ربطوا لواء في شجرة كأنها ولا حاجة... وبعدها عرفوا هي مين بجد"

لمحة نيوز

ربطوا لواء في شجرة كأنها ولا حاجة... وبعدها عرفوا هي مين بجد
اللواء ندى الشريف كانت قضّت ستة وعشرين سنة في خدمة الجيش المصري، وطول عمرها اتعلمت درس واحد أهم من أي خطة عسكرية الخطر عمره ما بييجي بشكله الحقيقي.
مرات بييجي في صوت رصاص... مرات في تقارير سرية... ومرات في سكون غريب.
وفي الليلة دي، جه على هيئة نور عربية شرطة بيبرق وراها، على طريق مقطوع بين المحافظات.
اللواء ندى كانت سايقة لوحدها راجعة على مقر خدمتها بعد اجتماع أمني متأخر في محافظة تانية. السواق الرسمي اتنقل لمهمة تانية، وهي رفضت تستنى حد بداله وقالت هتسوق بنفسها.
الموضوع كان المفروض بسيط... ساعة ونص طريق ضلمة، زرع، وشجر، وهدوء.
لكن فجأة، لقت نور الكشافات الزرقا في المراية.
بصت على السرعة فورًا... كانت ماشية أقل من المسموح.
رغم كده، ركنت على جنب وهي هادية ومركزة.
اتنين أمناء شرطة نزلوا من العربية. واحد طويل وعريض، وشكله من أول لحظة متضايق من الدنيا، والتاني أكبر سنًا، تقيل، وعينيه فيها استقواء.
قال الطويل
الرخصة والورق.
ناولته الرخصة وكمان كارنيهها العسكري.
وقالت بهدوء
في سبب لإيقافي يا حضرة الأمين؟
بص للكارنيه، وبصلها، ورجع بصله تاني... وبعدها ضحك.
إنتي لواء؟
أيوه.
الأمين الكبير قرب وقال
انزلي من العربية.
قالت بثبات
عايزة أعرف سبب الوقف الأول.
كررها بخشونة
انزلي.
نزلت.
الجو كان برد، والهوا

