"اتجوزني... بالله عليك!" الصريخ شقّ المطر زي صفارة إنذار.
المحتويات
واقفة عند باب الكنيسة، قلبها بيخبط كأنه عايز يطلع من صدرها.
آدم؟ نادت بصوت مهزوز.
مفيش رد.
المطر برا بيضرب الأرض، والنور الأصفر بتاع العربيات بيكسر الضلمة على مشاهد مش مفهومة.
ظلال حركة ورجالة واقعة على الأرض من غير صوت.
لكن مفيش دم.
مفيش صراخ تاني.
كأن كل حاجة اتقفلت في ثانية واحدة.
فيروز خطت خطوة برا.
الشارع كان شبه فاضي فجأة إلا من آدم واقف في النص.
هدومه لسه زي ما هي، لكن عينيه كانت مختلفة.
مش عيون راجل متشرد.
ولا حتى راجل عادي.
كانت عيون حد شاف حاجات كتير زيادة عن اللازم.
فيروز همست
إنت عملت إيه؟
آدم ما ردش على طول.
بس لفّ ببطء ناحية العربيات اللي كانت جاية.
اتأخروا. قال بهدوء.
وفجأة
من العربية السودا نزل راجل أكبر سنًا، لابس بدلة فخمة، ووشه مليان غضب.
فيروز! صرخ. إنتي اتجننتي؟ اتجوزتي مين؟!
فيروز رجعت خطوة لورا.
خالي همست.
الراجل بصّ لآدم باحتقار.
ده؟ ده اللي هتحمي نفسك بيه؟ متشرد؟!
ضحكة قصيرة خرجت من آدم.
مش ضحكة فرح
ضحكة تقيلة.
متشرد؟ كررها بهدوء.
وفجأة سكت.
والسكون ده كان أخطر من أي تهديد.
الراجل قرب منه.
إنت مش فاهم مين أنا
آدم رد بصوت منخفض
أنا فاهم أكتر مما تتخيل.
وفي اللحظة دي
فيروز لاحظت حاجة غريبة.
كل الرجالة اللي كانوا واقفين حوالين المكان كانوا واقفين مكانهم.
مش بيتحركوا.
مش بيتكلموا.
كأن الزمن نفسه تقيل عليهم.
همست
إنت مين؟
آدم لف ناحيتها
كنت حاجة من اللي بيخلي ناس زي خالك يناموا وهم مطمنين إن محدش هيقدر يقف قدامهم.
سكت لحظة.
لحد ما قررت أختفي.
الراجل بصّ له بصدمة
إنت مستحيل
آدم قرب خطوة واحدة.
والراجل رجع لورا غريزيًا لأول مرة.
الليلة دي مش صدفة. قال آدم.
إنتي كنتي الهدف الحقيقي وأنا كنت مستنيهم ييجيوا.
فيروز صوتها اتكسر
هدف؟ أنا؟
آدم بص لها لأول مرة بنظرة مختلفة أهدى شوية.
مش إنتي اللي الهدف قال.
اللي وراكي.
وفي نفس اللحظة
صوت طلق ناري شقّ الهوا من بعيد.
فيروز صرخت.
لكن آدم اتحرك قبل الرصاصة ما تقرب منها أصلاً.
اختفى من مكانه وظهر جنب مصدر الصوت في طرف الشارع.
ثانية واحدة بس
وبعدها
الشارع كله رجع ساكت تاني.
فيروز واقفة، بتترعش، مش قادرة تفهم اللي بيحصل.
وبعدين لقت آدم بيرجع لها بهدوء كأنه ما حصلش حاجة.
لكن إيده كانت ماسكة حاجة صغيرة جهاز إرسال مكسور.
بص لها وقال
الليلة دي مش جواز بس.
دي بداية حرب كانوا فاكرينها انتهت من سنين.
فيروز بصّت له بعيون مليانة خوف وسؤال واحد
وأنا مالي بكل ده؟
آدم وقف قدامها.
لأنك دلوقتي مراتي.
ومحدش هيقدر يلمسك غير لما يمر عليّا الأول.
وفي البعيد
أول صوت صفارات شرطة بدأ يقرب
لكن الحقيقة كانت أبعد وأخطر من أي حد لسه فاهمه صفارات الشرطة كانت بتقرب بسرعة صوتها بيكسر سكون الشارع زي سكاكين في الهوا.
فيروز لفت حوالين نفسها بخوف
إحنا لازم نمشي من هنا!
لكن آدم كان ثابت.
بص ناحية الطريق البعيد كأنه بيعدّي حاجة في دماغه.
