صرخ الثري أمام كل الناس وهو يشير إلى قلادة في رقبة عاملة نظافة شابة وقال هذا عقد زوجتي الراحلة
بدون علامات رسمية بتنزل منها فرق مدرعة بشكل منظم جدًا، كأنها مش جاية لإنقاذ، بل للإغلاق.
إيفلين بصت ناحية الطريق وقالت بهدوء
اتأخرنا
سليم مسك الطفل أكتر، وبص لها
إنتِ عايشة إزاي؟ وازاي كنتي ساكتة 23 سنة؟
إيفلين ردت بصوت منخفض
أنا ما اختفيتش أنا اتخفّيت.
الرجل اللي كان معاهم كمل بسرعة
في مشروع قديم اتعمل زمان اسمه الظل الأبيض. أي حد يوصل لحقيقة الشبكة دي كان بيتشال من الوجود، أو بيتعاد تشكيله زي ما حصل معاها.
سليم بص له بحدة
يعني بنتي كانت لعبة؟
إيفلين رفعت عينيها لأول مرة وفيها وجع واضح
لا بنتك كانت المفتاح.
في اللحظة دي، واحدة من العربات السوداء وقفت فجأة.
وخرج منها شخص واحد فقط.
بدون سلاح ظاهر لكن حضوره وحده كان كافي يخلي أي حد في المكان يتراجع خطوة.
كان رجل كبير في السن، بملامح هادئة بشكل مرعب.
قال وهو يبص على سليم
أخيرًا رجعت لآخر نقطة في الدائرة يا سليم.
سليم ضيّق عينيه
إنت مين؟
الرجل ابتسم
أنا اللي كنت بكتب كل اللي حصل قبل ما يحصل.
صمت.
إيفلين همست
ده مش مجرد رجل ده اللي أسس الشبكة.
الطفل بدأ يرتجف سليم.
سليم بص له وبعدين للرجل وقال
عايز إيه دلوقتي؟
الرجل رد بهدوء قاتل
عايز أخلص الدائرة وجود الطفلة والطفل مع بعض في نفس المكان مع الحقيقة اللي ظهرت، ده بيبدأ انهيار كل حاجة اتبنت عليها السنين اللي فاتت.
ثم أشار بيده.
وفجأة
لكن مش خوفًا بل امتثالًا.
كأنهم كانوا تابعين له هو.
سليم بص حواليه وقال بصوت منخفض
إنت كنت ماسكهم كلهم
الرجل هز رأسه
أنا ما مسكتهمش أنا صنعتهم.
إيفلين خطت خطوة لقدام وقالت
لو كملت دلوقتي هتموت الحقيقة ومعاها ناس كتير.
الرجل رد عليها بهدوء
الحقيقة ما بتموتش هي بس بتتغير صاحبها.
سليم شد الطفل أكتر وقال بغضب
مش هتاخدهم.
الرجل رفع عينه له
مش هاخدهم أنا هديك اختيار أخير.
ثم أشار ناحية البحر.
وفجأة ضوء ضخم ظهر من تحت سطح المياه، كأن في منشأة سرية بتطلع للنور لأول مرة.
وقال
هناك أصل كل حاجة. لو نزلتوا، هتعرفوا الحقيقة كاملة بس مش كل واحد هيرجع.
سليم بص لإيفلين.
وبعدين للطفلين.
وبعدين للبحر اللي بيطلع منه ضوء كأنه بيستنّى قرار.
وقال بصوت ثابت لأول مرة
هننزل.
إيفلين سكتت لحظة وبعدين قالت
يبقى مفيش رجوع.
وبدأوا يتحركوا ناحية الضوء
وكل خطوة كانت تقربهم من الحقيقة أو النهاية الضوء الصاعد من البحر كان بيكبر مع كل خطوة، كأنه بوابة بتتنفس تحت المياه. أصوات الأجهزة تحت السطح بدأت تظهر بوضوح طنين كهربائي منخفض، واهتزاز خفيف في الأرضية المعدنية الممتدة على الشاطئ.
سليم ما كانش بيسأل كتير دلوقتي. أي سؤال كان هيأخر اللحظة اللي بيوصل فيها للحقيقة، أو يضيّع الطفل من إيده تاني.