بيحرّك الشجر اللي جنب الطريق.
وقفت مستقيمة، كتافها مرفوعة، وعينيها راصدة كل حركة.
الطويل، واسمه محمود مرسي، لف حواليها.
والتاني، صبري باهي، مسك الكارنيه بطرف صباعين كأنه قرفان منه.
قال
أنتم بتوع الجيش فاكرين نفسكم فوق الناس.
عينها ضاقت وقالت
لو الوقفة قانونية، نادي رئيسك حالًا.
وهنا كل حاجة اتغيرت.
محمود جه من وراها فجأة.
صبري مسك إيديها بعنف.
لفّت بجسمها تلقائي عشان تحفظ توازنها... ودي كانت الحجة اللي مستنيينها.
خبطوها في العربية.
قيدوا إيديها برباط بلاستيك.
وقعوها على الأرض.
الزلط قطع هدومها.
سحبوها لجوه ناحية شجرة كبيرة وربطوها من وراها.
ظهرها اتحك في القشرة الخشنة.
ما صرختش.
ما ترجّتش.
فضلت هادية... بتحفظ كل صوت، كل اسم، كل حركة.
عربية عدّت من الطريق وبطأت.
صبري شاور لها تكمل.
إجراء روتيني... اتحرك.
ندى رفعت راسها وسمعت.
سمعت اللاسلكي بيقول اسم المأمور حسام العشري.
وسمعت محمود بيسأل
الرسالة وصلت؟
وسمعت الخوف مستخبي تحت الصوت العالي.
وبعيد... من ورا الشجر...
سمعت صوت عربيات تقيلة جاية بسرعة.
في مقر القيادة، عربيتها الرسمية كانت فعلت إنذار تلقائي بعد اختفائها.
وأول ما العميد أحمد الجندي، نائب القائد، عرف إن اللواء خرجت من المسار ومبقتش ترد، ضرب المكتب بإيده وقال
هاتولي مكانها فورًا... محدش يستنى.
رجعنا للطريق.
تليفون محمود رن.
رد... ووشه اصفر.
صبري
قال
في إيه؟
محمود بلع ريقه.
لقوا إشارتها.
صبري سخر
مين؟
محمود بص لندى... ثم للطريق.
وقال بصوت مرتعش
الجيش.
ندى فردت ضهرها وهي مربوطة في الشجرة، وقالت بصوت قوي
كان عندكم فرصة تخلوا دي مخالفة مرور... دلوقتي بقت مصيبة.
وفي اللحظة دي...
ظهرت أول عربيات القوات المسلحة من آخر الطريق... بسرعة مرعبة أنوار العربيات العسكرية قطعت ضلمة الطريق، وصوت الموتورات هزّ المكان كله.
خمس عربيات دفع رباعي دخلوا صف واحد، ووقفوا بعنف قدام عربية الشرطة.
نزل رجال بزي عسكري كامل، أسلحتهم جاهزة، وتحركاتهم سريعة ومنظمة.
وفي نصهم نزل العميد أحمد الجندي بنفسه.
بص حواليه مرة واحدة... وشاف اللواء ندى مربوطة في الشجرة.
وشه اتقلب في ثانية.
مشى ناحيتها بخطوات ثابتة، وفك القيود بإيده، وبعدها وقف قدامها باحترام كامل وأدى لها التحية العسكرية.
أفندم... تأمرينا.
محمود وصبري واقفين متجمدين.
ولا واحد فيهم قادر ينطق.
ندى فردت كتافها، رغم آثار الخبط والتراب على هدومها.
وقالت بهدوء مرعب
قيدوهم.
في أقل من عشر ثواني، كان الاتنين على الأرض، إيديهم متكتفة بنفس الرباط البلاستيك اللي استخدموه.
صبري صرخ
يا فندم! في سوء تفاهم!
ندى بصت له وقالت
سوء التفاهم كان أول دقيقة... بعد كده بقى جريمة.
محمود حاول يتكلم
هي قاومتنا...
العميد أحمد قرب منه وقال
إنت قبضت على لواء في الجيش من غير سبب، 
وربطتها في
شجرة... وبتقول قاومتك؟
ندى التفتت لأحد الضباط.
هات تسجيلات الكاميرات من العربية... واللاسلكي... وكل المكالمات من ساعة الوقفة.
الضابط رد فورًا
تمام يا فندم.
بعد دقائق، وصلت سيارات إضافية من الشرطة العسكرية، ومعاهم فريق تحقيق.
المأمور حسام العشري وصل بعدها وهو بيجري، وشه شاحب.
أول ما شاف المنظر، فهم إن الكارثة وقعت.
وقف قدام اللواء ندى وقال
يا فندم... أكيد حصل تصرف فردي.
ندى ردت من غير ما ترفع صوتها
لو فردي... يبقى ليه كانوا بيقولوا الرسالة وصلت؟
المأمور اتلخبط وسكت.
ندى بصت للعميد أحمد وقالت
خد الجميع... من أول الأمينين لحد أي حد غطّى عليهم.
وبعدين مشيت نحية عربيتها، وقبل ما تركب وقفت لحظة.
بصت لمحمود وصبري وهم متكتفين على الأرض.
وقالت
أنا قضيت عمري أخدم البلد... وأنتم استخدمتوا السلطة تهينوا الناس.
ركبت العربية.
والقافلة اتحركت.
وفي صباح اليوم التالي...
كانت الأخبار كلها بتتكلم عن إيقاف ضباط وأفراد، وفتح تحقيق عاجل، وإحالة المتورطين للنيابة العسكرية والمدنية.
أما الطريق الهادئ اللي حصلت عليه الليلة دي...
فبقى شاهد على أسوأ غلطة عملوها في حياتهم في صباح اليوم التالي، الخبر انتشر في كل مكان.
القبض على أفراد أمن بعد الاعتداء على قيادية عسكرية رفيعة أثناء عودتها من مهمة رسمية.
لكن الناس ماكنتش تعرف كل التفاصيل... ولسه الصدمة الحقيقية جاية.
في غرفة التحقيق،
اللواء ندى دخلت بهدوء، لابسة زيها الرسمي، النياشين على صدرها، وملامحها جامدة.
محمود وصبري أول ما شافوها، وشهم اصفر.
تم نسخ الرابط