متقلقيش قال بهدوء.
الشرطة مش جايه لينا.
فيروز صرخت
يعني إيه مش جايه لينا؟ إحنا واقفين وسط جثث تقريبًا!
آدم رد من غير ما يبص لها
مفيش جثث.
فعلاً
فيروز بصّت تاني على الأرض.
الرجالة اللي كانوا واقعين بدأوا يتحركوا ببطء.
يقوموا واحد واحد مش مصدومين لكن مرعوبين.
كأنهم شافوا حاجة خلتهم ينسوا أي عناد.
خالك نفسه كان بيرجع لورا، ووشه لأول مرة فيه خوف حقيقي.
إنتوا مجانين قال بصوت مكسور.
إنتوا مش طبيعيين
آدم قرب منه خطوة واحدة بس.
امشي. قالها بهدوء.
كلمة واحدة
لكنها كانت كفاية.
خالك رجع لورا بسرعة، دخل العربية بتاعته، والعربيات كلها اتحركت كأنها بتجري تهرب من حاجة مش مفهومة.
وفي ثواني اختفوا.
الشارع رجع فاضي تاني.
بس مش طبيعي.
كأنه اتشال منه جزء من العالم.
فيروز كانت واقفة مش قادرة تنطق.
إنت عملت إيه فيهم؟
آدم لف لها.
مش أنا.
هم اللي شافوا الحقيقة.
سكت لحظة.
وده أخطر من أي ضرب.
الشرطة كانت خلاص وصلت أول الشارع. أضواء زرقا وحمراء بتغرق المكان.
فيروز همست
هنقول إيه؟
آدم ابتسم لأول مرة ابتسامة خفيفة جدًا.
ولا حاجة.
وفجأة
مد إيده لها.
امشي معايا.
فيروز بصّت لإيده وبعدين بصّت لورا ناحية الكنيسة وبعدين للشرطة اللي قربت.
وبعد صراع لحظة مسكت إيده.
وفي نفس اللحظة اللي دخلوا فيها ضلمة شارع جانبي
فيروز حسّت إن الأرض نفسها بتتغير
مش مجرد هروب
ده كان انتقال.
كأنهم دخلوا جزء تاني من المدينة أهدى أقدم وأغرب.
مباني مش مضاءة.
شوارع شبه مهجورة.
ولا لافتات واضحة.
همست
إحنا فين؟
آدم قال
المدينة اللي الناس نسيتها.
وقف قدام باب حديد قديم.
وحط إيده عليه.
الباب اتفتح لوحده.
فيروز رجعت خطوة
ده إيه؟
آدم بص لها بجدية
المكان اللي بدأت فيه الحكاية.
واللي هنعرف فيه مين اللي كان بيلاحقك وليه أبوكي مات فعلاً.
سكت لحظة
وبص لها مباشرة
وقتها بس هتفهمي أنا مين بجد فيروز وقفت مكانها كأن اسم أبوها اتشد من جواها.
أبويا مات عادي قالت بصوت مكسور.
حادث عربية كل الناس قالت كده.
آدم بص لها نظرة ثابتة.
وكل الناس غلط.
دخلوا من الباب الحديدي.
والباب اتقفل وراهم لوحده.
الصوت عمل صدى طويل في المكان كأنه بيقفل عليهم عالم كامل مش مجرد باب.
جوه كان فيه ممر طويل نازل تحت الأرض.
إضاءة خفيفة جدًا وصوت ميّه بتقطر.
فيروز مسكت في إيد آدم من غير ما تاخد بالها.
إنت بتوديني فين؟
للحقيقة. قالها بهدوء.
كل خطوة كانوا بينزلوها كان إحساس فيروز بيزيد إنها بتبعد عن حياتها القديمة أكتر.
وفي آخر السلم
ظهر باب زجاجي سميك.
جوهه غرفة كبيرة فيها شاشات قديمة وأجهزة مراقبة وأوراق متفرقة.
كأنها غرفة عمليات بس من زمن تاني.
وفي نص الغرفة صورة كبيرة معلقة على الحيطة.
فيروز قربت ببطء.
واتجمدت.
الصورة كانت لأبوها.
لكن مش لوحده.
كان واقف جنبه 3
إيه ده همست.
آدم وقف وراها.
شركة عزام مش بس شركة استثمار.
دي كانت واجهة.
فيروز بصت له بعصبية ممزوجة بخوف
واجهة لإيه؟!
آدم ما ردش فورًا.
بدل ما يجاوب فتح درج
متابعة القراءة