إيفلين مشت قدامه وهي بتفتح باب معدني مموّه
النفق ده كان متصمم من الأول إن محدش يوصله غير لما الحقيقة تخرج غصب.
النفق نزل تحت الأرض، والإضاءة فيه كانت باردة ومحدودة. كل خطوة كانت بتكشف ممر أطول، وكأن المكان ملوش نهاية.
الطفل كان ماسك في سليم، وصوته واطي
هنروح فين؟
سليم رد لأول مرة بصوت هادي
هنعرف الحقيقة وبعدها نرجع.
لكن إيفلين بصت له نظرة سريعة، فيها معنى مختلف كأنها عارفة إن الرجوع مش مضمون.
وصلوا لبوابة ضخمة في آخر النفق، عليها رموز قديمة وأجهزة مسح بيولوجي. الرجل الغامض كان واقف هناك مستنيهم.
قال
آخر مرة هسألكم مستعدين تعرفوا كل حاجة؟
سليم رد فورًا
افتح.
الرجل قرب إيده من لوحة التحكم، والبصمة اتفعلت.
صوت ميكانيكي ثقيل اشتغل والبوابة بدأت تفتح ببطء مرعب.
اللي وراها ماكانش مجرد غرفة.
كانت منشأة كاملة تحت البحر مدينة صغيرة من الأجهزة، الشاشات، الملفات، وغرف زجاجية مقفولة.
وفي النص شاشة ضخمة شغالة من نفسها.
ظهرت صورة إيفلين وهي بتتكلم بصوت مسجل
لو أنت شايف الرسالة دي، يبقى الخطة نجحت وابنتنا وصلت لمكانها الحقيقي.
سليم اتجمد.
إيفلين الحقيقية كانت واقفة جنبه، لكن الصورة كانت بتتكلم من سنين.
سليم لف لها بسرعة
إيه ده؟
إيفلين بلعت ريقها بصعوبة
ده اللي اتسجل يوم ما قررت أهرب بيكم ماكنش حادث كان انسحاب.
ثم اقتربت من الشاشة وقالت
الشبكة كانت هتستخدمنا
الرجل كمل ببرود
وانتي رجعتي هنا عشان تقفلي النظام.
لكن فجأة
كل الشاشات اتغيرت.
ظهرت صورة الطفل.
وصوت آلي قال
تم تفعيل البروتوكول الأخير استرجاع الأصل.
الأبواب اتقفلت وراهم واحدة واحدة.
إيفلين بصت بسرعة وقالت
لا ده معناه إنهم شغلوا النظام بالكامل.
سليم رفع عينه
نظام إيه؟
الرجل قال لأول مرة بجدية
النظام اللي بيقرر مين يعيش الحقيقة ومين يتحذف منها.
وفجأة، الأرض تحتهم اهتزت.
والماء فوقهم بدأ يتحرك بشكل غير طبيعي كأن البحر نفسه بيدخل عليهم.
سليم شد الطفل وقال
إحنا لازم نخرج فورًا!
لكن إيفلين هزت رأسها
مبقاش فيه خروج سهل النظام قفل نفسه.
الرجل بص لهم وقال
في حل واحد لازم حد يفضل هنا ويوقف التشغيل من الداخل.
صمت ثقيل.
سليم بص للطفل.
ثم لإيفلين.
ثم للرجل.
وفهم أخيرًا إن اللحظة دي مش عن الهروب دي عن الاختيار.
وقال بصوت ثابت
أنا هفضل.
إيفلين صرخت
لا!
لكن سليم كمل
أنا ضيعت 23 سنة من حياتي فاكر إن كل حاجة انتهت لو ده هو المكان اللي بيبدأ منه الكذب، يبقى أنا اللي هقفله.
اقترب من الطفل بقوة وقال
لو رجعتوا قولوا إن الحقيقة ما ماتتش.
إيفلين كانت بتبكي بصمت لأول مرة.
الرجل قال
عندك دقيقتين قبل ما النظام يقفل على نفسه للأبد.
سليم ابتسم ابتسامة صغيرة
كفاية.
ثم لف ناحية لوحة التحكم، وبدأ يشتغل عليها
والأبواب بدأت تقفل واحد ورا التاني
والمياه بدأت تقرب
لكن للمرة الأولى في حياته، سليم ما كانش بيهرب من الماضي
كان بيقف جواه.