"اتجوزني... بالله عليك!" الصريخ شقّ المطر زي صفارة إنذار.
اتجوزني... بالله عليك!
الصريخ شقّ المطر زي صفارة إنذار.
تحت الكوبري، فتح آدم الشرقاوي عينه ببطء.
بقاله 3 سنين، المدينة كلها بتعدي من جنبه كأنه مجرد خيال ملفوف في بطانية قديمة. رجال أعمال بيتفادوه، عشاق بيبعدوا عينهم عنه، وعساكر بيقولوله يتحرك من المكان. محدش عمره وقف له.
محدش... غير الست اللي كانت جاية تجري في نص الشارع، والرعب مالي عينيها.
فيروز عزام.
آدم عرف وشها قبل ما تنطق.
الكل يعرف فيروز عزام.
وريثة. بنت ناس. آخر بنت من عيلة من أغنى العائلات في مصر.
ودلوقتي كانت واقفة قدامه، هدومها غرقانة ميّه، بتترعش جامد لدرجة إن حلقها الألماس بيتهز.
أرجوك... قالت وهي بتنهج. اتجوزني.
آدم بص لها من غير ما يرمش.
المطر نازل على دقنه، وصوابعه ماسكة البطانية بقوة.
...إيه؟
فيروز قربت وهي بتخبط بكعبها في الميّه. المكياج سايح تحت عينيها، لكن حتى وهي منهارة، كان واضح إنها متربية على الفلوس والخوف.
هديك أي حاجة... قالت بسرعة. شقة... فلوس... حياة جديدة... بس اتجوزني الليلة.
آدم ما اتحركش.
فضل باصص لها بعنيه الهادية الغامضة.
ليه أنا؟
فيروز بصت وراها.
عربية سودا كانت ماشية ببطء آخر الشارع.
وشها اصفر.
عشان إنت هنا... همست. وعشان محدش هيلحق يشك بسرعة... ولو ما اتجوزتش قبل نص الليل، هخسر كل حاجة.
ملامح آدم ما اتغيرتش... لكن حاجة جوا عينيه اتحركت.
الكوبري فوقهم كان بيتهز من العربيات. المطر بيخبط
فيروز طلعت من شنطتها ورقة متقفلة جوه كيس بلاستيك.
وصية أبويا... قالت. هارث مجموعة عزام بس لو كنت متجوزة قبل ما أتم التلاتين. النهارده عيد ميلادي. خالي فاكر إنه كسب.
عين آدم نزلت من الورق لوشها.
وبعدها؟
فيروز بلعت ريقها.
اطلب اللي إنت عايزه.
الكلام وقف بينهم في الهوا.
آدم قام ببطء.
كان أطول مما توقعت. وتحت البطانية والجاكيت المقطع، كان فيه حاجة غريبة... قوة مستخبية.
فيروز رجعت نص خطوة لورا.
آدم قرب منها.
عندي شرط واحد.
صوتها ارتعش. إيه هو؟
قرب لدرجة إنها شمت ريحة المطر والدخان والبرد.
ما تسأليش أنا كنت مين.
فيروز اتجمدت.
قبل ما ترد، نور كشافات العربية ضرب الحيطان تحت الكوبري.
العربية السودا وقفت.
نزل منها راجلين.
خوف فيروز زاد.
رجالة خالي... همست.
آدم بص لهم من بعيد.
بتثقي فيا؟
لأ.
كويس... قال. يبقى لسه عندك عقل.
مسك إيدها وجرها ناحية ممر ضيق تحت الكوبري، في نفس اللحظة اللي الرجالة نادوا اسمها.
جروا في ممر سري بين الأعمدة. فيروز وقعت مرتين، لكنه كان بيسندها كل مرة. كان بيتحرك كأنه حافظ المكان حجر حجر.
إنت عارف المكان ده إزاي؟ سألت وهي بتنهج.
آدم ما ردش.
خرجوا من الناحية التانية قدام كنيسة قديمة مهجورة، ولافتتها النيون بتطفي وتنور.
دخلوا جوه. الريحة تراب وخشب قديم.
بواب عجوز كان نايم على كرسي، فتح عينه وبص لآدم... وفجأة وقف.
يا أستاذ
فيروز وقفت مصدومة.
آدم شد فكه.
البواب نزل عينه بسرعة. قصدي... يا آدم.
فيروز بصت له بذهول.
