في قاعدة التعارف العريس سألها: حضرتك خريجة إيه؟ هي ببرود: خريجة سجو.ن
— يا نهار أبيض... الدنيا صغيرة أوي كده ليه!
سيف وقف بالعربية على جنب، وبصلها وقال بابتسامة هادية:
— متقلقيش... أنا جيت في الوقت المناسب. ويمكن دي أحسن صدفة حصلتلي من زمان.
نجلاء اتلخبطت لأول مرة، ولسانها الطويل اختفى، وسكتت.
وقال سيف وهو بيبص قدامه:
— تحبي أوصلك البيت... ولا نرجع نكمل التعارف من الأول؟نجلاء حاولت ترجع لبرودها المعتاد وقالت وهي باصة من الشباك:
— أوصلني البيت الأول... التعارف دا موضوع كبير ومحتاج لجنة.
ضحك سيف وقال:
— تمام، نبدأ بالمرحلة الأولى: التوصيل الآمن.
طول الطريق كانت ساكتة، ودا شيء غريب عليها. كل شوية يبص لها بطرف عينه يلاقيها سرحانة، ماسكة الأكياس في حضنها كأنها بتحتمي بيهم.
قطع الصمت وقال:
— هو مؤمن عملك إيه لكل دا؟
قالت ببرود:
— ولا حاجة. أنا بس لما بحس إن اللي قدامي بيقيّم الناس من قشورهم، بقفله الباب من أوله.
— وانتي بتدي فرصة لحد يعرفك أصلًا؟
لفت تبصله وقالت:
— اللي يستاهل... آه.
هز راسه بإعجاب:
— كلام كبير.
وصلوا تحت البيت. نزل بسرعة فتح لها الباب وشال الأكياس قبل ما تعترض.
قالت وهي مدايقة:
— أنا بعرف أشيل حاجتي.
رد بهدوء:
— وأنا بعرف
الجملة لمست حاجة جواها، فسكتت وطلعت قدامه. عند باب العمارة لقت أمها واقفة في البلكونة بتبص، وأول ما شافتهم نادت بصوت عالي:
— يا نجلاء! مين الأستاذ اللي معاكي؟
نجلاء جزت على سنانها وقالت:
— فضيحة!
سيف رفع راسه وقال بأدب:
— مساء الخير يا طنط.
الأم اتبسطت من شكله وهيبته وقالت:
— مساء النور يا ابني، اطلعو اشربوا شاي.
نجلاء بسرعة:
— لا لا، الأستاذ ماشي.
لكن سيف بص لها بمكر وقال:
— لو في ملوخية زي اللي سمعنا عنها، ممكن أغيّر خططي.
اتسعت عينيها:
— أنت سمعت!
— من ساعة ما كنتي مستخبية ورا العربية وانتي بتتكلمي لوحدك عن الملوخية والتسالي.
طلعت أمها تجري تفتح الباب، وبعد خمس دقايق كان سيف قاعد في الصالة، وعبير وندى بيبصوا له من المطبخ ويتهامسوا.
عبير قالت:
— يا بنتي دا أحسن من العريس اللي قبله بمراحل.
ندى:
— شكله محترم أوي.
نجلاء ردت وهي متوترة:
— اسكتوا بدل ما أمشيه.
دخلت الأم بالشاي وقالت لسيف:
— يعني يا ابني تعرفتوا فين؟
سيف شرب رشفة وقال بمنتهى الهدوء:
— الصراحة؟ نجلاء هجمت عليا من بين العربيات.
الكوباية كانت هتقع من إيد الأم، وعبير انفجرت ضحك،
— والله؟ طب قوم امشي أحسنلك.
سيف قرب الكوباية من فمه وقال مبتسم:
— مش همشي... إلا لما آخد ميعاد رسمي أقابل فيه الآنسة نجلاء.
ولأول مرة... وش نجلاء احمر، ومقدرتش ترد.الصالة كلها سكتت ثانيتين، وبعدها الأم قالت وهي بتحاول تخبي ابتسامتها:
— يا أهلاً وسهلاً... المواعيد الرسمية عندنا مفتوحة طول الأسبوع.
نجلاء قامت واقفة بسرعة:
— ماما!
سيف ضحك وقال:
— خلاص نخليها بكرة عشان مايبقاش استعجال.
عبير همست لندى:
— أنا بحب الراجل ده.
نجلاء رمقتهم بنظرة خرستهم، وبعدين بصت لسيف وقالت بجدية:
— حضرتك متعرفنيش عشان تاخد قرار زي دا.
رد بهدوء:
— وأنا ماخدتش قرار... أنا طلبت فرصة أعرفك.
الكلمة خلتها تسكت لحظة. كانت أول مرة حد يكلمها من غير ما يحاول يفرض نفسه أو يتعامل معاها كأنها جايزة لازم يكسبها.
الأم قامت وقالت:
— طب أنا هسيبكم تتكلموا شوية في البلكونة.
نجلاء شهقت:
— نعم؟!
لكن أمها كانت دخلت المطبخ خلاص، وسابتهم هما الاتنين واقفين محرجين.
سيف أشار ناحية البلكونة:
— نتفضل قبل ما طنط تقفل علينا من بره.
خرجوا الاتنين. الجو كان لطيف والهوا داخل، وصوت الشارع طالع من تحت.
سيف
— ليه بتخوفي أي عريس يقعد معاكي؟
نجلاء شبكت إيديها وقالت:
— عشان اللي يدخل حياتي لازم يبقى راجل بجد... مش واحد جاي يدور على خدامة، ولا واحدة يقيّمها بالشكل، ولا حد ضعيف الشخصية تحركه أمه وخالته.
— وانا تبعي أي تصنيف؟
بصتله وقالت:
— لسه تحت الاختبار.
ابتسم:
— حلو... طيب والسجن؟
ضحكت لأول مرة من قلبها:
— كنت مستنية أشوف رد فعل مؤمن. وطلع أذكى مما توقعت... يعني وقع في أول فخ.
— يعني ما دخلتيش سجن؟
قربت منه شوية وقالت بصوت واطي:
— دخلت... سجن الثانوية العامة.
سيف انفجر ضحك لدرجة إنه مسك سور البلكونة.
— يا نهار أبيض! يعني كل دا بسبب ثانوية عامة؟
— أيوه، تلات سنين كمان.
فضل يضحك، وهي بصاله بنصف ابتسامة.
بعد شوية هدي وقال:
— تعرفي؟ أنا أول مرة أقابل بنت قوية كده، ولسانها سابقها، بس قلبها طيب.
وشها اتحمر تاني وقالت بسرعة:
— أنت عرفت قلبي منين؟
— من خوفك من غيرك... مش من نفسك.
سكتت، لأنها حسّت إنه شافها بجد.
وفجأة الباب اتفتح، وعبير طلعت وهي شايلة طبق.
— ماما بتقول اتفضلوا الملوخية... والعريس ميقومش غير لما ياكل.
نجلاء بصتلها بصدمة:
— عريس مين يا قليلة الأدب؟
عبير
سيف بص لنجلاء وقال بابتسامة هادية:
— بصراحة... أنا موافق على اللقب. انتي رأيك إيه؟