيدها منه وجريت ورايا بسرعة.
دخلتها العمارة، وهو فضل واقف يبص بغضب، وبعدين مشي.
البنت كانت بتترعش.
طلعت بيها شقتي.
وأول ما دخلت، بصت حوالين المكان، وبعدين قالت وهي بتشهق أنا آسفة مش عايزة أزعجك.
ابتسمت وأنا بحط الغلاية على النار.

تحبي قهوة ولا شوية سكر؟
البنت بصتلي باستغراب.
وأنا لأول مرة من سنين
ضحكت من قلبي البنت اسمها كان سلمى.
قعدت على طرف الكنبة كأنها مستعدة تجري في أي لحظة، وإيديها ملفوفة حوالين نفسها. كانت مبلولة من المطر، وشعرها لازق في وشها، وفي خدها علامة حمرا باينة رغم إنها بتحاول تداريها.
حطيت قدامها فوطة وكوباية شاي سخن.
اشربي الأول. الكلام بعدين.
بصتلي بعينين مليانين شك.
الناس اللي اتخذلوا كتير بيتعلموا يخافوا حتى من الطيبة.
شربت رشفة صغيرة، وبعدين سألتني إنتِ ليه ساعدتيني؟
فكرت شوية.
عشان محدش ساعدني زمان.
سكتت.
وأنا كمان سكت.
أوقات، أكتر الحاجات اللي بتقرب بين اتنين هي الحاجات اللي ما بيتقالتش.
بعد نص ساعة تقريباً، بدأت تحكي.
كانت مخطوبة لواحد اسمه حسام. في الأول كان بيغير عليها. بعدين بقى يختار لها لبسها. بعدين يمنعها تنزل مع صحابها. بعدين ياخد باسورد موبايلها عشان الثقة. ولما كانت تعترض، يقول لها كل ده من حبي ليكي.
نفس الحكاية.
نفس الوحش بوش جديد.
النهاردة شدني من الشارع عشان اتأخرت عشر دقايق.
قالتها وهي باصة في الأرض.
حسيت الغضب بيغلي جوايا، لكن اتعلمت من زمان إن الغضب لو ما اتحكمش فيه بيبوظ الإنقاذ.
قلت بهدوء وعايزة تعملي إيه؟
سلمى سكتت طويل.
وبعدين لأول مرة رفعت عينيها ليا.
مش عايزة أبقى زي أمي.
الجملة نزلت تقيلة.
كان بيضربها؟
هزت راسها.
وهي كانت تقول لنا أبوكم عصبي بس بيحبنا.
قربت منها شوية.
الحب ما يوجعش يا سلمى.
وفجأة البنت انهارت.
فضلت تعيط بصوت مكتوم، كأنها طول عمرها بتعيط من غير صوت عشان محدش يسمعها.
سيبتها.
بعض الدموع لازم تنزل كلها قبل ما الإنسان يعرف يقف.
بعدها بأيام، سلمى بدأت تيجي كل يوم تقريباً. ساعات تساعدني في المطبخ، ساعات تنظف الرفوف، وساعات نقعد ساكتين نتفرج على المسلسلات القديمة.
والغريب
إن
البيت رجع حي تاني.
ريحة الأكل. صوت الضحك. خبط الكبايات. حتى لعب الأطفال اللي كان سايبها إميليانو، سلمى رتبتها في علبة بدل ما أرميها.
وفي يوم، وهي بتنضف المكتبة، لقت صورة قديمة.
أنا وأنا صغيرة.
ومعايا راجل لابس بدلة عسكرية.
مسكت الصورة بحذر.
ده جوزك؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
كان اسمه نبيل.
شكله محترم.
ضحكت ضحكة خفيفة مرة.
كان الناس كلها تقول كدة.
سلمى بصتلي باستغراب.
حطيت الفنجان من إيدي.
وحسيت إن بعد سنين طويلة يمكن جه وقت أحكي.
نبيل ما كانش بيضربني كل يوم.
سلمى سكتت فوراً.
كان يجيبلي ورد بعد كل مرة. وكان يبكي ويعتذر. ويقول إنه تعبان ومضغوط. وأنا أصدقه.
حسيت إيديها بتتوتر على الصورة.
كملت بهدوء أول قلم أخدته منه قعدت أسبوع أقنع نفسي إنه حادثة.
بصتلي سلمى بعينين مكسورين.
إنتِ كمان؟
هزيت راسي.
عشان كدة فتحت الباب للوسي. وعشان كدة نزلتلك تحت المطر.
سكتنا شوية.
بعدين سلمى قربت مني فجأة، وحضنتني.
حضن سريع مرتبك لكنه حقيقي.
وهمست يعني فيه أمل؟
غمضت عيني للحظة.
وافتكرت لوسي.
وإميليانو.
والصورة اللي من شيكاغو.
وبعدين قلت طول ما فيه باب بيتفتح يبقى فيه أمل بعد الليلة دي، سلمى بطلت ترجع لحسام.
في الأول كان بيتصل بيها كل شوية. رنات متواصلة، رسايل طويلة، اعتذارات، شتايم، تهديدات، وبعدين يرجع يعتذر تاني.
الدائرة المعتادة.
كانت تقعد جنبي على الكنبة والموبايل بيرتعش في إيدها.
طب لو اتغير بجد؟
سألتني السؤال ده وهي باصة للشاشة كأن حياتها كلها جوه المكالمة دي.
بصيتلها بهدوء.
الراجل اللي يخوفك عمرك ما هتعرفي ترتاحي معاه حتى لو بكى.
قفلت الموبايل بإيد مرتعشة.
وفي اليوم اللي بعده، نزلت شغلها لأول مرة من غير ما تبعتله مكانها.
رجعت بالليل وهي مبتسمة.
ابتسامة صغيرة بس حقيقية.
حسيت إني بتنفس.
ابتسمت.
أهو ده الإدمان اللي يستاهل.
الأيام
عدت أهدى شوية. بقيت أنا وسلمى عندنا روتين. نفطر سوا، نتخانق على صوت التلفزيون، وهي تصر تساعدني في كل حاجة رغم إن ضهري أوقات ما كانش بيساعدني حتى أقوم من السرير.
لكن في
تم نسخ الرابط