إنت تعرفيه؟
العجوز اتوتر. الكل يعرف آدم.
قبل ما تسأل، آدم حط إيده على ضهرها ووجهها لقدام.
ينفع تجوزنا؟ سأل.
العجوز بص للساعة...
1143 مساءً
ينفع... بس لازم شهود.
آدم لف وشه.
من ضلمة الكنيسة، خرج 3 أشخاص.
ست كبيرة شعرها أبيض.
شاب لابس يونيفورم أمن.
وممرضة بلبس المستشفى.
فيروز شهقت.
مين دول؟
آدم بص لها.
ناس ما عليهمش فضل ليا... قال. وعشان كده أأمن من الناس اللي ليهم عندي جميل.
الست الكبيرة قربت ولمست دراعه بحنان.
متأكد يا ابني؟
وشه لان لأول مرة.
لأ... قال. بس هعملها برضه.
فيروز حسّت الدنيا بتلف.
الموضوع مش صدفة.
ولا أي حاجة فيه صدفة.
لكن الساعة كانت بتجري...
ولو عايزيني أكمل القصة وأكشف مين آدم الحقيقي... قولي كمل الساعة كانت بتعدّي بسرعة مجنونة
1146 مساءً.
الكنيسة كانت ساكتة بشكل يخنق. صوت المطر برا عامل زي طبول حرب بعيدة.
فيروز بصّت لآدم، وقلبها بيخبط كأنها بتجري مش واقفة.
إنت مين؟ سألت بصوت واطي. أنا حاسة إني داخلة في حاجة أكبر مني بكتير.
آدم ما ردش فورًا.
بس عينيه كانت أهدى من أي حاجة حواليه.
المأذون العجوز بدأ يجهّز الأوراق بإيدين بترتعش.
الوقت بيضيع... قال.
فيروز رجعت خطوة لورا.
أنا مش هكمل قبل ما أفهم!
في اللحظة دي، صوت باب الكنيسة اتفتح بعنف.
الرجالة بتوع خالها دخلوا.
هي
فيروز شهقت ورجعت لورا.
لكن آدم وقف قدامها في ثانية واحدة.
مش حركة إنسان عادي.
كأن المسافة اختفت.
الراجل اللي في المقدمة حاول يقرب
لكن آدم مسكه من دراعه ولفه في الأرض بضربة واحدة خلت الباقيين يتجمدوا.
الست الكبيرة همست
يا رب ده لسه زي زمان.
فيروز بصّت له بصدمة.
إنت مش متشرد قالت.
آدم ما بصّش وراه وهو بيقفل الباب عليهم.
أنا كنت حاجات كتير قبل ما أبقى كده.
الصمت وقع.
1149 مساءً.
المأذون قال بسرعة
نبدأ ولا نضيع الوقت؟
فيروز كانت بتنهج.
خايفة بس مش قادرة تهرب.
لأن الرجالة برا بيدقوا على الباب بعنف.
آدم لف لها.
آخر فرصة ليكي.
لو دخلت الجواز ده مش هتقدري ترجعي.
فيروز عينيها دمعت.
أنا أصلاً مش عندي حاجة أرجع لها.
سكت لحظة
وبعدين قالت
تمام أنا موافقة.
اللحظة دي
كل حاجة سكتت فجأة.
حتى المطر برا كأنه وقف.
المأذون بدأ يكتب بسرعة، والكل واقف متوتر.
آدم ما ابتسمش.
بس لأول مرة إيده ارتخت شوية.
وفي اللحظة اللي قال فيها المأذون
بارك الله لكما
نور العربيات برا زاد بشكل مفاجئ.
وصوت صريخ
اقتحموا المكان!
فيروز شهقت
إحنا هنموت؟!
آدم لف لها بهدوء غريب.
لأ قال.
إنتي دلوقتي مراتي.
وبعدين بص ناحية الباب.
وهم غلطوا لما فكروا يقربوا.
وفتح الباب
وخرج للظلام.
وفي أول خطوة له برا الكنيسة
كل الرجالة اللي كانوا مستنيينه
سكتوا.
كأنهم شافوا شبح مش إنسان.
فيروز وقفت عند الباب، همست
يا
وفي نفس اللحظة
أول صرخة انطلقت برا الصرخة اللي برا ماكملتش ثانية واحدة وبعدها سكت كل حاجة فجأة.
الصمت كان مرعب أكتر من الصوت نفسه.
فيروز